
ما يجري في لبنان الآن لا يمكن قراءته بوصفه تصعيداً أمنياً ولا حتى أزمة سياسية عابرة، بل مرحلة إنتقال في منطق إدارة المنطقة بأكملها. وهنا لا تُقاس الأحداث بعدد الغارات الإسرائيلية ولا بعدد الإجتماعات الأمنية بل بتزامنها وتوقيتها، وبالصمت الذي يحيط بها أكثر مما يحيط الضجيج. حين إنعقد إجتماع لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار في الناقورة أي لجنة (الميكانيزم) لم يكن الإجتماع هو الحدث، بل ما سبقه وما رافقه: قصف في الجنوب (شمال وجنوب الليطاني)، تفجير مبانٍ، غارات وهمية فوق بيروت والجنوب وحتى البقاع. كأن الرسالة كانت واضحة: النار هي التي تشرف على الإجتماع، لا الطاولة. وحين إقتصر الحضور على العسكريين من ممثلين عن الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، وضباط أميركيين، وفرنسيين، فضلاً عن قائد اليونيفيل وغياب الأعضاء المدنيين بسبب عدم حضور الموفدة الأمريكية إلى اللجنة مورغان أورتاغوس، كان ذلك إقراراً ضمنياً بأن السياسة خرجت من الغرفة، وبأن القرار بات يُصاغ من الأعلى، من خارج لبنان، وبأدوات لا تعترف بالتدرّج ولا بالوساطات. ومنذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، تُصرّ إسرائيل على التعامل مع الإتفاق كإطار ضغط لا كإلتزام. خروقات شبه يومية، إحتلال خمس تلال جنوباً، إبقاء الجغرافية معلّقة، والدم مفتوحاً. الإتفاق أنهى حرباً، لكنه لم يؤسس لسلام، بل لمرحلة إنتظار مُسلّح، إنتظار تُدار فيه الأعصاب كما تُدار الجبهات. فلم تكن الغارات على صيدا وشمال الليطاني عسكرية بحتة. كانت إعلاناً عن إنتقال الضغط من الجنوب إلى العمق الرمزي للدولة، فمستوى التصعيد يختلف حالياً تبعاً لما يتوفر لديها من معلومات إستخباراتية جديدة حول بنى عسكرية مستحدثة لحزب الله. هنا تبدأ دبلوماسية النار بمعناها الفلسفي: حين يصبح القصف لغة تفاوض، وحين تُفرض الخرائط قبل أن تُناقش، وحين يُطلب من الدولة أن تُقرّ بما فُرض عليها ميدانياً. والمرحلة الثانية من خطة حصر السلاح لم تعد بنداً تقنياً، بل تحوّلت إلى إختبار وجودي للدولة نفسها. أي قرار سواء بالتسريع أو بالتريّث، يُقرأ خارجياً كإشارة، ويُترجم فوراً ناراً وضغطاً. الدولة محاصَرة بين إحتلال لم ينسحب، وإتفاق لم يُحترم، ومطالب دولية تريد النتيجة دون الشروط. ومن هنا نفهم لماذا بدا بيان رئيس الجمهورية جوزيف عون، ودعم رئيس مجلس النواب نبيه بري، وموقف كذلك رئيس الحكومة نواف سلام، وكأنها محاولات لإعادة الإمساك بالزمن السياسي قبل أن يبتلعه الزمن العسكري. فالدولة تقول: نحن نمضي في حصر السلاح، لكن السيادة لا تُبسط تحت القصف اليومي والإعتداءات البرية والبحرية، ولا يُطلب من الجيش أن ينجز مهمته بشأن السلاح فيما تُستباح الأرض والسماء والماء. لكن إسرائيل لا تريد أن تقتنع فمهمة الجيش اللبناني هذه بالنسبة لها غير كافية وقالها نتنياهو علناً، فهو وحكومته طبعاً يعتبران أن نزع سلاح حزب الله شرط أساسي لأمن إسرائيل ولـ “مستقبل لبنان”! الجيش اللبناني أنجز المرحلة الأولى بقدر ما أُتيح له، فجنوب الليطاني لم يعد كما كان. السيطرة توسّعت، الإنتشار تحقّق، الذخائر والقنابل والصواريخ عولجت، والأنفاق والمخابئ كُشفت. لكن! الإحتلال بقي والخروقات لم تتوقف. هنا يظهر التناقض الجوهري: يُطلب من الدولة إنجاز ما لا يُسمح لها بإنجازه كاملاً. والخطاب الإسرائيلي يتصاعد: التشكيك بجدوى ما أُنجز، إتهام الجيش بالبطء أو بالتخزين بدل التدمير والتلويح بأن العمل العسكري مسألة وقت. هكذا تُعاد صياغة الواقع: الجهد اللبناني يُختزل والخطوة الإسرائيلية تُقدَّم كضرورة. والأمم المتحدة تشيد، لكن الإشادة بلا حماية. لجنة الميكانيزم تحصي لكنها لا تمنع. والإجتماعات تُعقد، لكن القرار يُنفّذ من الجو.
