
لم يعد من السهل قراءة الموقف السعودي من لبنان بمعزل عن التحولات التي يشهدها الإقليم. فالسياسة السعودية تجاه الساحة اللبنانية تبدو اليوم أمام مراجعة هادئة، لا تقوم بالضرورة على الانسحاب من لبنان، بل على إعادة تعريف الأولويات والأدوات والجهات التي يمكن أن تمر عبرها التسوية.
واللافت أن هذا التحول يتزامن مع تطورات إقليمية تتجاوز الجغرافيا اللبنانية نفسها. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 22 أيلول/سبتمبر أن الاتصالات الأميركية-الإيرانية تتقدم، وأنه يرى إمكانية الوصول إلى تسوية، فيما أكد بيان وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في نيويورك أن الحوار والدبلوماسية هما الطريق إلى حل مستدام، وشدد على أهمية الالتزام بمذكرة إسلام آباد. كما جاء البيان في ظل إدانة الهجمات الحوثية على السعودية والتأكيد على حق المملكة في الدفاع عن أمنها وسيادتها.
هذه التطورات ليست تفصيلاً خارجياً بالنسبة إلى لبنان. فالقاعدة في السياسة الإقليمية تقول إن الدول تعيد ترتيب ملفاتها عندما تتغير كلفة الصراع وأولويات الأمن القومي. والسعودية، التي كانت تنظر إلى لبنان لسنوات باعتباره إحدى ساحات التنافس مع إيران، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مختلف: حرب إقليمية واسعة، تهديدات مباشرة لأمن الخليج، اضطراب في الملاحة والطاقة، وتصاعد في الجبهة اليمنية. لذلك يصبح احتواء التصعيد، وإغلاق الجبهات المفتوحة، ومنع انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة، أولوية تتقدم على إدارة التفاصيل اللبنانية اليومية.
من هنا يمكن فهم التحول المحتمل في المقاربة السعودية للبنان.
فالسؤال لم يعد فقط: من يملك النفوذ الأكبر في لبنان؟
بل أصبح: كيف يمكن الوصول إلى لبنان أكثر استقراراً، وأقل قابلية لأن يتحول إلى جبهة إضافية في أي مواجهة إقليمية مقبلة؟
وهذا فرق استراتيجي مهم.
من لبنان كساحة صراع إلى لبنان كجزء من التسوية
المقاربة السابقة كانت تقوم إلى حد كبير على إدارة التوازنات اللبنانية في مواجهة النفوذ الإيراني، ودعم القوى التي تنسجم مع الرؤية السعودية للدولة والسيادة والعلاقات العربية. أما في المرحلة المقبلة، فقد تتجه الرياض إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على حماية المصالح السعودية أولاً، وعلى منع لبنان من أن يتحول إلى نقطة اشتعال جديدة.
وهنا تحديداً تبرز أهمية المسار الأميركي-الإيراني.
فالبيان الرباعي السعودي-المصري-التركي-الباكستاني لم يأتِ في فراغ. فقد سبق للمجموعة نفسها أن رحبت بمذكرة إسلام آباد ودعت إلى تنفيذ الالتزامات التي تضمنها، معتبرة إياها خطوة باتجاه خفض التصعيد الإقليمي. ثم عادت المجموعة في أيلول للتأكيد على المرجعية نفسها في ظل تجدد التوتر.
وهذا يعني أن الرياض لا تتحرك بالضرورة ضد واشنطن، وإنما تحاول، في هذه المرحلة، التأثير في اتجاه السياسة الأميركية نفسها: وقف الحرب، منع اتساعها، وإيجاد ترتيبات أمنية تسمح لدول الخليج باستعادة هامش الحركة الاقتصادية والاستراتيجية.
وبعبارة أخرى، يبدو أن السعودية تريد أن تنتقل من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة إدارة مخاطر الصراع.
وهذا التحول، إذا ثبت واستمر، ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان.
ماذا يعني ذلك للملف اللبناني؟
إن مخرج الحل اللبناني، في أحد مساراته، قد يمر عبر تغير المقاربة السعودية للملف اللبناني، وليس بالضرورة عبر التخلي عن لبنان أو عن القوى السياسية الحليفة للمملكة.
المسألة أكثر تعقيداً.
فالسعودية قد تكون بصدد إعادة النظر في طريقة إدارة الملف، وفي مستوى التدخل المباشر، وفي طبيعة الشخصيات والقنوات التي تتولى التفاوض أو التواصل. وفي هذا السياق يبرز اسم يزيد بن فرحان باعتباره جزءاً من إدارة الملف السعودي اللبناني، لكن من المبكر اعتبار أي تعديل في دوره أو في طريقة إدارة الملف بمثابة قرار سعودي نهائي بسحب الدعم عن أي اتفاق أو إطار سياسي محدد.
الأدق، في تقديري، هو الحديث عن إعادة تموضع سعودي.
وإعادة التموضع لا تعني التخلي، بل تعني تغيير الأدوات.
فالرياض قد لا تكون معنية اليوم بفرض تسوية لبنانية من الخارج بقدر ما قد تكون معنية بتهيئة الظروف التي تسمح بتسوية لبنانية لا تتحول إلى مواجهة سعودية-إيرانية جديدة على الأراضي اللبنانية.
وهنا يصبح لبنان جزءاً من التسوية الإقليمية، لا مجرد ورقة في الصراع الإقليمي.
لماذا يبدو بعض أهل السلطة في لبنان متشائمين؟
هنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: لماذا تبدو بعض القوى السياسية اللبنانية القريبة من السلطة متوجسة أو متشائمة من هذا التحول؟
ربما لأن جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية اعتاد، على مدى عقود، قراءة التوازنات الداخلية من خلال حجم الدعم الخارجي لكل طرف.
