تكنولوجيا

من الخبر المكتوب إلى فيديو الـ60 ثانية.. كيف غيّرت المقاطع القصيرة عادات استهلاك الأخبار؟

لم يعد الوصول إلى الخبر يبدأ بالضرورة من الصفحة الرئيسية لموقع إخباري أو من عنوان في صحيفة. بالنسبة إلى شريحة متزايدة من الجمهور، قد يبدأ الخبر بمقطع فيديو يظهر فجأة أثناء تصفح الهاتف، لا يتجاوز أحياناً دقيقة واحدة، ويقدم خلاصة الحدث قبل أن يمنح المشاهد وقتاً للبحث عن تفاصيل إضافية.

هذا التحول لم يغيّر شكل المحتوى فقط، بل أعاد تشكيل الطريقة التي يستهلك بها الجمهور الأخبار. فمع انتشار TikTok وInstagram Reels وYouTube Shorts، أصبحت المنافسة بين المؤسسات الإعلامية لا تدور فقط حول سرعة نشر الخبر ودقة المعلومة، بل أيضاً حول القدرة على تقديمها بطريقة تجذب الانتباه خلال الثواني الأولى.

وتشير بيانات تقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة عام 2025 إلى أن استهلاك الفيديو الاجتماعي للأخبار ارتفع عالمياً من 52% عام 2020 إلى 65% عام 2025، فيما ارتفعت نسبة الذين يستهلكون أي نوع من الفيديو للأخبار من 67% إلى 75% خلال الفترة نفسها. كما سجل TikTok نمواً لافتاً كمصدر للأخبار، خصوصاً بين الفئات الأصغر سناً.

الخبر يأتي إلى المستخدم

الفارق الأساسي بين الخبر التقليدي والفيديو القصير لا يتعلق بالمدة فقط، وإنما بطريقة الوصول إلى المعلومة.

في السابق، كان المستخدم يذهب إلى الخبر: يفتح موقعاً، يختار مقالاً، يقرأ العنوان ثم يقرر ما إذا كان سيكمل القراءة. أما على منصات الفيديو القصير، فالخبر يأتي إلى المستخدم ضمن سيل متواصل من المحتوى.

قد يكون المقطع التالي خبراً سياسياً، والذي يليه وصفة طعام، ثم مشهداً من مباراة، ثم مقطعاً ساخراً، قبل أن يظهر خبر جديد. وبذلك، لم تعد متابعة الأخبار منفصلة عن بقية النشاط الرقمي، بل أصبحت جزءاً من تجربة ترفيهية متواصلة.

وهنا تلعب الخوارزميات دوراً أساسياً، إذ لا يختار المستخدم بالضرورة الأخبار التي يريدها مسبقاً، بل يحصل على مجموعة من المقاطع بناءً على ما شاهده وتفاعل معه سابقاً.

هذا التحول ساهم أيضاً في زيادة أهمية الشخصيات والمبدعين الذين يقدمون الأخبار عبر المنصات، إذ أصبح بعض صناع المحتوى والمؤثرين أكثر قدرة على جذب الانتباه من المؤسسات الإخبارية التقليدية، خصوصاً بين المستخدمين الأصغر سناً.

لماذا يفضّل البعض الفيديو؟

هناك أكثر من عامل يفسر صعود الفيديو القصير.

أولها السرعة. يستطيع المستخدم خلال أقل من دقيقة معرفة الحدث الأساسي، من دون الحاجة إلى قراءة نص طويل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بخبر عاجل أو حدث يجري أمامه.

وثانيها الصورة. فالفيديو قادر على نقل مشهد من موقع الحدث مباشرة، وهو ما يجعل بعض الأخبار أكثر وضوحاً وتأثيراً من وصفها بالكلمات.

أما العامل الثالث فهو اللغة. كثير من صناع المحتوى يقدمون الأخبار بطريقة أقرب إلى الحديث اليومي، بعيداً عن اللغة الرسمية التي اعتادت عليها نشرات الأخبار والمقالات.

وهذا الأسلوب يبدو أكثر جاذبية لجمهور اعتاد أصلاً على المحتوى السريع والشخصي.

وتظهر الفجوة بوضوح بين الفئات العمرية. ففي الولايات المتحدة، أظهر مسح لمركز Pew Research Center عام 2025 أن 43% من الأشخاص بين 18 و29 عاماً قالوا إنهم يحصلون بانتظام على الأخبار عبر TikTok، مقابل 25% للفئة بين 30 و49 عاماً و10% لمن تتراوح أعمارهم بين 50 و64 عاماً. وعلى Instagram، بلغت النسبة 40% بين الفئة الأصغر سناً، مقابل 26% للفئة 30-49 عاماً.

أما على المستوى العالمي، فأظهر تقرير معهد رويترز أن YouTube وInstagram وTikTok أصبحت من أبرز المنصات التي يعتمد عليها الجمهور للوصول إلى الأخبار، مع استمرار انتقال استهلاك المحتوى الإخباري من المواقع التقليدية إلى الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو.

من المؤسسة إلى الشخص

أحد أهم التغييرات التي أحدثتها منصات الفيديو هو أنها قللت المسافة بين الجمهور ومقدم المعلومة.

في الإعلام التقليدي، كان اسم المؤسسة الصحفية أو التلفزيونية جزءاً أساسياً من هوية الخبر. أما اليوم، فقد يعرف المستخدم اسم الشخص الذي يتابع أخباره أكثر مما يعرف اسم المؤسسة التي يعمل معها، أو قد يتابع صانع محتوى مستقلاً لا ينتمي أصلاً إلى مؤسسة إعلامية.