وسط هذا كله، لا يمكن تجاهل البعد الرمزي لما يجري. ظهور رئيس وزراء إسرائيل السابق نفتالي بينيت وهو يقلب ساعة رملية ليس حركة إعلامية. في الثقافة الإسرائيلية، الساعة الرملية ليست للزينة، بل للإعلان: بدأ العدّ وإشارة إلى لحظة الإنتقال من التحضير إلى التنفيذ، من الإنتظار إلى الفعل، وسبق أن رأينا هذه الإشارات. طقوس دينية، رموز زمنية، صمت يسبق الإنفجار. وكل مرة، كانت المنطقة تشتعل بعد أن يُقال لها إن لا شيء سيحدث. واليوم، تتقاطع الساعة الرملية مع وقائع ميدانية: لبنان تحت الضغط، الجنوب السوري على الحافة، الأردن في دائرة الإحتمال أيضاً. وفوق ذلك، أخطر ما في المشهد هو تسريب الحديث عن خشية إسرائيل من عملية إغتيال قد تُنسب إلى إيران في سورية. هذا ليس تحذيراً، بل تمهيد. فحين يُقال إننا نخشى، يكون السؤال: من سيُتّهم غداً؟ هنا يتكشف الفخ الأكبر وهو جرّ المنطقة إلى صراع طائفي شامل، تُفتح فيه الساحات تحت عناوين متقابلة، ويُستنزف الجميع بينما تُدار اللعبة من الخارج. ولبنان في هذا السيناريو، ليس هدفاً مستقلاً، بل حلقة في سلسلة. وتزداد الصورة قتامة مع الحديث عن وجود وحدات دلتا فورس الأمريكية في العراق، وتحركات عسكرية بريطانية تشبه ما سبق، ضربات كبرى. هذه ليست مصادفات، فوحدات بهذا المستوى لا تُستقدم للإستعراض، بل للإعتقال، للتصفية، لتغيير المعادلات الصامتة. ومع دخول واشنطن المباشر، يصبح المشهد إقليمياً كاملاً، لا محلياً. في هذا السياق، تصبح رسائل التطمين المتبادلة بين تل أبيب وطهران عبر موسكو جزءاً من لعبة الخداع. التطمين هنا ليس نقيض الضربة، بل أحياناً شرطها، حصان طروادة بوجه دبلوماسي.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب القادمة، بل في إستعداد المجتمعات لها دون أن تدرك لماذا. في إنزلاق الناس مجدداً إلى لغة الطوائف، بينما الصراع يُدار فوق رؤوسهم. في أن نخسر الأرض والشباب تحت شعارات لم نعد نملك تعريفها. ونحن اليوم لسنا أمام أزمة، بل أمام لحظة خطيرة جداً. لحظة يُعاد فيها رسم الزمن قبل الجغرافية. الساعة الرملية لا تقيس الوقت فقط بل تقيس وعي من ينظر إليها. والسؤال لم يعد: هل نفهم ما يجري؟ بل هل نريد أن نفهم، قبل أن تنتهي الحبيبات الأخيرة، ويُقال لنا مجدداً إن كل شيء كان واضحاً.. لكن أحداً لم يسمع!




