صحافة وآراء

خلف الخطاب الرسمي: كيف يفكر الباحثون الصينيون في الشرق الأوسط؟

ناصر التميمي

من خلال زيارات متكررة إلى الصين، ولقاءات ونقاشات مع أكاديميين وباحثين وصحفيين في جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات إعلامية مختلفة، تكوّنت لدي مجموعة من الانطباعات عن الطريقة التي تُناقش بها الصين قضايا الشرق الأوسط. هذه الملاحظات ليست خلاصة دراسة أكاديمية منهجية، ولا أدّعي أنها تمثل جميع الباحثين أو المؤسسات الصينية؛ إنها خبرة شخصية تعكس رأي الكاتب وحده. لكنها دفعتني إلى مراجعة انطباع شائع في الشرق الأوسط، وربما خارجه أيضاً، يصور الأكاديمي أو الباحث الصيني باعتباره مجرد امتداد للحكومة أو ناقلاً لخطها السياسي.

لا شك في أن المجال العام في الصين تحكمه قيود سياسية واضحة، وتزداد هذه القيود كلما اقترب النقاش من الحزب الشيوعي، وشرعية النظام، والسياسة الداخلية، وبعض القضايا الحساسة. ويبدو هامش الصحافة، وخصوصاً الإعلام الحزبي والرسمي، أضيق عموماً من المجال الأكاديمي المتخصص. فالمقال المنشور في صحيفة حزبية واسعة الانتشار لا يمكن قراءته بالطريقة نفسها التي تُقرأ بها دراسة أكاديمية متخصصة أو ورقة بحثية أو نقاش داخل ندوة مغلقة.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الحقيقة إلى افتراض مطلق مفاده أن كل باحث صيني يعبّر بالضرورة عن موقف الحكومة. تجربتي تشير إلى واقع أكثر تعقيداً.

في قضايا الشرق الأوسط والسياسة الدولية، هناك تنوع واضح في التفسير والتقدير. قد يرى باحث أن النفوذ الأميركي في المنطقة يتراجع بنيوياً، فيما يحذر آخر من المبالغة في الحديث عن أفول الولايات المتحدة. وقد يقرأ أحدهم التحولات السعودية باعتبارها سعياً نحو استقلال استراتيجي أوسع، بينما يرى آخر أن اعتماد الرياض الأمني على واشنطن سيبقى عميقاً لسنوات طويلة. وينطبق الأمر نفسه على إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج ومستقبل النظام الإقليمي.

الاختلاف هنا لا يعني بالضرورة تحدي المبادئ العامة للسياسة الخارجية الصينية، لكنه يظهر بوضوح في تفسير الأحداث، وتقدير موازين القوى، وفهم نوايا الدول، وتحديد حدود القوة الصينية نفسها.

والأهم أن هذا التنوع يصبح، من تجربتي، أكثر وضوحاً في اللقاءات الخاصة. ففي الحديث off the record، وجدت الباحث أو الصحفي الصيني في مناسبات عديدة أكثر صراحة ومرونة مما توحي به كتاباته المنشورة. قد ينتقد سياسة صينية، أو يشكك في تقدير شائع، أو يتحدث عن نقاط ضعف في الموقف الصيني، أو يقدم قراءة لدولة عربية أو إقليمية أكثر حدة مما يستطيع كتابته علناً.

هذا لا يعني أن كل ما يقال في جلسة خاصة يمثل “الحقيقة الخفية”. فالحديث غير الرسمي قد يتأثر بطبيعة المحاور أو سياق اللقاء، وقد يكون أحياناً مجرد اختبار لفكرة. لكنه يكشف، في الحد الأدنى، أن المجال الفكري الصيني أوسع وأكثر تعدداً مما يظهر في النصوص المنشورة وحدها.

الصين ليست بكين وشنغهاي فقط

لفهم الدراسات الصينية للشرق الأوسط، من المهم أيضاً الانتباه إلى جغرافيتها. تشكل بكين وشنغهاي مركز الثقل السياسي والأكاديمي، خصوصاً في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية والطاقة، بحكم وجود الجامعات الكبرى ومراكز التفكير والمؤسسات المرتبطة بدوائر صنع القرار.

لكن المدينتين لا تحتكران المعرفة بالشرق الأوسط. فالدراسات الإسلامية والتاريخية والثقافية لها حضور مهم في شمال غربي الصين، ولا سيما في نينغشيا وشنشي وشينجيانغ ومناطق أخرى ارتبطت تاريخياً بالمجتمعات المسلمة وبالتواصل مع العالم الإسلامي. كما تنتشر بعض التخصصات، مثل الدراسات الإيرانية واللغات الإقليمية، في جامعات ومراكز خارج بكين وشنغهاي.

وهذا التوزيع مهم، لأن زاوية النظر تختلف أحياناً باختلاف التخصص. فالباحث في العلاقات الدولية قد ينظر إلى الإسلام والشرق الأوسط من زاوية الدولة والأمن وموازين القوى، بينما يقترب الباحث في التاريخ أو الدين أو الأنثروبولوجيا من المجتمعات الإسلامية بصورة مختلفة وأكثر التصاقاً بتعقيداتها الداخلية.

مصالح تتوسع أسرع من المعرفة

مع ذلك، يظل لدي انطباع بأن الدراسات الصينية للشرق الأوسط أضعف نسبياً من حجم المصالح الصينية المتنامية في المنطقة، وأقل تراكمًا من الدراسات الغربية في عدد من المجالات.

المشكلة ليست في غياب الباحثين الجيدين؛ فهناك أسماء ومؤسسات تمتلك معرفة عميقة. المشكلة أوسع: تجزؤ التخصصات، محدودية البحث الميداني الطويل، حواجز اللغة، ونقص التواصل المباشر مع المجتمعات المحلية. كما أن الشرق الأوسط، رغم أهميته المتزايدة للصين في الطاقة والتجارة والاستثمار، لم يحتل تاريخياً المكانة الاستراتيجية نفسها التي تحتلها الولايات المتحدة أو شرق آسيا أو روسيا في التفكير الصيني.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: الحضور الاقتصادي الصيني في الشرق الأوسط نما بوتيرة أسرع من المعرفة الصينية بالمجتمعات التي تتعامل معها بكين. وردم هذه الفجوة يحتاج إلى وقت، وتمويل، وتدريب لغوي، وإقامة أطول للباحثين داخل المنطقة، وليس مجرد متابعتها من بكين أو شنغهاي.

اللغة ليست مجرد أداة ترجمة

حاجز اللغة مهم جداً، وهذه مشكلة لمستها شخصياً. فمن لا يتحدث الصينية بطلاقة، وأنا من ضمنهم، يفقد أحياناً جزءاً من التفاصيل الدقيقة في الحوار، رغم أن التكنولوجيا والترجمة الفورية جعلتا التواصل أسهل كثيراً.

المشكلة ليست في ترجمة الكلمات فقط، بل في ترجمة السياق الثقافي والإيحاءات والحدود الدقيقة بين ما يقال صراحة وما يُفهم ضمناً.

والمشكلة تعمل في الاتجاه الآخر أيضاً. فالباحث الصيني الذي لا يجيد العربية أو الفارسية أو التركية قد يعتمد بدرجة كبيرة على المصادر الإنجليزية. وهنا تنشأ مفارقة أخرى: قد يسعى إلى تقديم قراءة صينية مستقلة للشرق الأوسط، لكنه يرى المنطقة جزئياً من خلال الأدبيات الغربية التي يحاول تجاوزها.

الإسلام: صورة أكثر تعقيداً

الأمر نفسه ينطبق على النظرة الصينية إلى الإسلام. فمن تجربتي، توجد في بعض الأوساط الجامعية والبيروقراطية تصورات سلبية أو مقاربات أمنية تجاه الإسلام، كما أن الخطاب المعادي للمسلمين حاضر في بعض فضاءات الإنترنت الصيني. لكن تعميم ذلك على “الأكاديميا الصينية” كلها سيكون غير دقيق.

هناك في المقابل تقليد أكاديمي صيني طويل في دراسة الإسلام وتاريخه ومجتمعاته، وباحثون ومؤسسات، خصوصاً في شمال غربي الصين، يقدمون دراسات أكثر موضوعية وتعقيداً. لذلك تختلف النظرة إلى الإسلام باختلاف المؤسسة والتخصص والخلفية الفكرية للباحث. وقد تميل بعض دوائر العلاقات الدولية والأمن إلى النظر إليه من زاوية التطرف والاستقرار، بينما تكون المقاربة في الدراسات الدينية والتاريخية والاجتماعية أكثر اهتماماً بالتنوع الداخلي للمجتمعات الإسلامية.

كما أن المناخ السياسي الحالي قد يجعل التعبير العلني الإيجابي أو شديد التعاطف مع بعض القضايا الإسلامية أكثر حساسية، من دون أن يعني ذلك أن البيئة الأكاديمية بأكملها تتبنى موقفاً عدائياً من الإسلام.

كيف نقرأ الباحث الصيني؟

لهذا كله، فإن قراءة الصين تتطلب أكثر من البحث عن “الموقف الصيني”. لا يوجد دائماً موقف فكري صيني واحد، كما أن الأكاديمي الصيني ليس بالضرورة ناطقاً باسم الحكومة، لكنه أيضاً لا يعمل خارج البيئة السياسية والمؤسسية للدولة.

والتمييز بين المستويات ضروري: البيان الحكومي يخبرنا بما تريد الدولة إعلانه؛ والإعلام الحزبي يكشف الإطار الذي تريد تعميمه؛ والمقال الأكاديمي يوضح مساحة النقاش المتاحة؛ أما اللقاءات المتخصصة والحديثoff the record فقد تكشف طبقة أخرى أكثر صراحة وتعقيداً.

لذلك، حين أقرأ رأياً صينياً عن الشرق الأوسط، لم يعد السؤال بالنسبة إليّ مجرد: ماذا قال الباحث؟ بل أيضاً: أين يعمل؟ ما تخصصه؟ بأي لغة يبحث؟ أين نُشر كلامه؟ من جمهوره؟ وهل قاله في صحيفة حزبية، أم دراسة أكاديمية، أم جلسة مغلقة؟

هذه الأسئلة لا تلغي القيود الموجودة في الصين، لكنها تمنعنا من الوقوع في اختزال مريح ومضلل. الصين أكثر تقييداً مما قد يتمنى البعض، لكنها أيضاً أكثر تنوعاً فكرياً مما يفترضه كثيرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى