
تتناول المقالة لحظة كاشفة في السياسة العراقية تُعلن نهاية نموذج حكم قائم على المحاصصة والإرتهان للخارج، وتؤكد أن العالم تغيّر ولم يعد يتسامح مع الدول الهشّة. وتطرح أن العراق أمام إختبار وجودي: إما إصلاح جذري وبناء دولة سيادية أو إستمرار الإدارة من الخارج بشروط مفروضة.
لم يكن المشهد الأخير في السياسة العراقية حادثة عابرة يمكن وضعها في خانة سوء التقدير أو التوتر الظرفي، بل لحظة كاشفة بكل ما للكلمة من معنى. لحظة أخرجت إلى السطح هشاشة بنيوية تراكمت على مدى أكثر من عقدين، وعرّت عقلاً سياسياً ما زال يتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة، لا كياناً سيادياً له موقع ووظيفة في عالم يتغيّر بسرعة لا ترحم المتأخرين. ما جرى لم يكن مجرّد إعتراض أميركي على اسم ولا خلافاً دبلوماسياً قابلاً للإحتواء ببيان أو وساطة، بل رسالة صريحة مفادها أن قواعد اللعبة تغيّرت، وأن العراق لم يعد يُدار بمنطق المناورة المفتوحة، ولا بمنهج شراء الوقت.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحدّتها الآنية، بل بما تكشفه من عمق الخلل. وما كشفته الأزمة الأخيرة هو أن الطبقة السياسية العراقية أو الجزء المُهيمن منها على الأقل، ما زالت أسيرة أدوات قديمة وعلاقات استُهلكت وإفتراضات لم تعد صالحة. الرهان على أن الزمن كفيل بتدوير الزوايا أو أن التناقضات الدولية ستعيد فتح نوافذ مغلقة، أصبح رهاناً خاسراً في عالم إنتقل من إدارة الأزمات إلى حسمها ومن سياسة الرماديات إلى منطق الشروط الواضحة.
الخطأ الأكبر لم يكن في الترشيح بحد ذاته، بل في الإصرار عليه رغم تغيّر السياق الإقليمي والدولي. فالسياسة ليست ذاكرة شخصية ولا سجل إنجازات يُعاد فتحه متى شاء صاحبه، بل قراءة دقيقة لموازين القوة والإتجاهات. من لا يقرأ اللحظة، يتحوّل من لاعب إلى عبء، ومن ورقة تفاوض إلى مشكلة ينبغي إحتواؤها أو إزاحتها. وهذا بالضبط ما حدث: العراق كدولة، وُضع مرة أخرى تحت المجهر، لا بوصفه شريكاً محتملاً، بل بوصفه عقدة لم تُحل بعد.
لطالما قُدّمت السياسة العراقية بعد العام 2003 على أنها نتاج توازن دقيق بين الخارج والداخل، بين واشنطن وطهران، وبين الشرعية الدستورية والواقع المسلح. غير أن هذا “التوازن” لم يكن في جوهره سوى إدارة مؤقتة للإختلال، لا معالجة له. ومع مرور الوقت، تحوّل إلى منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الفشل: محاصصة تُعطّل الدولة، فساد يُفرغ المؤسسات من معناها وسلاح منفلت يُقايض به القرار السيادي. في مثل هذا السياق، يصبح أي حديث عن إستقلال القرار ضرباً من البلاغة السياسية، لا أكثر.
التحوّل اليوم لا يتعلق بشخص ولا حتى بتيار بعينه، بل بنهاية صلاحية نموذج كامل للحكم. نموذج بُني على إفتراض أن العراق يمكن أن يبقى دولة بلا إقتصاد حقيقي، وبلا مؤسسات فاعلة وبلا رؤية تنموية، طالما أن النفط يوفّر الحد الأدنى من الإستقرار المالي، وطالما أن الخارج مستعد لغضّ الطرف مقابل دور وظيفي محدد. هذا الإفتراض إنهار. العالم لم يعد يتسامح مع دول رخوة ولا مع أنظمة تُنتج الفوضى وتطلب الحماية في آن واحد.
المقاربة الأميركية الجديدة للمنطقة، مهما إختلفنا معها أو إنتقدنا دوافعها، باتت أكثر وضوحاً وأقل قابلية للتأويل. لم تعد واشنطن معنية بإدارة التوازنات الهشة ولا بتمويل الإستقرار المؤقت، بل تبحث عن كيانات قادرة على ضبط نفسها، وتأمين مصالحها، وعدم التحوّل إلى منصات تهديد أو مسارات إلتفاف على العقوبات. في هذا الإطار، لم يعد العراق ملفاً أمنياً فقط، بل ملفاً إقتصادياً – سيادياً، تُقاس فيه الحكومات بقدرتها على الإصلاح، لا بخطابها السياسي.
