صحافة وآراء

“الاستيطان” على عتبات مصر .. و”نغمة النشاز” في المعزوفة الصهيونية عن “الحرب المؤجّلة”

هاني الكنيسي

من آن لآخر، تستعذب آلة الإعلام الصهيوني العزف على وتر “مخاوف” دولة الاحتلال “المهيضة” من غدر الجارة الجنوبية التي رغم “تكبيلها” بمعاهدة “سلام” منذ 1979 وبعوز “اقتصادي” متفاقم منذ الستينات، تؤهّل جيشها “الأكبر عددًا” لمعركة محتملة في أي وقت، ولا يهدأ نشاطها الاستخباراتي في غزة “الإرهابية”.

وفي أحدث حلقات “الحملة” المتأججة منذ رفض مصر فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، نشر الموقع الإلكتروني الرسمي للحكومة الإسرائيلية اليوم وثيقةً جديدة تكشف عن خطة لوزارة “الاستيطان والمهام الوطنية” لتعزيز الوجود اليهودي في منطقة “فتحة نتسيانا” المحاذية للحدود المصرية. وجاءت الخطة -حسب الوثيقة- استجابة لـ”تصاعد التهديدات الأمنية عبر الحدود”، وعلى رأسها عمليات التهريب عبر مسيّرات تنطلق من سيناء حاملة كميات من المخدرات والأسلحة.

وبهذه المناسبة اطّلعت وزيرة الاستيطان ‘أوريت ستروك’ في جولة ميدانية -رفقة قيادات الجيش- مطلع نوفمبر الجاري، على تطورات عمليات التهريب اليومية المزعومة. ووفقًا للموقع الحكومي، خلصت ‘ستروك’ إلى أن “أمن إسرائيل لا يمكن أن يتحقق من دون استيطان”، معلنةً خطتها لجلب “أجيال شابة من المستوطنين” إلى المنطقة في إطار استراتيجية تحويل حدود إسرائيل الجنوبية (أي غزة/ مصر) إلى ما سمّته “جدارًا بشريًا”، يرتكز على الكثافة السكانية اليهودية باعتبارها “أداة ردع” وردّ على “تهديدات إجرامية هجينة”.

الوثيقة “الحكومية” تزامنت مع تعالي “صيحات” متكررة من قيادات الجيش الإسرائيلي ومن مسؤولين في إئتلاف النتنياهو، وتحذيرات خلطت بين “الأخطار المحتملة من الحدود المصرية” وبين “تعزيزات وتحركات مشبوهة للجيش المصري في سيناء”.

وكان أحدث مظاهر تلك “الحملة الأوركسترالية”، ما نشرته صحيفة ‘هآرتس’ العبرية -قبل بضعة أيام- عن “أزمة بين المؤسستين الأمنية والعسكرية في إسرائيل”، إثر مطالبة وزير الحرب ‘يسرائيل كاتس’ بإعلان الحدود المصرية “منطقة عسكرية مغلقة”، وتعديل “قواعد الاشتباك” لمواجهة “موجات تهريب الأسلحة والذخائر بطائرات مسيّرة من سيناء”.

لكن قادة الجيش عارضوا طلب الوزير، من منطلق أن من يستقبلون مسيّرات التهريب في الداخل “مواطنون إسرائيليون” وليسوا قوات معادية، وبالتالي فإن التعامل معهم “مسؤولية الشرطة لا الجيش”. كما حذروا من أن “توسيع قواعد إطلاق النار قد يؤدي إلى إصابات بين مدنيين إسرائيليين”، خاصة أن عمليات تهريب السلاح والمخدرات تتم في مناطق يسكنها بدو النقب.

ونقلت ‘هآرتس’ عن مسؤولين أن “دور الجيش يقتصر على إسقاط المسيّرات قبل دخولها المجال الإسرائيلي، بينما تتحمل الأجهزة الأمنية مسؤولية الإمساك بمستقبلي الشحنات”.

وبرغم تشكيل وحدة خاصة مشتركة بين الجيش والشاباك (الاستخبارات) والشرطة بقيادة رئيس الأركان ‘إيال زامير’، فإن وحدات “يمس جنوب” –وهي رأس الحربة في العملية– تواجه صعوبة بالغة في التعامل مع الوتيرة المتسارعة لعمليات التهريب عبر الحدود المصرية، والتي اعترف مصدر في قيادة الجبهة الجنوبية الإسرائيلية بإسقاط “عشرات المسّيرات التي تنقلها بين أكتوبر 2024 وفبراير 2025″.

