
بين التحذير والإندفاع: هل تقف الولايات المتحدة الأمريكية على أعتاب حرب أوسع في الشرق الأوسط؟
ريم حسن خليل
تعيش الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظاتها السياسية حساسية، في ظل إستمرار الحرب في غزة، وتزايد المؤشرات على إحتمال إتساع رقعة الصراع ليشمل إيران ودولاً أخرى في المنطقة. وتأتي هذه التطورات لتتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، حيث سيعرض في جلسات خاصة رؤيته لمرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية، وهذا ما أثار قلقاً متزايداً داخل بعض الأوساط الأمريكية نفسها.
في هذا السياق، برز تصريح لافت للسيد “دوغلاس ماكغريغور” المستشار السابق في وزارة الحرب الأمريكية، وجّه فيه خطاب مباشر إلى الرأي العام، محذراً من خطورة المرحلة المقبلة، وجاء فيه: “أيها الأميركيون، سيزور السيد بنيامين نتنياهو واشنطن هذا الأسبوع، سيشرح بالتفصيل في جلسة خاصة إستراتيجيته لشن حرب أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، ينبغي أن تؤخذ خططه على محمل الجد من قبل كل مواطن أمريكي. في هذه اللحظة دمرت الحرب في غزة بالفعل، أو عطلت حياة الملايين من الناس، فمن الصعب تأكيد الأرقام الدقيقة، ولكن مئات الآلاف من الفلسطينيين، وعلى نحو متزايد إسرائيليون نزحوا داخلياً أو أصيبوا أو قتلوا، هذه ليست مجرد أرقام، إنها أسر محطمة وحياة مدمرة. ومع ذلك، هناك صنّاع سياسات في واشنطن يفكرون في شن حرب على إيران”.
يحمل هذا التصريح دلالة عميقة، إذ يعكس إدراكاً داخلياً متزايداً بأن الكلفة الإنسانية للحرب في غزة تجاوزت كل التقديرات، وأن الحديث عن صراع أوسع مع إيران لا يمكن فصله عن هذا الواقع المأساوي. فالحرب، حتى في نطاقها الجغرافي المحدود، خلفت دماراً واسعاً ومعاناة إنسانية طالت المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، ما يطرح سؤالاً مصيرياً حول حجم الخسائر التي قد تنجم عن حرب إقليمية كبرى. ويعيد هذا الخطاب إلى الواجهة إرثاً ثقيلاً من الحروب الأمريكية خلال العقود الماضية، من أفغانستان إلى العراق وسورية وليبيا والصومال وأوكرانيا، حيث تكبدت الولايات المتحدة الأمريكية عشرات التريليونات من الدولارات، وخسرت عشرات الآلاف من جنودها، في صراعات لم تحقق الأهداف المعلنة منها، ولم تُنتج إستقراراً دائماً. ويؤكد المسؤول الأمريكي أن من دفع الثمن الحقيقي لهذه الحروب لم يكن صنّاع القرار ولا شركات السلاح، بل أبناء الطبقة العاملة الأمريكية، الذين وجدوا أنفسهم في ساحات القتال، أو عادوا منها مثقلين بالجراح الجسدية والنفسية، أو لم يعودوا أبداً.
ويزداد المشهد تعقيداً مع بروز تحالفات دولية جديدة تضم إيران وروسيا والصين ودولاً أخرى، تتقاطع مصالحها في مواجهة ما تعتبره تدخلاً أمريكياً متهوراً في شؤون الدول. ويكتسب التحذير الذي أطلقه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أهمية خاصة في هذا الإطار، إذ أشار إلى أن أي صراع مع إيران قد يؤدي إلى جر قوى عالمية كبرى إلى المواجهة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد دولي لا يمكن التحكم بمساراتها. من الناحية الإقتصادية، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية أقل إستعداداً من أي وقت مضى لخوض حرب جديدة. فالدّين العام يقترب من مستويات غير مسبوقة، تعادل تقريباً كامل الناتج المحلي الإجمالي، فيما تُدفع يومياً مليارات الدولارات كفوائد على هذا الدّين.
ويحذر الخطاب الأمريكي الداخلي من أن حرباً مع إيران قد تكون مدمرة للإقتصاد الوطني، خاصة إذا إمتدت تداعياتها إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتدفق النفط العالمي. عندها، سترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وستنعكس الأزمة على كل تفاصيل الحياة اليومية للأسر الأمريكية، من تكاليف النقل إلى أسعار الغذاء، ما قد يقود إلى ركود إقتصادي عميق وفقدان واسع للوظائف. ويذكّر هذا النقاش بحقيقة تاريخية تكررت مراراً، وهي أن كل حرب بدأت بوعد بأنها ستكون قصيرة وحاسمة، إنتهت إلى مستنقع طويل ومكلف. ومع كل فشل إستراتيجي، بدلاً من التراجع وإعادة التقييم، جرى توسيع نطاق التدخل، تحت ضغط مراكز الأبحاث والمجمع الصناعي العسكري، في حلقة مفرغة من الإنفاق والتصعيد. في جوهر هذا الجدل، تبرز دعوة صريحة لإعادة تعريف مفهوم القوة الأمريكية. فالقوة الحقيقية، كما يؤكد هذا الخطاب، لا تكمن في القدرة على شن الحروب، بل في القدرة على تجنبها، وعلى حماية الأمة من مغامرات عسكرية تهدد إستقرارها الداخلي ومكانتها الدولية.
إن الحرب مع إيران، بما تحمله من إحتمالات تصعيد إلى صراع عالمي، لا تمثل مجرد خيار عسكري، بل مخاطرة وجودية تمس الأمن القومي الأمريكي ومستقبل أجياله القادمة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة لأن يكسر الأمريكيون دائرة إتخاذ القرارات غير المسؤولة، وأن يعيدوا توجيه بوصلتهم نحو سياسات تعطي الأولوية للسلام والإستقرار، لا للحروب المفتوحة ذات الأهداف غير القابلة للتحقيق، فبناء السلام، في نهاية المطاف، هو الإستثمار الحقيقي الذي يعود بالنفع على الولايات المتحدة الأمريكية والعالم معاً.




