
- طوكيو تعتبر زيارة بوتن إلى جزر الكوريل التي باتت روسية بعد الحرب العالمية الثانية أمرا مرفوضا وتستدعي السفير الروسي وتسلمه احتجاجها
- موسكو تستدعي السفير الياباني الذي يعتذر بحجة وعكة صحية ما يستدعي تعليقا حساسا من لافروف وإذ به يشفى في اليوم الثاني ويلبي الاستدعاء
لمحة تاريخية
وقفت اليابان مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وكانت هزيمة اليابان موجعة جدا، فقد جاء استسلامها بعد قصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي، وقد أسفر ذلك عن مقتل وتشريد وتشويه مئات الألاف من مواطنيها عدا عن خسارة أراض واسعة جدا كانت تابعة لها أو تحت سيطرتها من مثل شبه الجزيرة الكورية إلى جانب مستعمرات في الصين وميكرونيسيا وجزر المحيط الهادي، وكانت قد تخلت عن جنوب شبه جزيرة ساخالين لروسيا عام 1855 لقاء حصولها على جزر الكوريل، وعند هزيمة اليابان نهاية الحرب العالمية الثانية استعاد الاتحاد السوفييتي سيطرته على كامل ساخالين، واسترد جزر الكوريل عسكريا عام 1945 ، ثم تنازلت اليابان حتى عن المطالبة بها بموجب معاهدة سان فرانسيسكو عام 1951، وتم الاتفاق بإعلان مشترك عام 1956 على إنهاء حالة الحرب بين البلدين ونشطت العلاقات الدبلوماسية وعبرت موسكو حتى عن استعدادها لإعادة جزيرتين لليابان على أن يتم توقيع معاهدة سلام الأمر الذي لم يتم حتى الآن.
مرت العلاقات بحالات تردٍّ وتحسن عبر مراحل تاريخية هامة، ومع ذلك تطورت نسبيا العلاقات التجارية والإنسانية، وشهدت حتى مرحلة ذهبية في التعاون النوعي بين الرئيس بوتن ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، وكثرت اللقاءات والتفاهمات بينهما سعيا لتوقيع معاهدة سلام وتعزيز الاستثمارات، ومع ذلك راوحت مسائل طرح تنازلات جدية بالنسبة لجزر الكوريل التي بلغ التقارب بشأنها في الأعوام الأخيرة قبل الحرب الأوكرانية مداه، فقد طرح “آبي” عام 2016 خطة تعاون واعدة جدا من خلال إقامة أنشطة اقتصادية واسعة مشتركة في تلك الجزر، وأُقرت عمليات السفر المتبادل دون تأشيرة، ونُظمت رحلات طيران دورية ورحلات بحرية لتعميق التواصل، وبدأ حتى التفكير حتى بمشاريع الإدارة المشتركة لكي تكون الجزر ساحة تعاون لا صراع.
طوكيو حولت الكوريل إلى دريئة
رغم أن اليابان تعهدت بعدم المطالبة بجزر الكوريل في معاهدة فرانسيسكو 1951 إلا أنها عادت لتوجه الانتقادات والإدانات والشجب تجاه أي إجراء تقوم به موسكو في هذه الجزر التي باتت أرضا روسية بموجب نتائج الحرب قبل أكثر من 80 عاما ، ولابد من التنويه بأن تشدد طوكيو وإصرارها على استعادة جميع جزر الكوريل أفقدها فرصا نوعية هامة، فقد عبر الاتحاد السوفييتي عن استعداده لتسليم اليابان جزيرتي شيكوتان وهابوماي بعد توقيع معاهدة سلام بين البلدين لكن طوكيو أضاعت تلك الفرصة ما دفع موسكو إلى التأكيد على أنها لن تتخلى عن أراض دفع الأجداد دماهم لاستعادتها، خاصة أن هذه الجزر تضمن للأسطول الروسي في المحيط الهادئ ممرات بحرية غير متجمدة شتاء كما أنها تشكل حصنا منيعا للدفاع عن حدود روسيا الشرقية.
