
في السياق السياسي الحالي ما نشهده يعكس حقائق أساسية تُعد من أبجديات السياسة الدولية: القوة هي التي تحكم العالم. في عالم السياسة والدول، السيادة والسيطرة لا تأتي إلا بالقدرة على إمتلاك أسلحة متطورة وشاملة، وبتصنيعها وإبتكارها، مدعومة بخطوط إمداد ولوجستيات ضخمة، ومال لا محدود. المال يتيح لك بناء قوة عسكرية كبيرة، كما يوفر لك جهاز إستخباراتي قوي يمكنه تمويل عمليات واسعة النطاق، بالإضافة إلى القدرة على تشكيل لوبيات تؤثر سياسياً وإعلامياً. كل هذا بمعناه الأوسع، يعني أن النفوذ يتسع بقدر ما تمتلك من موارد مالية وعسكرية وإستخباراتية، حتى تصل إلى مستوى الهيمنة الذي يسمح لك بالتدخل في دول أخرى واحدة تلو الأخرى، بدءاً من محيطك الإستراتيجي والمنطقة المجاورة، ومن ثم التوسع تدريجياً لتشمل مناطق أبعد. والهيمنة كما يتضح، تنتج المال وتزيد الملاءة المالية والعسكرية، وتعزز النفوذ الإستخباراتي والإعلامي والسياسي. هذا هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك كل شيء أموالاً ضخمة، أسلحة قوية، أجهزة إستخباراتية عالية التطور ولوبيات ضخمة تجعل أي منافس عاجزاً إلا الصين التي تسيطر اليوم على التجارة والتصنيع عالمياً حتى الإتحاد السوفيتي لم يكن يمتلك أبداً الملاءة المالية التي تحققت للصين اليوم فهي تتحكم بالمشهد التجاري فيما الولايات المتحدة الأمريكية دخلت مباشرة في مواجهة إقتصادية معها عبر حرب تجارية ضخمة لكن محاولتها بخلق أزمات إقتصادية داخلية وتأثير على الإنتاج الصناعي والعسكري، فشلت ما شكل صدمة كبيرة للبيت الأبيض، وأدى إلى إن الصين خرجت أقوى بعد هذه المواجهة التجارية. وكان الرئيس ترامب يسعى لإعادة تركيز الإنتاج الأمريكي على العمق الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية بإستخدام نفوذها المالي والإستخباراتي والعسكري على اللاعبين الأضعف. مثال على ذلك تدخل القوات الأمريكية الخاصة، مثل قوات دلتا في مناطق مثل الصومال، حيث تنفذ عمليات دقيقة ضد جماعات محلية بطريقة مدروسة تعتمد على التقديرات الإستخباراتية الكبيرة، وتستفيد من الخبرة السابقة في مثل هذه البيئات المعقدة وهي القوة الأمريكية نفسها التي إعتقلت الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته. والرئيس ترامب ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، مستهدفاً مناطق إستراتيجية مثل جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، ليس فقط لموقعها الجغرافي بل لمواردها الكبيرة من المعادن والنفط، والتي تمنح نفاذية طبيعية إلى روسيا عبر القطب الشمالي وخطوط التجارة الأطلسية. القوة هنا ليست مجرد سيطرة جغرافية، بل سيطرة مالية وعسكرية، إستخباراتية وسياسية، وهو ما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ سياسات توسعية دون إعتراض من الدول الصغيرة مثل الدنمارك، التي لا تمتلك الملاءة اللازمة لمواجهة هذا النفوذ. وفي ذات الإطار، تم التركيز على فنزويلا حيث السيطرة على النفط والإحتياطات الكبيرة تجعل من الدولة الأمريكية اللاعب الرئيسي في سوق الطاقة العالمي. الرئيس مادورو على الرغم من حكمه لا يمتلك القوة الإقتصادية أو السياسية لمواجهة النفوذ الأمريكي الكامل ما يجعل التدخل الأمريكي في فنزويلا بمثابة تحكم إستراتيجي في النفط العالمي، وضبط أسعار السوق حسب المصالح الأمريكية، سواء عبر ضخ النفط أو تحديد الأسعار بما يتناسب مع مصالح الولايات المتحدة العالمية. هذه السياسة لم تتوقف عند حدود فنزويلا، بل إمتدت لتشمل كولومبيا والمكسيك وكوبا، ضمن خطة أكبر تهدف إلى السيطرة على نصف الكرة الغربي بالكامل. السيطرة على الموارد واللوجستيات وقطع الطريق أمام الإستثمارات الصينية في أمريكا اللاتينية وتعزز النفوذ الأمريكي، وتضمن إن أي توسع صيني في المنطقة سيواجه مقاومة إقتصادية وسياسية مباشرة. حتى لو لم يكن الهدف السيطرة بالقوة المباشرة فإن النفوذ الدبلوماسي والإقتصادي يكفي لتحقيق الغلبة، كما يظهر في التعامل مع كندا وغرينلاند، حيث يتم مزج القوة العسكرية بالتحايل السياسي لضمان مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وفي الشرق الأوسط والخليج، تضمن الموارد الكبيرة والخبرة العسكرية والنفوذ الإستخباراتي القدرة على تعزيز المواقف الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، سواء عبر الترتيب مع الحلفاء مثل إسرائيل أو من خلال السيطرة على النزاعات المحلية لضمان عدم ظهور تهديدات مستقلة. السيطرة على نصف الكرة الغربي تمنح واشنطن قدرة على المناورة العالمية، وتهيئة نفسها لجولات إستراتيجية مستقبلية مع الصين التي تراقب وتوازن حركتها في العمق الإستراتيجي، وهنا يظهر الملف الإيراني في ترتيب الأولويات الأمريكية بإعتباره العقدة التالية، بل ربما العقدة الأكثر إلحاحاً إن لم يتقدم على ملف غرينلاند. الحديث هنا ليس عن إيران كدولة فقط، بل عن نقطة زمنية حساسة حيث هناك تحرك أمريكي–إسرائيلي جاد لتوجيه ضربة حاسمة على إيران وهي قريبة جداً إذا إستمرت المعطيات الحالية كما هي. القرب الزمني هنا ليس صدفة، بل نابع من حسابات دقيقة تتعلق بـ”بوليصة التأمين” الإيرانية. فإيران بخلاف القوى الكبرى، لا تمتلك ملاءة مالية تسمح لها بالدخول في سباقات تسليح باهظة الكلفة، من نوع إنفاق تريليون أو تريليوني دولار على برنامج طائرة واحدة، أو منظومات تسليح متكاملة، أو أبحاث علمية ممتدة لعقود. لا تملك عملة مهيمنة ولا منظومة إنتاج صناعي عسكري ضخم بسلاسل إمداد عالمية مستقرة. هذا الخلل البنيوي يترجم تلقائياً إلى ضعف وكل ضعف يغري القوة الأكبر التي تمتلك المال والسلاح، والإستخبارات، والقدرة على فرض الهيمنة. من هنا تلجأ الدول التي تعاني هذا الخلل إلى ما يشبه “بوليصة التأمين” أي أدوات ردع غير متكافئة تعوّض نقص المال والقدرة الصناعية والنموذج الأوضح لهذه البوليصة هو السلاح النووي، حتى وإن لم يكن مستخدماً فعلياً فهو يمنح صاحبه مظلة ردع تمنع الإعتداء المباشر أو الغزو الشامل. لكن إيران حتى الآن، لا تمتلك هذه البوليصة النووية المكتملة ولذلك إتجهت إلى البديل الثاني: القوة التقليدية المفرطة الموزعة جغرافياً، والمتمثلة في الصواريخ الباليستية. القوة الصاروخية الإيرانية ليست مجرد أرقام بل هي معادلة ردع قائمة على الجغرافية. دولة واسعة، مليئة بالجبال والصحارى، قادرة على توزيع منصات الإطلاق بشكل يجعل من المستحيل تحييدها بالكامل بضربة واحدة. لو وصلت إيران إلى معادلة عشرين ألف صاروخ باليستي وهو رقم تسعى إليه وإن كان يحتاج وقتاً فإن أي هجوم عليها سيؤدي حتماً إلى أضرار فادحة للمهاجم حتى لو تم تدمير جزء كبير من هذه المنظومة. وهذا بالضبط ما لا تريد الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل الوصول إليه. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة فإيران تعاني أزمات إقتصادية خانقة وإحتجاجات داخلية وضغوطاً مالية هائلة، لكنها في الوقت نفسه تمسك بجزء من بوليصة التأمين التقليدية، أو تسير بخطى ثابتة نحو إستكمالها. وكلما اقتربت من هذه النقطة تقل كلفة التردد بالنسبة لها، وتزداد كلفة الضربة بالنسبة لخصومها. لذلك المرحلة الحالية هي نافذة زمنية: فرصة لمنع إيران من إستكمال هذه البوليصة قبل أن تتحول الصواريخ الباليستية إلى مظلة ردع كاملة، تمهّد لاحقاً لبوليصة التأمين الأكبر. المنطق الذي يحكم هذا التفكير يقول: إذا لم تُضرب إيران الآن فسيأتي وقت تصبح فيه الضربة شبه مستحيلة أو شديدة الكلفة، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً وإقتصادياً. تخيّل سيناريو تسيطر فيه الولايات المتحدة الأمريكية على نفط فنزويلا، وتُحكم قبضتها على نفط إيران في الوقت نفسه، هذا سيكون زلزالاً عالمياً! كارثة إستراتيجية كبرى بالنسبة للصين تحديداً لأنه يمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على التحكم في أسعار الطاقة وإعادة تشكيل التوازنات الإقتصادية العالمية. لهذا السبب، ومع إكتمال حلقات الضغط في أمريكا اللاتينية ومع تهديد المكسيك وكولومبيا وكوبا، ومع السيطرة على مسارات النفط واللوجستيات، يظهر الملف الإيراني بإعتباره الحلقة التي يجب كسرها الآن، لا لاحقاً. فلا يجب السماح لإيران بأن تمسك بوليصة التأمين الصاروخية كاملة، ولا أن تنتقل من الردع التقليدي إلى ردع إستراتيجي أعلى وأي تأخير سيفتح فراغاً تملؤه قوى أخرى، وقد يدفع الصين إلى التحرّك سياسياً أو إستراتيجياً لدعم الطرف الذي يمتلك هذه البوليصة. إسرائيل من جهتها، تنظر إلى الأمر من زاوية أكثر ضيقاً لكن أكثر حدّة. حتى لو كانت إيران لا تمتلك عشرين ألف صاروخ، بل ثلاثة آلاف فقط، فإن هذه الكمية كافية لخلق أزمة حقيقية في منظومات الدفاع، وإستنزاف طويل المدى في حال إندلاع مواجهة. أي حملة ضد إيران ستواجه خيارين أحلاهما مر: إما إستنزاف واسع، أو قبول بقاء جزء من القدرة الصاروخية الفعالة. لذلك يظهر التوافق الأمريكي–الإسرائيلي على أن الضربة إن حصلت، فالأفضل أن تكون الآن، قبل أن تتغير المعادلة بشكل لا يمكن السيطرة عليه. كل هذا يجعل الحديث عن ضربة قريبة على إيران ليس تهويلاً إعلامياً ولا تصريحاً رسمياً بل تقدير للموقف الحالي فالملف الإيراني يقف على حافة قرار كبير سيُتخذ فوراً إذا لم تتغير المعطيات جذرياً كما قلنا سابقاً.
وفي الشرق الأوسط أيضاً، سنجد أن ملف سورية نفسه يراد إغلاقه بأي شكل. في هذا السياق ظهر الكلام المتداول عن أن الرئيس أحمد الشرع تعرّض لمحاولة إغتيال وأنه موجود في أحد المستشفيات في تركيا. هذا الحديث بدأ يتسرب ويُروّج له من دون الدخول في تفاصيل كثيرة حول ما جرى فعلياً لكن مجرد ظهوره ليس بريئاً. إسرائيل تتحدث إن إيران تريد التخلص منه، والبعض الآخر يقول إن إسرائيل نفسها تريد التخلص منه، وكل طرف يرى في ذلك مصلحة مباشرة له خصوصاً مع حالة التصريحات المتضاربة والمرتبكة المحيطة بشخصية الرئيس أحمد الشرع. ومنذ اللحظة الأولى لظهوره كان التقدير واضحاً أن إغتيال أحمد الشرع ليس في مصلحة أحد يريد الحفاظ على شكل الدولة السورية. لأنه ببساطة إذا صُنع اليوم فراغاً في سورية سيفتح الباب لتقسيمها بسهولة. عندها سنجد الجماعات الجهادية الإسلامية في المنتصف تتناوب السيطرة، ويتكرر السيناريو الذي عرفناه سابقاً. هذا ليس سيناريو نظرياً بل نمط متكرر حول “الإسلام الأول” يدخل في صراع مع “الإسلام الثاني”، الأول يُدمّر مؤسسات الدولة، يدمّر الجيش، يُغرق البلد في فوضى شاملة، ثم يجد نفسه في النهاية رئيساً على خراب لا يمكن إدارته إلا عبر المساومات مع الإسرائيليين والأمريكيين، ورفع العقوبات والقبول بشروط الخارج فقط من أجل البقاء. وهذا بالضبط هو الواقع الذي ثار عليه “الإسلام الثاني” في الأساس. والأخير بطبيعة الحال لن يقبل بهذا المسار. سيعتبر أن الأول خرج عن الملة وأنه فقد الشرعية وأن الحل الوحيد هو التخلص منه. من هنا تبدأ دوامة الإغتيالات، والإقتتال الداخلي وإستهداف الأهالي داخل مناطق السيطرة، سواء عبر الميليشيات أو عبر التشكيلات الحكومية المسلحة المرتبطة مباشرة بألرئيس أحمد الشرع. هذه ليست مجرد فوضى داخلية، بل كارثة إستراتيجية كاملة على مستوى المنطقة. في هذا السيناريو تصبح الفوضى هي الأداة. تُترك الجماعات الإسلامية لتتصارع فيما بينها، وتُستنزف، وتُدمر ما تبقى من النسيج السوري. في الوقت نفسه، تبدأ خطوط الإنفصال، العلويون نحو كيان منفصل، الدروز نحو إنفصال، الأكراد نحو إنفصال. سورية تُفصَّص قطعة قطعة، ولا يعود هناك حديث عن وحدة الأرض السورية ولا عن دولة مركزية، ولا عن أي مشروع وطني جامع. عند هذه النقطة، تصبح سورية عبئاً يُراد التخلص منه بالكامل. في هذا الفراغ تدخل إسرائيل تسيطر على الجنوب السوري، ثم تمتد إلى الساحل. ومع السيطرة على الساحل السوري، يمكن عملياً طرد أي نفوذ روسي متبقٍ، ويُطوى الملف الروسي في شرق المتوسط. من لبنان ومن سورية، تسيطر إسرائيل على شرق المتوسط بالكامل. ومع هذا التمركز، تبدأ مرحلة جديدة من النفاذ الجغرافي والإستراتيجي عبر ما يُسمى ممر داوود، بالتحالف مع الدروز، مروراً بمناطق البادية وصولاً إلى شرق الفرات، حيث تصبح النفاذية نحو العراق مفتوحة. والعراق، في هذا التصور هو أصلاً ضمن نطاق السيطرة غير المباشرة. عندها تُستخدم الملاءة المالية والعسكرية والسياسية والإقتصادية لتعزيز هذا الوضع، ليس فقط لترتيب الشرق الأوسط، بل للتحضير لجولة أكبر مع الصين. الولايات المتحدة الأمريكية لا تتحرك عشوائياً، بل ترتب مسارح العمليات كلها في وقت واحد، وتترك لإسرائيل إدارة جزء كبير من هذه الملفات على الأرض. في الوقت نفسه، يبقى ملف روسيا وأوكرانيا ملفاً بالغ الخطورة خصوصاً مع تقارب روسيا والصين. هنا يظهر التحرك الصيني المضاد لما تفعله الولايات المتحدة الأمريكية، تحرك سيكون خطيراً وعنيفاً. الولايات المتحدة الأمريكية تعيد ترتيب أوراقها مستخدمة عناصر قوتها داخل أعماقها الإستراتيجية، لكن السؤال المطروح: لماذا يُسمح لواشنطن بذلك ولا يُسمح للصين؟ روسيا تُعد عمقاً إستراتيجياً للصين، والصين تمتلك ملاءة مالية وعسكرية ضخمة، لكنها تتعامل بمنطق مختلف: تراكم القوة، الإنتاج المستمر، وعدم إستنزاف الفوائد في جبهات لا تمثل أولوية في اللحظة الراهنة. الأولوية الصينية الواضحة الآن هي تايوان. تايوان هي جوهر الصراع كله وإذا سيطرت الصين على تايوان فإنها تكون قد حيّدت اليابان سياسياً، وأحكمت الهيمنة السياسية على الفلبين وأزاحت واشنطن من عمقها الإستراتيجي في شرق آسيا. الصين ستتحرك بإستخدام فوائد قوتها ليس في مغامرات إستنزافية بل في تأمين عمقها الإستراتيجي الأساسي تحسباً لأن الزحف الأمريكي لن يتوقف عند نصف الكرة الغربي كما يُعلن. الولايات المتحدة الأمريكية تقول إنها تركز على نصف الكرة الغربي، لكنها في الواقع تتوسع عالمياً من غرينلاند، إلى الشرق الأوسط، إلى إعادة بناء النفوذ العالمي. هي تخلق أنظمة نفوذ، وتسيطر على الموارد، حتى لا تدخل الجولة القادمة مع الصين وحدها. هذا السلوك يُغري الصين بالتحرك بالمثل، لكن في عمقها الإستراتيجي الجوهري، حيث المعركة الحقيقية وهي تايوان. والصين لا تعتمد فقط على البعد التكنولوجي بمعناه الضيق، ولا تفكر بمنطق تدمير “تي إس إم سي” أو خلق سيناريو ينهار فيه قطاع “المايكرو شيبس” العالمي (الرقائق الدقيقة) التي هي أساس التكنولوجيا الحديثة وتعتمد على بناء دوائر إلكترونية معقدة للغاية على قطعة صغيرة من مادة شبه موصلة (غالباً السيليكون) لتشغيل الأجهزة من الهواتف الذكية إلى السيارات. على العكس هي بنت بدائل وطورت قدراتها، وإستحوذت على تكنولوجيا حساسة حتى إذا دخلت تايوان، لا يتوقف الإقتصاد ولا ينهار سوق الشرائح، بل تستمر الدورة الإقتصادية وتُستخدم عوائدها في تعزيز القوة العسكرية وتراكمها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم. في المقابل، الولايات المتحدة الأمريكية تحشد العالم كله حول تايوان وإذا نجحت الصين في الإستيلاء على تايوان في لحظة تكون فيها واشنطن غارقة في ترتيب أوراقها الإقتصادية والجيوسياسية عالمياً، فستكون تلك ضربة قاصمة للولايات المتحدة الأمريكية. حينها، لن يبقى أمام واشنطن سوى خيار بالغ الخطورة وهو إما القبول بالأمر الواقع، أو الدخول في مقامرة حرب عسكرية كبرى. لكن هذه الحرب ستكون كارثية داخلياً على أمريكا. الشرعية الشعبية ستكون موضع سؤال: لماذا يموت الجندي الأمريكي في حرب عالمية؟ لماذا يُدخل رئيس منتخب لمنع الحروب بلاده في مواجهة شاملة؟ هذا سيكون مأزقاً سياسياً داخلياً هائلاً، خصوصاً إذا دفعت الصين بقوة في ملف تايوان سواء عبر حصار أو سيطرة، أو هجوم برمائي شامل. كل هذه التحركات تشير إلى شيء واحد أننا نحن أمام صدام كبير قادم. بوادره بدأت منذ الحرب الروسية–الأوكرانية، وتصاعدت، وكل طرف يراقب نقاط ضعفه ونقاط ضعف خصومه، يحاول إصلاحها، ويبني القوة التي تمكّنه من دخول هذه المعركة الكبرى. الحرب العالمية الثالثة إذا وقعت، فالرابح فيها سيهيمن على العالم لفترة طويلة قادمة. في هذا النظام لا يحكم القانون الدولي، ولا الشعارات الأخلاقية، ولا إدعاءات الديمقراطية أو الإنسانية. كل ذلك مجرد أوراق. القوة هي التي تحكم السياسة، والقوة تُستخدم لمضاعفة القوة، والمضاعفة تقود إلى الهيمنة والبقاء.




