
أزمة الجيش الإسرائيلي الداخليّة.. نزيفٌ قيادي واتّساع الاختلال البنيوي في أخطر مرحلة منذ تأسيسه
ريم حسن خليل
تتعمّق الأزمة داخل الجيش الإسرائيلي بوتيرة غير مسبوقة، لتتحوّل خلال الأشهر الأخيرة من سلسلة حوادث متفرقة إلى حالة انهيار بنيوي تضرب صلب المؤسسة العسكرية. ولم يعد الحديث مقتصراً على نقصٍ في المجندين أو تراجعٍ في أداء وحدات عسكرية معيّنة، بل أصبح الحديث يدور عن أزمة مركّبة تشمل الضباط النظاميين، والاحتياط، والمنظومة النفسية، والهيكل المالي، والقدرة على الاحتفاظ بالكوادر المهنية، وصولاً إلى اهتزاز صورة الجيش داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
الشرارة الأبرز التي كشفت عمق الأزمة جاءت بعد قرار محكمة العدل العليا إلغاء الامتيازات الخاصة التي كان يحصل عليها رئيس الأركان عند التقاعد، والتي كانت تُضاعف تلقائياً مكافآت الضباط الكبار. هذا القرار أدّى إلى حالة من الذعر داخل هيئة الأركان، إذ سارع ضباط برتب مقدم وعقيد إلى تقديم طلبات تقاعد مبكر قبل دخول النظام الجديد حيّز التنفيذ، خوفاً من أن يفقدوا جزءاً كبيراً من معاشاتهم التقاعدية. وقد تسبّبت هذه الموجة بضغط كبير على قيادة الجيش، بعدما تبيّن وجود أكثر من 300 طلب قد قُدّم بالفعل، فضلاً عن مئات أخرى قيد المراجعة، في ظلّ تحذيرات من أنّ موجة جديدة قد تنفجر في أي لحظة.
ومع تتابع هذه الطلبات، بدأ يظهر على السطح أثرٌ أخطر بكثير، وهو تآكل القيادة الوسيطة التي تشكّل العمود الفقري للجيش الإسرائيلي. فالضباط الذين يغادرون حالياً ليسوا من الفئات الأقلّ أهميّة، بل هم أصحاب خبرة طويلة، يخدمون في مواقع حساسة، ويمتلكون المعرفة العملياتية التي تحتاج سنوات لتشكيلها. ونظراً لغياب بدلاء جاهزين، اضطر الجيش إلى تأجيل خروج بعضهم قسراً، في خطوة وصفها مسؤولون في المؤسسة العسكرية بأنّها مؤشرٌ سلبي على غياب التخطيط الاستراتيجي وعلى فشل منظومة الإعداد القيادي في تعويض الفجوات.
إلى جانب الجانب المالي، تتفاقم الأزمة النفسية داخل الجيش الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة. فقد أشارت معلومات قدّمتها جهات عسكرية إلى الكنيست إلى زيادة حادّة في طلبات الدعم النفسي، سواء لدى الجنود الدائمين أو بين قادة الفرق والسرايا. وتحدث ضباط كبار عن تدهور واضح في القدرة على استيعاب الضغط المتواصل الناتج عن الحرب الطويلة، وتكرار العمليات، وتعرض الوحدات لخسائر بشرية وعسكرية. وقد أدّت هذه الظروف إلى ارتفاع معدلات الاحتراق النفسي، بل وظهور حالات انتحار في صفوف الجنود، الأمر الذي أضاء الضوء الأحمر حول قدرة الجيش على الحفاظ على تماسكه الداخلي.
أمّا الوحدات الاحتياطية، التي لطالما اعتُبرت أساس القوة الإسرائيلية في أي حرب، فتشهد حالة تعب غير مسبوق. وقد تحدّثت تقارير عبرية عن تراجع الاستجابة لاستدعاءات الاحتياط، وعن صعوبة في إعادة بعض العناصر إلى الخدمة بسبب أزمات نفسية ومهنية، إضافة إلى اعتراضات واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي حول طول مدة الخدمة، وغياب الدعم المالي، وإجهاد العائلات التي تعتمد على معيلين يُستدعون لفترات طويلة.
الجانب المالي هو الآخر يُشكّل ساحة صراع مفتوحة بين الجيش ووزارة المالية. فالامتيازات العسكرية التي تضاعفت عبر سنوات تسبّبت في عبء مالي ضخم على الموازنة، ما دفع وزارة المالية إلى تقليصها أو إعادة هيكلتها. لكن هذا التدخل اعتبره الجيش مساساً بمكانة الضباط، ومؤشراً على تراجع قيمة الخدمة العسكرية في نظر الدولة. وقد عبّر ضباط عن خشيتهم من أنّ الحكومة قد تتراجع عن التزاماتها تجاه الجنود العاملين في أصعب الظروف، ما خلق شعوراً بانعدام الاستقرار الوظيفي داخل المؤسسة العسكرية.
وفي خلفية هذه الأزمات، يظهر نقص كبير في القوى البشرية على مستوى التجنيد الأساسي. فمع تغيّر البنية الاجتماعية في إسرائيل، وتراجع رغبة الشباب في الخدمة ضمن الوحدات القتالية، يعاني الجيش نقصاً في آلاف الجنود الذين كان يفترض أن يتوزعوا على وحدات البرّ والهندسة والمدرعات، إضافة إلى فجوات واسعة في الكوادر التقنية. ورغم محاولات القيادة توسيع دائرة التجنيد، بما في ذلك استقطاب يهود من الشتات أو الضغط باتجاه تجنيد الحريديم، فإنّ النتائج لا تزال محدودة، ولا تعكس قدرة على ملء الفجوات المتسارعة.
هذه العوامل مجتمعة تخلق صورة جيشٍ يواجه استنزافاً ذاتياً متصاعداً، حيث تخرج الكفاءات بدلاً من أن تدخل، وحيث تتراجع الجاهزية النفسية والبدنية بدلاً من أن ترتفع. ومع استمرار التوترات الأمنية على جبهات متعددة، يصبح الجيش أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للضغوط، وأقل قدرة على إدارة الحروب الطويلة التي تحتاج إلى منظومة بشرية متماسكة وقادرة على تحمل الأعباء.
إنّ خطورة الأزمة الحالية تكمن في أنّها ليست مجرد رد فعل آني على ظروف الحرب، بل هي نتيجة تراكمات سنوات من السياسات المالية المتضاربة، والإجهاد العملياتي، وغياب رؤية استراتيجية لإعادة بناء القوى العاملة. ومادام الجيش غير قادر على استعادة ثقة ضباطه، أو جذب مجندين جدد، أو معالجة الأزمات النفسية، فإنّ الأسئلة حول قدرته المستقبلية ستبقى مفتوحة. ولعلّ أخطر هذه الأسئلة: هل يستطيع الجيش الإسرائيلي إعادة ترميم منظومته الداخلية قبل أن يجد نفسه في مواجهةٍ جديدة تفوق قدرته الحالية على الاحتمال؟