موقف اليابان من الحرب الأوكرانية دمر العلاقات مع روسيا
بعد أن وصلت العلاقات بين موسكو وطوكيو أوج تحسنها في مرحلة آبي قبيل العششرينات عادت لتتهاوى بسرعة بعد انضمام اليابان لحملات الدول الغربية وواشنطن ضد روسيا وخاصة في مجال العقوبات، وردت موسكو بإلغاء جميع التسهيلات السابقة وإلغاء الإعفاء من التأشيرات وتجميد المشاريع الاقتصادية المشتركة ما أسفر عن تقليص التبادل التجاري إلى الثلث تقريبا، وأدرجت روسيا اليابان في قائمة الدول غير الصديقة ذاك أن اليابان كانت تسارع للانضمام إلى أية قرارات مناهضة لروسيا، وساهمت بقوة في فرض العقوبات وتجميد الأرصدة الروسية، وعادت اليابان إلى استخدام صيغ تعتبر فيها الوجود الروسي في جزر الكوريل احتلالا، والإصرار على تسميتها الأراضي اليابانية الشمالية، وأوغلت في المساهمة بفرض حزم من العقوبات التي استهدفت المؤسسات وحظر التعاون مع المصارف والبنوك الروسية وحظر عدد كبير من البضائع، وخاصة التقنيات الحديثة ما جعلها في مقدمة المواجهين لروسيا إلى أن جاءت الأزمة الأخيرة بين طوكيو وموسكو التي لا يمكن فهمها بمعزل عن كل ما تقدم.
زيارة عابرة فجرت الأزمة الأخيرة
طبعا كانت اليابان تستنفر وتنتقد أية زيارات لكبار المسؤولين الروس لجزر الكوريل وكأنهم يتعدون على سيادة اليابان لذا تلجأ موسكو في كل مرة بهدوء ودبلوماسية ولكن بحسم إلى تذكيرهم بأن هذه الجزر أرض روسية، وكان الرئيس الروسي في إطار جولته في ساخالين شرق روسيا قد قام بزيارة تفقدية لجزيرة إبتوروب، وهي أول زيارة له إلى الكوريل لذا وصفت بالتاريخية ، وبالتالي أقامت طوكيو ضجة كبرى دبلوماسية وإعلامية مُعربة عن رفضها القاطع لهذه الزيارة حتى ان وزير الخارجية اليابانية موتيغي استدعى السفير الروسي في طوكيو نيكولاي نوزدريف إلى مقر الوزارة، ووجه عبره لروسيا احتجاجا شديد اللهجة، وعبرت رئيسة وزراء اليابان تاكايتشي عن رفضها الشديد أيضا لتلك الزيارة، واعتبراها تمس مشاعر الشعب الياباني ووصفتها وسائل الإعلام اليابانية بأنها زيارة مرفوضة وغير مقبولة على الإطلاق، وأنها تنتهك السيادة اليابانية على الأقاليم الشمالية، بل وصل الأمر إلى الإعلان عن أن الحكومة اليابانية قد تدرس فرض عقوبات قوية ضد موسكو ردا على هذه الزيارة.
السفير الياباني يصب الزيت على النار
بعد أن علمت موسكو باستدعاء سفيرها في طوكيو، وأنه تعرض للانتقاد ووجهوا عبره رسالة احتجاج لموسكو على هذه الزيارة، اعتبرت موسكو الأمر يفوق الحد المسموح به دبلوماسيا في مثل هذا الظرف، خاصة أن نتائج الحرب العالمية الثانية كرست تبعية جزر الكوريل لروسيا منذ 80 عاما، ولهذا قامت موسكو بدورها باستدعاء السفير الياباني في موسكو أكيرا موتو للرد على ما اعتبرته غير لائق وغير موضوعي من الخارجية اليابانية، وحددت له يوم 14 ثم 17 أغسطس ليزور مقر الخارجية الروسية، لكن السفارة اليابانية في موسكو أرسلت اعتذارا بأن السفير مريض أو خارج موسكو ولا يستطيع الحضور مما استدعى تعليقا وخازا من وزير الخارجية الروسية لافروف الذي صرح بأن تغَيُّب السفير الياباني عن الاستدعاء أمر غير مألوف، وأن الوزارة تنتظر توضيحا، وذكّر بأن السفير الروسي في طوكيو استدعي إلى الخارجية اليابانية ولبى الدعوة في حين أن السفارة اليابانية قدمت اعتذارا غامضا إما لوجود السفير خارج موسكو أو لوعكة صحية ألمت به الأمر الذي لم يستطع الجانب الروسي فهمه…
ويلفت النظر أن السفارة اليابانية بعد هذا التعليق من وزير الخارجية الروسية لافروف أوضحت أن السفير سيحضر “يوم 18 أغسطس” أي اليوم التالي لليوم الذي لم يستطع الحضور نتيجة وعكة صحية!!! ما دفع بزاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية للتعليق ساخرة بأن السفير الياباني تحسنت صحته فجأة وسيأتي “غدا” إلى وزارة الخارجية الروسية.
لافروف يوبخ طوكيو
لم يكتف الوزير الروسي بهذه التعابير الوخازة بحق السفير الياباني، بل أوغل في تفنيد تصريحات السياسيين اليابانيين حول زيارة الرئيس بوتن إلى جزر الكوريل التي تزعم طوكيو بأنها أرض يابانية معتبرا أنهم تجاوزوا حدود اللباقة لأنهم اعتبروا أن الرئيس الروسي لا يمكنه زيارة جزء من الأراضي الروسية، وفي مجال آخر وبوقت متزامن توقف لافروف حول توجهات اليابان الأخيرة معتبرا أن اليابان تنتهك دستورها وتتخلى حتى عن إرثها التاريخي خدمة لواشنطن مشددا على أن اليابانيين يحاولون إعادة صياغة القانون الدولي بما يناسب مصالحهم ومصالح الولايات المتحدة، وأنهم يحالون التهرب من المسؤولية التاريخية حيث يؤكد دستورهم عدم أصوبية امتلاك أو انتاج أو استيراد سلاح نووي، في حين تتم الآن مراجعة هذه المبادئ الثلاثة أو مناقشتها على الأقل، وهناك من يطرح إمكانية التخلي عن هذه المبادئ في حال الضرورة والطوارئ. ويلفت النظر أن المسؤولين اليابانيين باتوا يتجنبون مؤخرا الحديث عن هيروشيما وناغازاكي، كما لو أن أحدا لا يعرف من قصف بلادهم بالسلاح النووي.
المثير للدهشة أن النائب الياباني عن الحزب الليبرالي مونيو سوزوكي اعتبر أن تصريحات الرئيس بوتن الإيجابية عن العلاقات الجيدة بين روسيا واليابان أيام رئاسة “شينزو آبي” للحكومة اليابانية كان يجب أن يُستفاد منها لتحسين العلاقات بين البلدين، كما نوه بأن رد اليابان على زيارة الرئيس بوتن لإحدى جزر الكوريل الجنوبية لا يدل على نضج.
بقي أن نشير إلى أن بكين في تعليقها على انتقاد اليابان لزيارة بوتن للكوريل طالبت على لسان غو جياغون المتحدث باسم الخارجية الصينية اليابان بالالتزام بالنظام الدولي القائم على نتائج الحرب العالمية الثانية، وأن بكين تدعو لاحترام نتائج الانتصار على الفاشية، في حين أعلن جورج غلاس سفير الولايات المتحدة في اليابان أن الولايات المتحدة تدعم بثبات حليفتها اليابان مؤكدا أن بلاده تعترف بسيادة اليابان على جميع أراضيها، يأتي ذلك رغم أن كلا من روزفلت -الولايات المتحدة، وتشرشل- بريطانيا بالاتفاق مع ستالين وقعا على اتفاقية يالطا عام 1945 التي تقر باعتراف السيادة الروسية على جزر الكوريل.




