
إنتقلت المنطقة خلال أيام قليلة من الحديث عن ضربة وشيكة لإيران، إلى حديث عن إتفاق يقترب وهذا يدعو للاستغراب. من لغة “الحسم” و”تغيير الشرق الأوسط”، إلى وقف إطلاق نار مؤقت، وفتح هرمز، وتعهدات إيرانية فضفاضة بعدم إنتاج قنبلة نووية. إنتقال بدا في إسرائيل أقرب إلى الصدمة منه إلى التسوية.
ففي الحسابات الإسرائيلية، الحرب لم تبدأ من أجل هدنة لشهرين، ولا من أجل وعود بالتفاوض لاحقاً. بدأت على أساس أن لحظة الاختناق الإيراني قد حانت، وأن الضربة الكبرى ستقود إلى تفكيك المشروع النووي والبالستي معًا، وربما إلى إضعاف النظام نفسه حد إسقاطه . لكن المسودة المتداولة تقول شيئاً مختلفاً تماماً : الولايات المتحدة الأمريكية تدفع نقداً ، وإيران تدفع بالتقسيط المريح يقولون في إسرائيل .
ترامب يريد اليوم إعادة هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب. وهنا تحديداً ظهر الخلل الأكبر في التخطيط الأمريكي . فإغلاق المضيق خلط الحسابات كلها، وحوّل الحرب من مشروع لإعادة رسم المنطقة إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة اي حول هرمز الى سلاح إستراتيجي بيد طهران . لذلك تغيّرت الأولويات في واشنطن سريعاً : لم يعد السؤال كيف تُهزم إيران، بل كيف يُفتح هرمز مجدداً ، وتعود الملاحة والتدفقات النفطية إلى طبيعتها، ويُحتوى الارتباك الاقتصادي قبل أن يتحول إلى أزمة عالمية.
وإذا تم توقيع الاتفاق فعلاً، فسيكون الرابح الأكبر منه موسكو وبكين. فالصين التي تعتمد على إستقرار الطاقة وروسيا التي ترى في إنهاك النفوذ الأمريكي مكسباً إستراتيجياً، ستخرجان بصورة المنتصر الهادئ من أزمة كادت تشعل الاقتصاد العالمي. أما الخسارة الأكبر فستكون من نصيب الولايات المتحدة نفسها، التي ستبدو أمام خصومها كقوة يمكن إبتزازها عبر الطاقة والممرات البحرية.
لهذا تبدو البنود المسرّبة صادمة للإسرائيليين ولا تُصدق . النظام الإيراني بقي. البرنامج النووي لم يُحسم. الصواريخ البالستية خارج البحث. حزب الله باقٍ أيضاً مع حديث عن وقف حرب لبنان إذا التزم الطرفان. وحتى الملف النووي نفسه تحوّل من مطلب التفكيك الكامل إلى مجرد تعهد إيراني بعدم إنتاج قنبلة نووية، مع مفاوضات مفتوحة حول التخصيب ومخزون اليورانيوم العالي.
في نظر إسرائيل، هذه ليست عودة إلى المربع الأول، بل إنتقال إلى مرحلة أخطر. إيران خرجت من الحرب أكثر تشدداً، وأكثر إقتناعاً بأن تحمل الضربات والرهان على الوقت يُنتج تنازلات أمريكية. والمفارقة الصادمة في تل أبيب أن إغتيال خامنئي الأب، بدل أن يقود إلى إنهيار النظام، ترك إسرائيل أمام “خامنئي آخر” أصغر بثلاثين عاماً تقريباً وأكثر تشدداً، بعد ان إنتقل المشهد إلى مجتبى خامنئي. أي أن الحرب التي كان يفترض أن تُنهي التهديد الإيراني، منحت النظام قدرة على إعادة إنتاج نفسه بصورة أكثر صلابة وإستمرارية.
لكن هل حقاً جرى تهميش إسرائيل كما توحي التسريبات والغضب الإسرائيلي على ستيف ويتكوف؟ يصعب تصديق أن نتنياهو فوجئ بالكامل بمسار بهذا الحجم، أو أن واشنطن ستعيد صياغة المشهد الإقليمي من دون تفاهمات عميقة مع تل أبيب. لذلك يبدو إحتمال آخر حاضراً بقوة: هدنة مؤقتة لا أكثر. إستراحة لخفض التوتر، وإحتواء أزمة الطاقة، وتمرير الصيف الأمريكي والمونديال، ثم العودة إلى التصعيد في الخريف إذا فشل المسار السياسي أو إستنفد غرضه.
هذا السيناريو يناسب ترامب الذي يريد صورة الرجل الذي أعاد فتح هرمز ومنع الانهيار الاقتصادي العالمي، لكنه يناسب نتنياهو أيضاً وربما أكثر . فحرب جديدة على إيران بعد أشهر، ومحاولة إغتيال مجتبى خامنئي هذه المرة، ستعني إبقاء إسرائيل في حالة طوارئ مفتوحة تسمح بتأجيل أو تعطيل أي إنتخابات مبكرة، وإعادة تجميع الداخل الإسرائيلي خلف معركة وجودية طويلة. فالحروب الطويلة لا تؤجل الهزائم فقط، بل تؤجل صناديق الاقتراع أيضاً.
في الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون الهدنات مجرد وقت لإعادة تذخير البنادق لا لإلقائها، وإعادة تنظيم الحرب لا إنهائها.




