صحافة وآراء

موسكو توسع توجهاتها نحو آسيا بقدر ابتعاد أوروبا عنها

د. أيمن أبو الشعر

قمة روسيا آسيان ضربة عصفورين بحجر واحد سياسيا واقتصاديا بالنسبة لموسكو


قمة نوعية في ظروف استثنائية

جاء انعقاد قمة روسيا – آسيان بين الفترة من 17 وحتى 19 يونيو 2026 كتتويج للذكرى الخامسة والثلاثين للتعاون بين هذه المنظمة وروسيا، والتي تتزامن أيضا مع الذكرى الخامسة لقمة روسيا – آسيان، لكن أهميتها الاستثنائية تنبع من ظروف وتوقيت انعقادها، حيث تنعقد في عاصمة تتارستان قازان أي في وسط روسيا التي تخوض حربا ضروسا واقعيا مع الغرب الجماعي في أوكرانيا، وبالتالي تجري منذ أربع سنوات وبشكل متصاعد عمليات حصار روسيا وتضييق الخناق عليها باتجاهين رئيسيين: الأول فرض عدد هائل من العقوبات زادت في الآونة الخيرة عن 26 ألف عقوبة شملت الأفراد والمؤسسات وحتى عدد غير قليل من الأجانب والمؤسسات الاقتصادية الأجنبية التي تتعاون مع روسيا بما يتجاوز تلك العقوبات، والثني هو تزويد أوكرانيا بكميات كبيرة جدا من الأسلحة تزيد عن حاجة جيوش بلدان كبرى، بما في ذلك الدبابات والمدرعات والطائرات والصواريخ حتى أن بريطانيا أقرت مؤخرا منح أوكرانيا 150 ألف مسيرة حربية، من هنا تبدو قمة روسيا – آسيان تظاهرة إعلامية سياسية لتهميش ما يطرحه الغرب حول عزل روسيا بعد فشل شعاره الذي روج له طيلة الفترة السابقة وهو” إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا” لكن روسيا أكدت  بالوقائع العملية أنها متماسكة ماضية في طريق تحقيق أهدافها من العملية العسكرية التي تخوضها في أوكرانيا، وتعتبر حتى سياسة العقوبات فاشلة لكن الدول الغربية لا تملك الشجاعة الكافية للاعتراف بذلك.. 

الآفاق مع آسيان

آسيان منظمة آسيوية رئيسية عريقة أسستها قبل قرابة خمسين سنة  -عام 1967-الدول التالية إندونيسيا ماليزيا الفلبين سنغافورة وتايلاند ثم انضمت إليها في سنوات متباينة بروناي وفييتنام ولاوس وميانمار وكمبوديا وتيمور الشرقية، وغدت قوة سياسية واقتصادية هامة بموارد بشرية تصل إلى قرابة 700 مليون نسمة ويقارب الناتج المحلي لمجموع دولها قرابة 4 تريليونات دولار أي أنها عمليا خامس أكبر اقتصاد في العالم حاليا ويرجح أن تغدو رابع أكبر اقتصاد في العالم خلال سنوات قليلة، وقد بدأت العلاقات الرسمية بين روسيا وآسيان عام 1991 ثم تطورت لتصبح على مستوى الشراكة الاستراتيجية، كما عقدت أول قمة مشتركة عام 2005 والقمة الأخيرة في قازان هي القمة الخامسة،  وتجدر الإشارة إلى أن روسيا افتتحت بعثة دائمة لها لدى آسيان في العاصمة الإندونيسية جاكارتا عام 2017 حيث نشَّطت مجمل عمليات التعاون على مختلف الأصعدة، فما هي الأهداف والمساعي التي أكدت عليها القمة الأخيرة وما الذي تم إنحازه؟

إنجازات نوعية

الواضح أن توسيع النشاطات بين روسيا وآسيان أعطى ثمارا غزيرة وخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة والتي جرى تقييم أولي خلال هذه القمة لنتائج التعاون السابق في مخالف المجالات، وكمثال على ذلك أعلن مكسيم ريشيتينكوف وزير التنمية الاقتصادية الروسية أن روسيا تمكنت خلال السنوات العشر الأخيرة من زيادة صادراتها من منتجات اللحوم إلى دول رابطة جنوب شرق آسيا بنحو 50 ضعفا، إلى جانب الزيادة الكبيرة في تصدير المواد الزراعية كالقمح والذرة والزيوت النباتية وحتى الأسمدة، كما أعلن كاو كيم هورن أمين عام آسيان أن دول الرابطة مهتمة جدا وملتزمة بتطوير التعاون مع روسيا في مجال الطاقة لتوريد الغاز الطبيعي المسال وبناء شبكات طاقة جديدة وتحديث القديمة، ما يعني ضمنيا إفشال الحصار الغربي على روسيا في مجال النفط والغاز اللذين سيُحوّل الفائض منهما إلى دول جنوب شرق آسيا إلى جانب الصين والهند، وهذا يعني أيضا رفع حجم التبادل التجاري مجددا بعد أن ارتفع خلال السنوات العشر الفائتة بنسبة 60% ووصل إلى 22 مليار دولار حسب أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي.

أهداف ومساع مزدوجة التوجهات

الملاحظة الأولى التي لا يتم الحديث عنها رغم سطوعها الصاخب هي أن موسكو بعقدها مثل هذه القمم والنشاطات الدولية التي كان آخرها الاحتفال بعيد النصر في التاسع من مايو الفائت على الفاشية تؤكد للعالم بشكل عملي أن مساعي  الغرب لعزل روسيا قد باءت بالفشل من خلال الحضور الإقليمي والدولي لمثل هذه النشاطات، ولا تقتصر المساهمة فيها بالمناسبة على الأعضاء بل تتم بحضور ضيوف ومراقبين من عشرات الدول عدا عن الصحافة،  أما في مجال التعاون المباشر وتوسيع آفاقه فقد نستشف ذلك من تصريحات الرئيس بوتن نفسه والذي أعلن أن روسيا وآسيان تفتحان آفاقا جديدة في مجالات عديدة وخاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي حيث أكد أن هناك مهاما جديدة تشمل التطبيق الفعال للمنتجات الرقمية التي تعتمد الذكاء الصناعي، وكذلك تطوير المنصات الرقمية المستدامة، إلى جانب التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية والنقل والخدمات اللوجستية، هذا ناهيك عن توسيع التعاون مع الشركاء في منظمة شانغهاي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أي توسيع التعاون مع أكثر من عشر دول بينها الصين والهند وباكستان وإيران وغيرها، ناهيك عن إشراك الدول المراقبة ما يعني التعاون واقعيا بين مجموع سكان يزيد عن نصف سكان العالم…

هذا ناهيك عن أن مثل هذه القمم والنشاطات تهمش حتى محاولة اتخاذ موقف مؤيد للغرب في تصوير الحرب بين روسيا وأوكرانيا على أنها عدوان روسي وحسب، حيث يتناسى الغرب للأسف الأسباب الحقيقية التي أوصلت الأمور إلى الصدام العسكري بدءا  من دعم الانقلاب على الحكومة الأوكرانية وإسقاطها بالقوة، ثم قمع الذين لم يوافقوا على الانقلاب، وخاصة في دونباس وقصفهم بالدبابات والطيران، وأخيرا في الخديعة التي مررها الغرب في ضمان فرنسا وألمانيا اتفاقية مينسك لحل الأزمة سلميا وبرعاية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ثم الاعتراف بأن الأمر لا يعدو عن كونه خديعة ومماطلة ريثما يتم إمداد أوكرانيا بالسلاح لمواجهة روسيا.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى