صحافة وآراء

موسكو قد تضطر لقصف أوكرانيا وحتى بريطانيا وفرنسا بالقنابل النووية

د. أيمن أبو الشعر

  • موسكو تحذر من احتمال تصادم الدول النووية، وتعتبر تقديم أسلحة نووية أو عناصر نووية لأوكرانيا خطا أحمر لا يمكن تجاوزه

ولات ساعة مندم
يساور الأوكرانيون عموما وقياداتهم الحالية على وجه الخصوص حالة ندم عميق على القبول بوضع غير نووي، ويعبرون عن استيائهم من قرار القيادة الأوكرانية ممثلة بداية بالرئيس كرافتشوك الذي وقع على وثيقة لشبونه لعام 1992 الممهدة لقبول الوضع غير النووي، ومن ثم بالرئيس ليونيد كوتشما الذي وقع على وثيقة بودابست عام 1994 التي تقضي بتفكيك ونقل الترسانة النووية الأوكرانية إلى روسيا، تلك الترسانة التي كانت ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، وذلك بعد ضغوط أمريكية وروسية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي لحصر السلاح النووي، ومنع تمدد ظاهرة الانتشار، وقد تم ذلك خلال عامين لقاء ضمانات أمنية من قبل روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا باحترام سيادة أوكرانيا وحدودها، وعدم استخدام القوة ضدها، ناهيك عن امتيازات مالية من خلال إلغاء الديون ودفع تعويضات عن تفكيك الصواريخ وتدمير منصات الإطلاق ونقل الأسلحة، إضافة إلى بعض المساعدات العينية من الولايات المتحدة مع ضمان حصول كييف على الوقود النووي من روسيا لمحطاتها الكهروذرية.

ورغم ظهور حالة الندم على التخلي عن السلاح النووي بتقدير أنه كان يمكن أن يكون رادعا من جهة، واعتبار العملية العسكرية خرقا للضمانات الأمنية التي رافقت التخلي عن السلاح النووي من جهة ثانية، إلا أن للواقع رأيا آخر، أولا: أن وجود السلاح النووي لدى أوكرانيا لم يكن ليشكل رادعا بل كان يمكن أن يؤدي إلى حرب نووية مدمرة، لأن كييف بوجود قيادة قومية متطرفة لن تتوانى عن استخدام السلاح النووي ضد روسيا وفق تقديرات رئيس الوزراء الأوكراني الأسبق أزاروف نفسه الذي أعلن بوضوح أنه لا يشك في أن القيادة الأوكرانية ستستخدم السلاح النووي فور حصولها عليه” ، والثاني: أن العملية العسكرية الروسية لم تكن خرقا للضمانات الأمنية -“التي بالمناسبة لم تكن مُلزمة”- ذاك أن السلطة الجديدة في أوكرانيا بدأت ليس فقط بالتعامل مع الروس في أوكرانيا -وهم بالملايين- كمواطنين من الدرجة الثالثة، بل وضيقت الخناق حتى على لغتهم ومجمل ظروفهم الحياتية، وبدأت بقصف دونباس التي غالبية سكانها من الروس لأنهم رفضوا الانقلاب الذي حدث بدعم غربي مباشر…

الاحتمال بالغ الخطورة
ليس الأمر مجرد تكهنات، فقد أعلن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية ان لديه معلومات تشير إلى أن لندن وباريس تسعيان لتزويد كييف بأسلحة خارقة بحيث تحصل على شروط أفضل لإنهاء القتال في حال امتلاكها للقنبلة النووية، أو على الأقل ما يسمى بالقنبلة الذرية القذرة، وينوه جهاز الاستخبارات الروسي بأن ألمانيا امتنعت عن المساهمة بهذه المغامرة.

وسرعان ما طالب مجلس الاتحاد الروسي “وهو المجلس الأعلى في الجمعية الاتحادية أي البرلمان الروسي” بإجراء تحقيقات جدية دولية ووطنية لتقصي حقيقة هذه المعطيات، وذلك من خلال بيان رسمي عبَّر فيه الاتحاد عن عميق القلق إزاء هذه المعلومات، مع التنويه بأنه إن صحت هذه المعلومات فإنها ستشكل تهديدا صريحا للأمن الروسي وحتى الدولي، وانتهاكا خطيرا لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ووجه نداء مباشرا إلى مجلسي العموم واللوردات البريطانيين، وكذلك إلى الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيين مطالبا بالإسراع في فتح تحقيقات برلمانية جدية بهذا الخصوص، كما طالب مجلس الاتحاد الروسي كلا من مجلس الأمن الدولي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأطراف معاهدة عدم انتشار السلاح النووي بالتحرك الفوري للتحقيق في هذا الأمر وفق صلاحياتها المخولة.