أما المفارقة التي كشفها تحقيق ‘هآرتس’ فهي أن أغلب تلك الطائرات “مسروقة من مزارعين إسرائيليين، وتستطيع الطيران لمسافة 5–10 كيلومترات، ما يتيح لشبكات التهريب العمل دون الاقتراب من السياج الأمني الحدودي”.

وبموازاة الجدل الإسرائيلي الأخير حول استراتيجيات مواجهة أخطار الحدود المصرية على مسارين متوازيين (الأول تعزيز “الجدار البسري” -أي الاستيطان- في المناطق الحدودية بوصفه “منظومة أمنية”، والثاني تغيير قواعد الاشتباك على الحدود مع سيناء)، توقّفت متأملًا مغزى ما قاله المقدم ‘يوناتان هاليفي’ (ضابط استخبارات متقاعد، ومستشار سابق في الخارجية الإسرائيلية، وحاليا باحث في مركز القدس للشؤون العامة)، في مقابلة على بودكاست صحيفة ‘معاريف’، بشأن العلاقات “المريبة” بين المخابرات المصرية وحركة حماس.

فخلال المقابلة “المصوّرة” التي أجرتها معه ‘عينات ميرون’ خبيرة الأمن السيبراني، ذكر المقدم الإسرائيلي المتقاعد عبارة “الرسالة المصرية لإسرائيل في 7 أكتوبر كانت غريبة جدًا”. وفي التفاصيل، يزعم أنه تم رصد رسالة مفادها أن “الوسيط المصري أبلغ حماس والجهاد الإسلامي بعدم مسؤوليتهما عما حدث في هذه الحرب”.

ثم يتابع: “الرسالة المصرية كانت غريبة جدًا. ماذا لدى المصريين ليقولوا: نحن لا نتحمل مسؤولية الهجوم؟ لماذا عليهم قول ذلك؟ إذا كان لديهم سبب لتحمل المسؤولية، فربما لأنهم نقلوا إليهم رسالة. هذا يعني أن المصريين نقلوا رسالة طمأنة من الفلسطينيين إلى إسرائيل، وتبين لاحقا أن هذه الرسالة كانت مضلّلة”.

ورغم هذا التلميح الخبيث، فقد كانت إجابة ‘هاليفي’ على سؤال مذيعة البودكاست “الأخبث” عما إذا كان يرى في التحركات المصرية (الاستخباراتية والعسكرية) ما يثير الخوف من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباغتة على غرار السادس من أكتوبر 1973، قاطعةً: “ليس لدى مصر أي مصلحة حاليًا في إشعال حرب مع إسرائيل”.

وعندما ضغطت عليه المذيعة (خبيرة الأمن السيبراني)، مقاطعةً: نرى آلاف الدبابات المصرية تتجمّع قرب حدودنا، ولذا أتساءل: لماذا تقترب إن لم تكن ستعبرها في وقت ما؟، كان ردّه هادئا: “نعلم تماما أن مصر تتدرب ضد عدو ليس سودانيًا ولا ليبيًا. لكن فيما يتعلق بتعزيز الوجود العسكري في منطقة رفح، فإن الرسالة المصرية واضحة: لن نسمح لإسرائيل تحت أي ظرف بتهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية. في رأيي أن اقتراب المدرعات يبعث برسالتين إلينا: أولًا، نحن جادون. وثانيًا، خطواتكم في غزة تهدد اتفاقية السلام”.

وعلى مدى ساعة تقريبا، يمضي الضابط السابق والخبير الاستخباراتي الإسرائيلي -الذي يزعم أنه قام بمشروع بحثي لتوثيق التصريحات والمقالات الصادرة عن قيادات حماس وحزب الله- في التطرق للعديد من الملفات “المثيرة” بشأن ما جرى “في الجبهات المعادية” قبل السابع من أكتوبر وبعدها. فيحلّل “خطاب حسن نصر الله الأول بعد الهجوم”، ويقارن بين خطاب يحيى السنوار في 14 أبريل 2023 (بمناسبة يوم القدس) والذي أشاد فيه علنًا بإيران ونصر الله، وبين خطاب محمد الضيف في 7 أكتوبر (بعد ساعة من بدء الهجوم) والذي لم ترد فيه سوى جملة واحدة عن احتمال انضمام إيران، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن “تخطيط الهجوم وتنفيذه كان فلسطينيًا بامتياز”. ثم يختم معقّبا: “هذا يعني أن القضية المركزية كانت مسألة من يقود الحرب؟ والإجابة: نحن الفلسطينيين من يقرر، نحن من يحرر فلسطين، وليس أي طرف آخر”.

وبرغم “سماجة” النبرة، فالحقيقة أن حوار البودكاست كله جدير بالمشاهدة لمن يهتم، ويستحق “التأمّل” لمن يحاول أن يفهم.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى