
مصداقية وهيبة ترامب ستحدد خلال 48 ساعة من قطاع غزة
في تصريح عبر إذاعة سبوتنيك الروسية، قدّم المستشار والمقرب من دوائر صنع القرار للسياسة الخارجية الروسية السيد رامي الشاعر قراءة نقدية للتحولات الدولية الجارية، منتقداً سياسات الغرب تجاه روسيا وأوكرانيا، ومؤكداً أن مصداقية الرئيس دونالد ترامب باتت اليوم مرتبطة بقدرتها على إنهاء الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.
قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للأسف بنسف الجهود التي بذلها العديد من الزعماء الفرنسيين على مدى عقود لإصلاح صورة فرنسا كدولة ذات ماض إستعماري، لا سيما في الشرق الأوسط وإفريقيا. ويأتي ذلك في ظل الدور الذي يقوم به الرئيس ماكرون اليوم في قيادة الحملة المعادية لروسيا، وهي حملة تُدار على حساب الشعب الأوكراني بالدرجة الأولى ومن هذا المنطلق، لا يحق له بأي حال من الأحوال التحدث عن القانون الدولي أو إدعاء الدفاع عنه. في الواقع ما نشهده اليوم يفرض واقعاً مختلفاً، حيث بات ما يُسمّى بقانون القوة هو الأداة الوحيدة لمواجهة حالة الجنون السياسي التي تسود بعض الدول الغربية والتي تسعى بكل الوسائل إلى تشويه سمعة روسيا ومحاولة هزيمتها عبر إستخدام مختلف أشكال الحرب الهجينة وفي هذا السياق، لم يعد لأي خطاب يصدر عن الرئيس ماكرون أي أهمية بعدما فقد إحترامه ومصداقيته على الساحة الدولية وقد صدق الرئيس الأمريكي ترامب عندما وصفه بأنه “رئيس منتهي”. اليوم لم تعد لفرنسا ولا لحلفائها الحاليين أي قيمة فعلية تُذكر فهم في حالة هزيمة محسومة أمام روسيا، في ظل التحول المتسارع نحو نظام عالمي جديد قائم على التعددية القطبية تقوده كل من روسيا والصين والهند. والمثير للإهتمام أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدأت تدرك هذا التحول وكل المعطيات تشير إلى أنها أصبحت أقرب إلى هذا التكتل الدولي الجديد، في مقابل إبتعادها التدريجي عن الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بصيغتهما الحالية، خصوصاً في ظل وجود بعض القادة الأوروبيين الحاليين الذين فقدوا العقل والضمير، ويتسببون بسياساتهم في إلحاق أضرار جسيمة بشعوبهم وإقتصادات بلدانهم، فضلاً عن مساهمتهم في تصعيد التوتر في العلاقات الدولية. إن السياسة غير المدروسة التي إنتهجتها باريس كانت سبباً مباشراً في سقوط مئات الضحايا من أبناء الشعب الأوكراني وكانت نتيجتها خسارة أوكرانيا لما يقارب ربع مساحة أراضيها، وهي في الأساس أراضي روسية. واليوم تتجه أوكرانيا نحو فقدان مدينة أوديسا، التي تُعد منفذها الوحيد على البحر الأسود. وتكتسب أوديسا أهمية إستراتيجية كبرى بالنسبة للأمن القومي الروسي، لا تقل عن أهمية غرينلاند بالنسبة للأمن القومي الأمريكي. وبالعودة الى فرنسا فأن الوضع سيبقى في حالة تدهور مستمر كما هو عليه اليوم ما لم تُقدم باريس على تغييره.
وفيما يخص مجلس السلام الذي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تشكيله وبغضّ النظر عن التفسيرات المتعددة والمتباينة التي تدور حول المجلس في الوقت الراهن، فإن هناك من يرى أن هذا المجلس يتجاوز كلاً من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. كما أن بعض الأطراف الدولية أعلنت صراحة عدم مشاركتها في هذا المجلس. أما أنا شخصياً فأعتبر أن هذه الفكرة أو هذه المبادرة التي أعلن عنها الرئيس ترامب أسهمت بغضّ النظر عن النوايا أو المواقف في إعادة إحياء الوضع الكارثي ولفت أنظار العالم بأسره مجدداً إلى الحالة المأساوية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني. فلا يجوز هذا الصمت الدولي المستمر في وقت يموت فيه الأطفال والنساء من شدة البرد ومن فقدان الغذاء والدواء في ظل إغلاق الحدود ومنع وصول المساعدات الإنسانية. وأقولها بكل صراحة ووضوح: بالنسبة للرئيس ترامب، فإن هذه المبادرة التي أعلن عنها تمثل اليوم المقياس الحقيقي لمصداقيته. وبغضّ النظر عمّن وافق أو لم يوافق على هذا المجلس، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك الإمكانية الكاملة والقدرة التامة على أن تباشر فوراً بجهود إنقاذ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وهي قادرة على ذلك دون أدنى شك. وإذا لم يتم خلال أيام معدودة، فتح المعابر وإدخال جميع المساعدات الإنسانية والسماح لكل الهيئات والمنظمات الدولية الانسانية بالوصول إلى قطاع غزة لانقاذ الشعب الفلسطيني، فإن الرئيس ترامب سيفقد هيبته وسيفقد معها كامل مصداقيته على الساحة الدولية. اليوم لم تعد القضية قضية التوصل إلى حل للأزمة الأوكرانية، ولا معالجة الأزمات الدولية الأخرى. اليوم القضية الأهم والأكثر إلحاحاً هي إنقاذ حياة الأطفال الفلسطينيين والنساء الفلسطينيات. هذا هو اليوم المقياس الفعلي للرئيس ترامب. وإذا لم يستطع، خلال أيام معدودة بل وأكون أكثر وضوحاً وصراحة خلال 48 ساعة فقط من إعلانه عن تشكيل هذه اللجنة، أن يشعر الشعب الفلسطيني في قطاع غزة نساء وأطفالاً بوصول المساعدات والتدفئة والغذاء والدواء، فإن ذلك يعني بلا أدنى شك أنه فقد كامل مصداقيته.
أمّا بخصوص موضوع أوكرانيا وروسيا، فأيضاً على الرئيس ترامب أن يكون أوضح في الطريقة التي يتعاطى بها حالياً مع جهوده العلنية لحل هذه الأزمة. يجب أن يتحلّى بالجرأة وأن يُعلن بأنه خلال لقائه مع الرئيس الروسي فلايديمير بوتين في ألاسكا تمّت مناقشة هذا الموضوع، وتم الاتفاق على أنه لا يمكن التوصل إلى حل لهذه الأزمة من دون أن تستعيد روسيا جميع الأراضي التي أعلنت أنها أصبحت أراضي روسية وصادق على ذلك البرلمان الروسي، وهي أراض روسية بالأصل تمّت إستعادتها. على الرئيس ترامب أن يُعلن هذا الأمر وأن يُعلنه بوضوح للأوروبيين وللقيادة الأوكرانية الحالية بأن لا خيار أمامكم سوى الإنسحاب الكامل من هذه الأراضي، وإلا فإن روسيا ومن خلال العملية العسكرية الخاصة ستستعيدها بنسبة 100% فلماذا التضحية بآلاف من أبناء الشعب الأوكراني في معركة خاسرة بنسبة %100؟ لا يمكن أن يحصل أي حل آخر، ولا يجوز أن يتوهم لا الغربيون ولا أي جهة في العالم بأن هذه الأزمة يمكن أن تنتهي من دون الاستعادة الكاملة لكل شبر من الأراضي التي اُعلن أنها أراضٍ روسية والتي تمت إعادتها إلى الوطن الأم.