النتيجة أكثر خطورة على العالم
واقع من هذا النوع لا يمكن أن يمرَّ بهدوء خاصة أن روسيا تدرك عمليا أن الدول الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا تسعيان بكل ما لديهما من قوة لتعطيل مسار التسوية السلمية، وقد يكون هذا المخرج بالنسبة لهم معقولا بحيث يتم التعويض به عما لم يستطع الغرب تحقيقه “إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا ” من خلال إمداده لأوكرانيا بمختلف أنواع السلاح والدعم المالي، من هنا حذرت الخارجية الروسية من مخاطر حدوث صدام مباشر بين الدول النووية، مذكرة بأن العواقب في هذه الحالة ستكون وخيمة جدا، وأوضحت زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية بأن التصريحات والتصرفات المعادية لروسيا من قبل قيادات بعض الدول الأوربية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى صدام عسكري مباشر بين القوى النووية، مشددة على خطورة ما يمكن أن يتمخض عن ذلك من حالات كارثية.

وذهب دمتري مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي أبعد من ذلك حيث أعلن بوضوح: “… إن معلومات الاستخبارات الخارجية الروسية حول نية فرنسا وبريطانيا إرسال التكنولوجيا النووية إلى النظام المتطرف في كييف تغير الوضع جذريا. ولا يتعلق الأمر هنا بانتهاك معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو أي قانون دولي آخر، بل هو إرسال مباشر للأسلحة النووية إلى دولة في حالة حرب”.

وبالتالي فإنه يرى أن روسيا ستضطر إلى استخدام أية أسلحة موجودة لديها بما في ذلك الأسلحة النووية التكتيكية ضد أهداف في أوكرانيا التي ستشكل مزيدا من الخطر على الأمن الروسي، وأضاف أن القصف النووي الروسي قد يطال كذلك الدول التي تورد السلاح النووي لأوكرانيا كونها ستكون قد دخلت في صراع نووي مباشر مع روسيا، بل إن الرئيس الروسي نفسه أشار إلى أن أعداء موسكو ربما يدركون كيف يمكن أن ينتهي أي هجوم على روسيا أو القوات الروسية باستخدام عناصر نووية.

مبررات الشك أقوى من تصريحات النفي
كان من البديهي أن تسارع أوكرانيا إلى نفي الاتهامات الروسية بأنها تحاول الحصول على أسلحة نووية، ووصفت هذه الاتهامات بأنها سخيفة، حتى أن الخارجية الأوكرانية اعتبرت أن المسؤولين الروس يحاولون مرة أخرى اختلاق ما وصفته بالهراء القديم بشأن القنبلة الذرية القذرة، وطالبت المجتمع الدولي بإدانة مثل هذه التصريحات، لكن للأمر في الواقع مؤشرات أخرى تعمق الشك، فقد عبَّر المسؤولون الأوكرانيون اكثر من مرة عن قناعتهم بأنهم لو لم يتخلوا عن السلاح النووي لما أقدمت روسيا على البدء بعمليتها العسكرية، فقد أعلن الكسندر تورتشينوف أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الوكراني عام 2019 بأن نزع السلاح النووي كان غلطة تاريخية من جانب أوكرانيا.

كما أن مواقف زيلينسكي نفسه توحي بهذه الرغبة، فقد تضمنت خطة النصر التي قدمها زيلينسكي عام 2024 نقاطا تتعلق بالردع القوي، وتضمن النقاش خيار الردع النووي باعتباره أفضل الضمانات الأمنية الفعلية، وفي بداية عام 2025 أعلن زيلينسكي أنه إن لم تتمكن أوكرانيا من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي فإنها ستضطر إلى التفكير بامتلاك سلاح نووي لحماية نفسها من روسيا أي أنه وضع خيارين: إما أن تملك أوكرانيا السلاح النووي، أو أن تحمي نفسها بانضمامها للناتو، وحتى في مؤتمر الأمن في ميونيخ أواسط فبراير – شباط 2026 هدد زيلينسكي بإعادة النظر في مسألة تخلي كييف عن الأسلحة النووية مطالبا الدول المشاركة في مذكرة بودابست بضمانات أمنية فعلية لأوكرانيا، أو أن كييف ستسحب اعترافها بالوثيقة.

أما نفي بريطانيا وفرنسا سعيهما لتزويد أوكرانيا بالسلاح النووي فهو أقرب ما يكون إلى اعتبار تقديم عناصر وأجزاء تتيح لكييف استخدامها في تطوير سلاح نووي لا يعني أنهما يقدمان سلاحا نوويا، فحسب بيان الاستخبارات الروسية أن الحديث يدور حول نقل سري لمكونات ومعدات وتقنيات أوربية بما في ذلك استخدام الرأس الحربي الفرنسي صغير الحجم المستخدم في الصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، بحيث يبدو ظهور أسلحة نووية بحوزة كييف وكأنه نتيجة تطوير ذاتي قام به الأوكرانيون أنفسهم، وهو أمر يشبه طرفة شعبية قديمة تقول بأن صبيا مهبولا كان يهاجم بالحجارة الصبية الذين يلقبونه بشراب الليمون المحلى – “الليموناده” …وذات مرة وكان الأبله قريبا منهم وفي يده الحجارة، فقال أحدهم: ليمون، وقال الثاني: سكر، وقال الثالث: ماء، فقال الولد الأبله : ” إن مزجتوها سأقذفكم بالحجارة!”

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى