
كنت في السابق أقولها بوضوح وبقسوة أحياناً: أنا مع حصر السلاح بيد الدولة، وأدعو إليه وأدعم كل جهد جاد يحقق هذه الغاية. أما اليوم فأقولها بالوضوح نفسه: لا وألف لا، فعندما يتحول هذا العنوان إلى أداة في مشروع أكبر يستهدف الدولة نفسها، أو يُراد منه تغيير موازين الحكم بالقوة السياسية والأمنية وتحت عناوين براقة.
المشكلة عندي اليوم ليست في العبارة، وإنما فيمن يرفعها وفي السياق الذي تُرفع فيه والنتائج التي يمكن أن تقود إليها. هناك مؤشرات تجعلني أعتقد أن مؤامرة كبيرة تُحاك لقلب الحكم، وأن بعض أدواتها أناس لا يفقهون في السياسة ولا في طبيعة الدولة ولا في توازنات السلطة، فيندفعون بحسن نية أو بسذاجة أو بسوء تقدير إلى مشروع قد تكون نتائجه أكبر بكثير من قدرتهم على إدراكها.
علينا أن نفهم الحقيقة الأساسية التي تضيع وسط الضجيج فالعالم اليوم يتم تقسيمه إلى دول ذات سيادة ودول بلا سيادة وكمثال: إيران دولة ذات سيادة، والعراق دولة منتهكة السيادة. هذا هو الفارق. إيران تستطيع أن تقرر ما تفعله داخل حدودها، بينما ما زال العراق يتعرض لتدخلات خارجية في قراره السياسي والأمني. لذلك فإن الحديث عن السلاح لا يمكن فصله عن السؤال الأهم: من يملك القرار العراقي؟ ومن يحدد شكل الدولة؟ ومن يضمن أن يتحول حصر السلاح إلى تعزيز لسيادة العراق لا إلى إضعافها؟
أنا مع دولة واحدة وسلاح واحد وقرار أمني واحد، وهذا ما كررناه آلاف المرات ولكنني أريدها دولة عراقية كاملة السيادة. لا دولة يُطلب منها أن تنزع سلاحها تحت الضغط الخارجي بينما تبقى أبواب التدخل مفتوحة، ولا دولة تتحول فيها السفارات إلى غرف سياسية تدير القوى وتعيد ترتيب التحالفات وتحدد من يقترب ومن يبتعد.
ولو كنت اليوم رئيساً للوزراء، لرفضت بصورة قاطعة أي إملاءات أمريكية على العراق، ولرفضت تعيين أي مبعوث أمريكي يعينه الرئيس ترامب، نعم السفير مرحب به وفق الأعراف الدولية وضمن حدود مهامه البروتوكولية، أما التدخل في السياسة العراقية أو الأمن العراقي فمرفوض. ولكل خرق أمريكي أو غير أمريكي للسيادة العراقية توثيق رسمي ورفع إلى الأمم المتحدة، مع رفض واضح لأي تدخل خارجي في الشأن السياسي أو الأمني العراقي.
لذلك أقول لأبناء بلدي: لا تتعاركوا فيما بينكم حول الكلمات، وانظروا إلى ما وراءها. حصر السلاح كلمة حق، لكن الكلمة الصحيحة يمكن أن تُستخدم في مشروع باطل إذا جرى فصلها عن السيادة والقرار الوطني وتوازن الدولة. ومن يتحدث اليوم عن حصر السلاح من دون أن يفهم ما الذي يجري حول العراق، وما الذي يمكن أن ينتج عن هذه الخطوة في هذا التوقيت، فالأفضل له أن يتوقف قليلاً ويفكر قبل أن يدفع البلاد إلى مكان لا يستطيع هو نفسه العودة منها.
المؤامرة أكبر مما يتصور كثيرون، والخطر الحقيقي أن يتحول بعض الجهلة والحمقى إلى أدوات لمشروع لا يعرفون نهايته. نعم العراق يحتاج إلى دولة قوية، وسلاح محصور بيدها، وقرار مستقل، وعلاقات متوازنة مع الجميع. لكن بشرطها وشروطها وبقرار وطني عراقي. هذه هي المعادلة التي أدافع عنها، ومن دونها قد يتحول شعار الدولة إلى الطريق الذي يُستخدم لإضعاف الدولة.