وهذا التحول يمنح صانع المحتوى قدرة كبيرة على بناء علاقة شخصية مع جمهوره. فهو لا يقدم المعلومة فقط، بل يشرحها ويعلق عليها ويتحدث إلى المتابع بطريقة مباشرة.

لكن هذا الأمر يحمل جانباً آخر أكثر تعقيداً. فالمؤثر أو صانع المحتوى لا يخضع بالضرورة للمعايير التحريرية نفسها التي يعمل وفقها الصحفي داخل مؤسسة إعلامية، وقد تختلط في بعض الحالات المعلومة بالرأي أو التحليل أو حتى بالمحتوى المدفوع.

ومع اتساع دور المؤثرين في المجال الإخباري، تزداد أيضاً المخاوف من انتشار المعلومات المضللة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالسياسة أو الحروب أو القضايا الصحية.

هل أصبحنا نعرف أخباراً أكثر أم عناوين أكثر؟

هنا تكمن المشكلة الأساسية.

الفيديو القصير ممتاز في الإجابة عن سؤال «ماذا حدث؟»، لكنه ليس بالضرورة الشكل الأفضل للإجابة عن أسئلة مثل: «لماذا حدث؟»، و«ما خلفية الحدث؟»، و«ماذا سيحدث بعد ذلك؟».

خبر الحرب، على سبيل المثال، يمكن اختصاره في 30 ثانية، لكن فهم أسبابها وتطوراتها وتداعياتها يحتاج إلى سياق لا يمكن اختزاله بسهولة.

والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد والسياسة والقضايا الاجتماعية والعلمية. فكلما زادت تعقيدات الموضوع، أصبحت عملية الاختصار أكثر حساسية، لأن حذف معلومة واحدة قد يغير معنى القصة بالكامل.

لذلك، قد يتحول الفيديو القصير من وسيلة لتسهيل الوصول إلى الأخبار إلى وسيلة لتجزئة المعرفة، خصوصاً عندما يكتفي المستخدم بالمقطع الأول ولا يعود إلى المصدر الأصلي.

وهذا لا يعني أن الجمهور لا يريد التفاصيل، بل إن طريقة الوصول إليها تغيرت. فالمقطع القصير يمكن أن يكون مدخلاً إلى التقرير الكامل، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى المصدر الوحيد للمعلومة.

معركة جديدة داخل غرف الأخبار

هذا التغيير فرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في طريقة إنتاج الخبر.

فالمقال المكتوب لم يعد كافياً للوصول إلى جميع الفئات، والفيديو الطويل قد لا يكون مناسباً للمنصات التي تعتمد على التمرير السريع. لذلك باتت المؤسسات مطالبة بإنتاج القصة الواحدة بأشكال متعددة: خبر مكتوب، فيديو قصير، منشور بصري، وربما مقطع أطول يشرح خلفيات الموضوع.

وفي عدد متزايد من الأسواق، أصبحت الشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو منافساً مباشراً للتلفزيون والمواقع الإخبارية في الوصول إلى الجمهور، خصوصاً بين الشباب.

لكن المشكلة بالنسبة إلى المؤسسات ليست فقط الوصول إلى الجمهور، بل الحفاظ عليه. فعندما يشاهد المستخدم فيديو المؤسسة داخل TikTok أو Instagram، قد يحصل على المعلومة من دون أن يدخل إلى موقعها الإلكتروني.

وبالتالي، تكسب المؤسسة المشاهدة لكنها قد تخسر زيارة الموقع، وهو ما يفرض تحدياً اقتصادياً جديداً على نموذج الإعلام الرقمي.

الفيديو القصير ليس نهاية الخبر المكتوب

رغم صعود الفيديو، لا يعني ذلك أن المقالات الإخبارية ستختفي.

فالخبر المكتوب لا يزال يمتلك ميزة أساسية: القدرة على تقديم التفاصيل والسياق والمعلومات المتعددة في مساحة واحدة.

لكن العلاقة بين الشكلين تغيرت. فبدلاً من أن يكون الفيديو بديلاً كاملاً عن المقال، يمكن أن يصبح بوابة إليه: يجذب انتباه المستخدم، يقدم له الخلاصة، ثم يدفعه إلى قراءة التفاصيل إذا كان الموضوع يهمه.

وهنا ربما تكمن المعادلة الجديدة أمام المؤسسات الإعلامية: الفيديو القصير لجذب الجمهور، والمحتوى المتعمق للحفاظ عليه.

في النهاية، لا يبدو أن الجمهور يتخلى عن الأخبار بقدر ما يتخلى عن الطريقة القديمة للوصول إليها. الهاتف أصبح نقطة الدخول الأساسية، والخوارزمية أصبحت جزءاً من عملية اختيار ما نراه، والفيديو القصير أصبح لغة إعلامية جديدة.

لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بقدرة الصحفي على اختصار الخبر في 60 ثانية، بل بقدرته على معرفة ما الذي يمكن اختصاره من دون أن تضيع الحقيقة معه.

ففي زمن يستطيع فيه أي شخص نشر مقطع خلال ثوانٍ، تصبح قيمة الصحافة أقل ارتباطاً بسرعة الوصول إلى المعلومة وأكثر ارتباطاً بالقدرة على التحقق منها، ووضعها في سياقها، وشرح ما لا تستطيع شاشة قصيرة أن تشرحه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى