
اعتمد مجلس جامعة الدول العربية بالإجماع نبيل فهمي أمينا عاما جديدا للجامعة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمّان يوم أمس الاثنين.
يأتي وزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي (2013-2016) خلفا لأحمد أبو الغيط وتبدأ ولايته خلال أيام وتستمر لخمس سنوات. وفي بيان الإجماع على ترشيحه، وصف فهمي (75 عاما) المنصب بأنه “مسؤولية كبيرة” نظرا إلى “ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية”.
وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، بالدورة العادية المستأنفة 165 في الأردن، أكد الأمين الحالي للجامعة أحمد أبو الغيط أن المنطقة “محاطة بحزام من النار مهددة في استقرارها، مستهدفة في مقدراتها، ومحرومة من تحقيق المكانة التي تستحقها، وهي مكانة نعلم جميعا أنها أكبر من وضعها الحاضر، وأعظم شأنا من حالتها الراهنة”.
ما لفت انتباهي واعتبرته جوهر كلمة أبو الغيط هو ما ذكره بشأن التحدي الأكبر الذي تواجهه الجامعة والذي وصفه على النحو التالي: “إن صيانة وتعزيز الأمن القومي العربي هو التحدي الأكبر أمامنا، ولا يتحقق ذلك ولا يصير عربيا حقا وقوميا فعلا إلا إذا شعرت كل دولة بأنه يعبر عن مفاهيمها ويستجيب لشواغلها، وبحيث يكون جامعا لأولويات الدول (كافة الدول) الأمنية وحاجاتها الاستراتيجية، وهي أولويات ليست متطابقة في كل الأحيان، وإن كانت متقاربة في أغلب الأوقات”.
تزامنت الكلمة مع تصريح بارز لوزير الخارجية الكويتي جراح الأحمد الصباح قال فيه أن التجارب المتعاقبة “أثبتت محدودية منظومة العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، ما يستوجب مراجعة صريحة ومسؤولة. فالجامعة العربية، رغم مكانتها الرمزية، أثبتت عجزا واضحا عن مواكبة التحديات المتسارعة، والقيام بدور فاعل في صون الأمن العربي”.
من جانبه ركّز الأمين العام الجديد نبيل فهمي على: تطوير القدرات العربية المشتركة، وتعزيز المؤسسات، وبناء رؤى مشتركة، والعمل على مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا. وبرغم إيجابية التصريح الأخير لفهمي، إلا أنه يحمل، ضمنيا، اعترافا بأن المؤسسات الحالية بحاجة إلى تطوير.
أعتقد أن السفير نبيل فهمي يتسلم المنصب في لحظة تستوجب إعادة إحياء العمل العربي المشترك، فيما أصبحت الجامعة، أكثر من أي وقت مضى، مطالبة بتجاوز دورها التقليدي في إصدار بيانات “الشجب والإدانة” و”الإعراب عن القلق” و”مطالبة الأطراف بضبط النفس”.
ما قاله وزير الخارجية الكويتي يعبر عما يشبه الإجماع الضمني على ضرورة إصلاح الجامعة، بينما تبقى الأسئلة مطروحة حول طبيعة هذا الإصلاح وحدوده، وما إذا كانت البيئة الإقليمية أسرع من قدرة الجامعة العربية على التفاعل معها. حيث يأتي ذلك في ظل ما يكاد يكون فقدانا لمركزية الجامعة، بينما انتقلت إدارة كثير من الملفات العربية إلى أطر أخرى مثل التحالفات العربية المؤقتة، والقمم الخماسية أو الثلاثية، ومسار العقبة، واجتماعات جدة، والوساطات الثنائية. ويحضرني في هذا المقام الجهود الدبلوماسية الأخيرة التي تقودها قطر وتحظى بدعم وتشاور مع مصر والمملكة العربية السعودية.
يضع ذلك الأمين العام الجديد أمام اختبار مزدوج: بين إدارة الأزمات اليومية من جهة، ومن جهة أخرى بالتزامن، إطلاق مسار إصلاحي مؤسسي طويل الأمد يعيد للجامعة دورها ومركزيتها. وفي هذا السياق، لا أظن أن تراجع “مركزية” الجامعة مرتبط بعجز الأمانة العامة وحدها، بقدر ما يعكس طبيعة النظام العربي نفسه، القائم على مبدأ سيادة الدول والإجماع في اتخاذ القرار، وهو ما يجعل قدرة الجامعة على التحرك الجمعي مرهونة بتوافق الأعضاء، لا بإرادة الأمين العام وأجهزته المؤسسية.
أتمنى لسعادة السفير العزيز نبيل فهمي التوفيق في منصبه الجديد، وأرى أن نجاحه لن يقاس بعدد البيانات التي ستصدرها الجامعة خلال ولايته، وإنما بقدرته على استعادة الثقة في أن العمل العربي المشترك لا زال قادرا على الفعل، وعلى صياغة وإنتاج مواقف وسياسات جماعية تتجاوز حدود التنسيق البروتوكولي إلى الفعل السياسي المؤثر في مصائر دول وشعوب المنطقة.