وهنا تكمن المعضلة: الإصلاح، بالمعنى الحقيقي، يتطلب تفكيك شبكة مصالح مترابطة حكمت العراق منذ العام 2003. شبكة لا يربطها مشروع وطني، بل عقد حماية متبادلة، تُدار فيها الدولة كإقطاعيات، ويُعاد فيها توزيع الموارد على أساس الولاء لا الكفاءة. هذه الشبكة لم تعد قادرة على تقديم ما يكفي لإقناع الداخل أو الخارج بجدواها. الفساد لم يعد قضية أخلاقية أو سياسية داخلية، بل تهديداً إقتصادياً وأمنياً عابراً للحدود، تُلاحقه أدوات دولية لم تكن حاضرة سابقاً بهذا الوضوح.
اللافت أن جزءاً من الطبقة السياسية ما زال يعتقد أن المشكلة تكمن في “طريقة الإعلان” أو “توقيت التصريحات”، لا في جوهر الأزمة. هذا تبسيط مخلّ. فحين تُدار دولة على إيقاع ردود الفعل وحين يُنتظر الخارج ليقول كلمته الحاسمة، يكون الخلل أعمق من زلة لسان أو سوء تقدير. المسألة هنا مسألة عقل سياسي لم يدرك أن العالم تغيّر وأن قواعد التسامح القديمة إنتهت.
في هذا السياق، لا يمكن فصل السياسة عن الإقتصاد. فالدولة التي لا تنتج ولا تمتلك بنية طاقة مستقلة ولا تملك قدرة على تمويل إستقرارها، ستبقى رهينة. العراق مثال صارخ على ذلك. بلد غني بالموارد، لكنه فقير في الإدارة. يمتلك إحتياطات هائلة من النفط والغاز، لكنه عاجز عن تأمين كهرباء مستقرة لمواطنيه. هذا التناقض ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لعقود من سوء الإدارة والفساد وتسييس الإقتصاد.
من هنا، تكتسب خطوة الشروع الجدي في تطوير حقل عكّاز للغاز دلالة تتجاوز بعدها التقني. فهي ليست مجرد مشروع طاقة، بل إشارة سياسية – إقتصادية في آن واحد. إشارة إلى أن بغداد ولو بحذر، بدأت تُدرك إن أمن الطاقة ليس ملفاً خدماتياً فحسب، بل أحد مفاتيح السيادة. تقليص الإعتماد على الغاز والكهرباء المستوردة يعني تقليص هامش الضغط الخارجي، وفتح نافذة لإعادة تعريف العلاقة مع الشركاء الدوليين على أساس المصالح المتبادلة، لا الحاجة المزمنة.
إختيار شريك أمريكي في هذا الموقع الجغرافي الحساس لم يكن تفصيلاً عابراً. فهو يحمل رسالة مزدوجة: للخارج بأن العراق مستعد لإختبار مسار مختلف، وللداخل بأن زمن الإكتفاء بالحلول المؤقتة يقترب من نهايته. غير أن هذه الرسالة ستبقى ناقصة ما لم تُستكمل بإصلاحات حقيقية وبإرادة سياسية قادرة على حماية المشروع من الإبتزاز، سواء كان داخلياً أو إقليمياً.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يحكم، بل كيف يُحكم العراق. هل سيبقى أسير نموذج العصابة السياسية، أم سينتقل ولو بتكلفة عالية، إلى نموذج الدولة؟ الخيار ليس نظرياً، بل وجودي. فالعالم لا ينتظر والمنطقة تُعاد صياغتها والدول التي لا تحجز لنفسها موقعاً فاعلاً تُترك على الهامش. العراق ليس إستثناءاً من هذه القاعدة.
ما نشهده اليوم هو مفترق طرق حقيقي. الإستمرار في تدوير الوجوه، وتجميل الخطاب وإدارة الأزمات بدل حلّها، لن ينتج إلا مزيداً من التهميش. في المقابل، القبول القاسي بحقيقة أن مرحلة كاملة إنتهت، وأن قواعد جديدة تُفرض، قد يفتح الباب أمام ولادة سياسية مختلفة. ولادة لا تقوم على الشعارات، بل على إعادة بناء الدولة من الأساس: إقتصاد منتج، مؤسسات فاعلة، قرار سيادي، وعلاقة متوازنة مع العالم.
خلاصة القول إن ما يجري ليس إقصاءاً لأشخاص، ولا إنتقاماً سياسياً، بل إعلان غير مباشر عن نهاية صلاحية منظومة حكم. منظومة راهنت على الزمن، فخسرته، وعلى الخارج، فاستُهلكت أوراقها، وعلى النفط، فأهدرت فرصته. العراق اليوم أمام إختبار قاسٍ، لكنه ضروري: إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة، أو يُدار مرة أخرى، من خارج حدوده، وبشروط لا يملك صياغتها.




