
واشنطن بوست: سياسة «أمريكا أولاً» قد تدفع حلفاء واشنطن لبناء بدائل عنها
رأى الكاتب والمؤلف الأمريكي زكاري كارابل أن سياسات الرئيس دونالد ترمب الخارجية والاقتصادية قد تقود إلى نتيجة تتناقض مع هدفها المعلن، تتمثل في إضعاف النفوذ الأمريكي عالمياً ودفع حلفاء واشنطن وشركائها إلى تقليص اعتمادهم عليها.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يجادل كارابل بأن نهج ترمب القائم على شعار «أمريكا أولاً» واستخدام الرسوم الجمركية والقوة الاقتصادية للضغط على الدول الأخرى، إلى جانب إعادة النظر في الالتزامات الأمنية الأمريكية، قد يسرّع تحولاً كان قائماً أصلاً نحو نظام دولي أكثر استقلالاً عن واشنطن.
تراجع الاعتماد على واشنطن
ويشير الكاتب إلى أن عام 2026 لم يكن، وفق تقييمه، جيداً للولايات المتحدة، في ظل استمرار الحرب مع إيران، وتأثير الرسوم الجمركية في التجارة العالمية، إلى جانب التضخم وضعف النمو الاقتصادي.
ويرى أن هذه التطورات لا تعزز بالضرورة القوة الأمريكية على المدى الطويل، بل قد تدفع حلفاء واشنطن إلى البحث عن ترتيبات أمنية واقتصادية بديلة تحسباً لتراجع الاعتماد على الولايات المتحدة.
وفي الشرق الأوسط، يشير كارابل إلى أن الحرب مع إيران كان يفترض أن تعزز القيادة الأمريكية في الخليج وتوطد علاقات واشنطن بحلفائها العرب وإسرائيل، بما في ذلك عبر توسيع اتفاقيات أبراهام.
لكن النتيجة، بحسب الكاتب، جاءت في الاتجاه المعاكس، مع اتساع المسافة بين واشنطن وبعض شركائها الإقليميين.
ويستشهد في هذا السياق باتفاق دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، معتبراً أن الاتفاق يعكس توجهاً نحو بناء ترتيبات أمنية يمكن أن توفر قدراً من الحماية من دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ولا يرى كارابل أن هذا الاتجاه يقتصر على الشرق الأوسط. ففي آسيا، تدفع المخاوف من صعود الصين دولاً مثل اليابان والفلبين إلى تعزيز التعاون الأمني والعسكري فيما بينها، وتطوير قدراتها الدفاعية، بدلاً من الاعتماد بصورة شبه كاملة على المظلة الأمريكية.
كما يحذر من أن تقليص التعاون العسكري مع كوريا الجنوبية، بالتزامن مع الإشارات الإيجابية التي يوجهها ترمب إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، قد يعزز مخاوف حلفاء واشنطن ويدفعهم إلى البحث عن خيارات أكثر استقلالاً.
الرسوم الجمركية والدولار
ويعتبر كارابل أن الخطر الاستراتيجي الأكبر على النفوذ الأمريكي قد يأتي من المجال الاقتصادي.
فسياسة الرسوم الجمركية، إلى جانب استخدام القوة الاقتصادية والدولار كأدوات للضغط السياسي، تدفع دولاً أخرى إلى البحث عن شركاء تجاريين وبدائل مالية، بما قد يقلل تدريجياً من اعتمادها على الولايات المتحدة.
ويقر الكاتب بأن الدولار لا يزال العملة الرئيسية في الاقتصاد العالمي، وأنه لا توجد في الوقت الراهن عملة قادرة على الحلول محله، لكنه يرى أن استمرار الاتجاه نحو تنويع العلاقات التجارية والمالية قد يؤدي إلى نظام عالمي أقل اعتماداً على العملة الأمريكية.
ويحذر من أن مثل هذا التحول قد تكون له تداعيات مباشرة على الولايات المتحدة، إذ إن تراجع الطلب العالمي على السندات الحكومية الأمريكية يمكن أن يزيد تكلفة تمويل الدين وخدمته.
كما أن انخفاض الاعتماد الأمني على واشنطن قد يتبعه، بحسب كارابل، تراجع في الارتباط الاقتصادي بها، الأمر الذي يمكن أن يحد من فرص الشركات والمستثمرين الأمريكيين في الأسواق الخارجية.
الصين المستفيد المحتمل
ويرى الكاتب أن تراجع النفوذ الأمريكي قد يفتح في المقابل مجالاً أوسع أمام الصين لتعزيز حضورها الاقتصادي والتجاري والسياسي في مناطق مختلفة من العالم.
ولا يعني ذلك، بحسب طرحه، أن الصين ستحل سريعاً محل الولايات المتحدة، أو أن الدولار سيفقد موقعه العالمي في المدى القريب، وإنما أن النظام الدولي قد يتجه تدريجياً إلى توزيع النفوذ بين قوى ومراكز متعددة بدلاً من استمرار الهيمنة الأمريكية بنفس المستوى.
مفارقة «أمريكا أولاً»
ويخلص كارابل إلى أن المفارقة الأساسية في سياسة ترمب تكمن في أن الإجراءات التي تهدف إلى جعل الولايات المتحدة أكثر قوة واستقلالاً قد تدفع الدول الأخرى إلى تحقيق الهدف نفسه بعيداً عن واشنطن.
فالنظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945 قام، إلى حد كبير، على وجود الولايات المتحدة في مركز المنظومة الأمنية والاقتصادية العالمية. لكن تقليص الالتزامات الأمريكية، والضغط على الحلفاء، واستخدام أدوات التجارة والمال في السياسة الخارجية، قد يدفع هؤلاء الحلفاء إلى بناء بدائل أكثر استقلالاً.
وبذلك، يرى كارابل أن ترمب، الذي يسعى إلى تقليص الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة وإعادة تعريف علاقتها بالعالم، قد يسرّع تحولاً في الاتجاه المعاكس: عالم أقل اعتماداً على واشنطن وأكثر تعددية في مراكز القوة.
وهنا تكمن المفارقة التي يقوم عليها المقال: ما قد يضعف النفوذ الأمريكي على المدى الطويل، قد يمنح بقية دول العالم مساحة أكبر للاستقلال عن الولايات المتحدة.