وعندما يتغير الخارج، تتغير معه حسابات الداخل.
فإذا كانت المرحلة السابقة تسمح لبعض القوى اللبنانية بالاستناد إلى الدعم الإقليمي للحصول على موقع تفاوضي أقوى، فإن أي تسوية أميركية-إيرانية، أو أي تفاهم سعودي-إيراني غير مباشر، يمكن أن يغير قواعد اللعبة.
عندها تصبح بعض الأوراق التي كانت تبدو قوية في الداخل أقل قوة، ليس لأن أحداً قرر إسقاطها، وإنما لأن البيئة التي كانت تمنحها قيمتها السياسية بدأت تتغير.
وهنا تحديداً ينبغي عدم الوقوع في خطأ تفسير كل حركة سعودية باعتبارها انتصاراً لهذا الفريق أو هزيمة لذاك الفريق.
الرياض، في هذه المرحلة، قد تكون تبحث عن شيء آخر تماماً: تقليل المخاطر الاستراتيجية.
فالحرب في اليمن، والهجمات الحوثية، والتهديدات التي طاولت الأمن السعودي والملاحة والطاقة، كلها تجعل الأولوية السعودية أكثر ارتباطاً بأمن المملكة واستقرارها الاقتصادي والإقليمي. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على اتساع قنوات الاتصال الإقليمية لمحاولة احتواء الأزمة، بما في ذلك الدور الباكستاني في التواصل مع إيران والسعودية.
لبنان أمام معادلة جديدة
إذا استمرت هذه البيئة الإقليمية، فقد يجد لبنان نفسه أمام معادلة مختلفة. لم يعد السؤال فقط من يدعم هذا الفريق أو ذاك. السؤال سيكون: من يستطيع إنتاج دولة لبنانية قابلة للحياة، قادرة على ضبط أمنها وحدودها، وقابلة للتعامل مع المجتمعين العربي والدولي؟ وهنا تكمن أهمية الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة.
ففي أي تسوية إقليمية مقبلة، سيكون من الصعب بناء استقرار لبناني مستدام على أساس المحاصصة السياسية وحدها. وستزداد أهمية المؤسسات القادرة على تنفيذ أي تفاهم على الأرض، وفي مقدمتها الجيش والمؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تحول سعودي في لبنان قد لا يكون موجهاً ضد طرف لبناني لمصلحة طرف آخر، بل قد يكون باتجاه إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية الاستقرار الداخلي ومنع لبنان من العودة إلى وظيفة الساحة.
المسألة الأعمق: هل انتهى زمن لبنان كساحة؟ هنا أعتقد أن السؤال الحقيقي يتجاوز السعودية.
إذا نجحت الاتصالات الأميركية-الإيرانية في إنتاج تسوية أو حتى هدنة طويلة، وإذا استطاعت الرياض تخفيف مستوى التصعيد مع الحوثيين، وإذا تحولت مذكرة إسلام آباد إلى قاعدة لمسار تفاوضي أوسع، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة مختلفة عنوانها الأساسي ليس إنهاء التنافس، وإنما إدارة التنافس من دون حرب مفتوحة.
وفي مثل هذه المرحلة، يصبح لبنان أمام فرصة، ولكنها ليست فرصة مجانية.
فالاستقرار الإقليمي لا يعني تلقائياً الاستقرار اللبناني.
لبنان يحتاج إلى تحويل اللحظة الإقليمية إلى مسار داخلي: تقوية مؤسسات الدولة، تعزيز قدرة الجيش، حماية القرار السيادي، وإعادة بناء العلاقة مع الدول العربية على قاعدة المصالح المتبادلة، لا على قاعدة الاصطفاف اللبناني في صراعات الآخرين.
الخلاصة
في تقديري، ما يجري ليس مجرد تغيير سعودي في لبنان، بل إعادة ترتيب للأولويات السعودية في الإقليم.
السعودية لا تبدو أمام خيار بين لبنان وإيران، وإنما أمام محاولة لإعادة صياغة البيئة الإقليمية بما يحمي أمنها ومصالحها ويمنع تحول المنطقة إلى حرب استنزاف مفتوحة.
وإذا كانت واشنطن وطهران تقتربان من مسار تفاوضي، وإذا كانت الرياض والقاهرة وأنقرة وإسلام آباد تدفع باتجاه تثبيت مسار الحوار ومذكرة إسلام آباد، فإن لبنان لا يستطيع أن يبقى خارج هذه المعادلة.
لذلك، فإن التغيير السعودي المحتمل في لبنان يجب ألا يُقرأ باعتباره تراجعاً عن لبنان، بل باعتباره احتمال انتقال من سياسة إدارة الاصطفافات إلى سياسة إدارة التسويات.
وهنا تصبح العبارة الأكثر دقة: السعودية لا تخرج من لبنان؛ ربما تغيّر طريقة بقائها فيه.
أما تشاؤم بعض القوى اللبنانية، إن كان موجوداً فعلاً، فقد يكون مردّه إلى أن المرحلة الجديدة لا تكافئ بالضرورة من يجيد الاستناد إلى الخارج، بل من يستطيع التكيف مع قواعد إقليمية جديدة، يكون عنوانها الدولة، والاستقرار، وخفض التصعيد، والتسويات المتبادلة.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون ليس: ماذا تريد السعودية من لبنان؟
بل: ماذا سيفعل لبنان عندما يبدأ الخارج بتغيير قواعد اللعبة؟




