تقارير - ماتريوشكاعربي

اليمن على حافة التقسيم… الجنوب يفرض الأمر الواقع

ماتريوشكا نيوز

في قلب اليمن، دخلت الأزمة في شرق البلاد منعطفاً حاداً بعد سيطرة قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2025. لم يعد الأمر صراعاً محلياً على النفوذ بل تحول إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، وصلت ذروتها مع الضربة الجوية السعودية على شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا يوم الثلاثاء، بالتوازي مع مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإنسحاب القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، وإعلان حالة الطوارئ لمدة 90 يوماً وفرض حظر مؤقت على جميع الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة. تطورت الأحداث بسرعة خلال الأيام التالية، مع شن التحالف العربي بقيادة السعودية ضربات جوية على معسكر الخشعة في حضرموت إستهدفت قوات المجلس الإنتقالي، الذي يدعمه الإماراتيون. كانت منطقة الخشعة نقطة نفوذ إستراتيجية تربط مناطق إنتشار مختلفة في حضرموت، ما جعلها مسرحاً متكرراً للتوترات والصدامات في ظل صراع نفوذ معقد بين قوى محلية مدعومة إقليمياً. ووسط هذا الصراع أشار وكيل وزارة الإعلام اليمنية إلى أن الضربات جاءت لتحييد مصادر تهديد وتأمين خطوط الإمداد لقوات درع الوطن، متهماً المجلس الإنتقالي الجنوبي الذي يمتلك حالياً النفوذ الأكبر على جغرافية اليمن فالمجلس وتشكيلاته المسلحة يسيطران على نحو 52% من أراضي اليمن، بنصب كمائن على طرق تحرك القوات الحكومية، دون الكشف عن تفاصيل دقيقة. وتنتشر قوات درع الوطن، وهي تشكيل عسكري تابع لرئيس مجلس القيادة الرئاسي ومدعوم سعودياً، في عدد من مناطق حضرموت ضمن ترتيبات لإعادة الإنتشار وملء الفراغات العسكرية، بينما يتمركز الإنتقالي عبر وحدات من المنطقة العسكرية الثانية في مواقع عدة بالمحافظة، ما يزيد إحتمالات الإحتكاك العسكري. ومع ذلك أعلن محافظ حضرموت المكلف بقيادة قوات درع الوطن، عن إنطلاق عملية “إستلام المعسكرات” في المحافظة، مؤكداً أنها إجراءات وقائية لتعزيز الأمن والحفاظ على السلم لا تستهدف أي مكون سياسي أو إجتماعي أو المدنيين. وفي الوقت ذاته إتهمت وزارة النقل اليمنية التابعة للمجلس الإنتقالي السعودية بإخضاع الرحلات القادمة عبر مطار جدة للتفتيش، ووصفت الإجراءات بأنها سبب معاناة للمسافرين، بينما نفت السعودية والحكومة اليمنية التي تسيطر على ما يقارب 10% من مساحة اليمن ذلك، مؤكدة أن قرار الإغلاق صادر من وزير النقل في المجلس الإنتقالي، ما أسفر عن إلغاء عدة رحلات.

تاريخياً، أصبح جنوب اليمن نقطة محورية في الحسابات الإسرائيلية، بعد أن سعت إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 لتعزيز حضورها العسكري والإستخباري في المنطقة بدعم إماراتي، لتأمين مصالحها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ولعبت جزيرتا سقطرى وعبد الكوري دوراً إستراتيجياً، وأصبحتا مراكز نفوذ إماراتية–إسرائيلية، بما في ذلك بنية تحتية لمراقبة بحر العرب وجمع المعلومات الإستخبارية. وهكذا لم يعد النزاع في جنوب اليمن قضية إنفصالية داخلية، بل أصبح ساحة صراع إقليمي مفتوح، تتقاطع فيه مصالح الإمارات وإسرائيل والتحالف الدولي، خصوصاً فيما يتعلق بمراقبة الملاحة البحرية ومواجهة النفوذ الإيراني. جنوب اليمن اليوم يبدو وكأنه نموذج شبه دولة، فيما الشمال خاضع لسلطة الحوثيين، والحكومة الشرعية موجودة في الوسط بلا قدرة فعلية على التحكم بشيئ، ما يخلق واقعاً معقداً ثلاثي المستويات. وفي هذه اللحظات يبدو أن مشروع عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الإنتقالي الجنوبي تعرض لإنهيار جزئي بعد إنسحاب القوات الإماراتية وتسليم المعسكرات إلى قوات درع الوطن، في خطوة تصحيحية لمسار التحالف، تهدف لإستعادة مؤسسات الدولة وتحقيق الأمن والإستقرار والتنمية، مع الحفاظ على الشراكة مع السعودية.

لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد. ففي قلب اليمن، كانت الأرض تهتز تحت أصوات سُرف الدبابات وقعقعة المدرعات، وخريطة جديدة تولد بين الجبال والسواحل. الجنوب العربي، الذي أُغلق في العام 1990 بدأ اليوم يفتح أبوابه بالقوة كوحش قديم يستيقظ بعد نوم طويل. الساعات القادمة تحمل خطراً أكبر مما يتصور الكثيرون فمراكز القرار في واشنطن لم تتوقف عن الحديث عن ولادة دولة عربية جديدة تُرسم حدودها بالنار. من حضرموت إلى المهرة، ومن عدن حتى المكلا، تقدمت كتائب الجنوب بسرعة لم يشهدها اليمن منذ ثلاثين عاماً. سيناريو 2019 الذي طرحه ترامب لخارطة دولتين، شمال وجنوب، بدا وكأنه نبوءة تتجسد على الأرض الآن، بدأت القصة من عدن حيث إرتفعت فجأةً على منصة ساحة العروض لافتة مكتوب عليها: “إعلان دولة الجنوب العربي لحماية العروبة ومكافحة الإرهاب”. لم يكن مجرد إحتجاج، بل إعلان نوايا، مرحلة جديدة بدأت بالتزامن مع رفع علم الجنوب في مدارس المكلا، حيث بدأ الأطفال في طابور الصباح ترديد النشيد الجنوبي وسط حضور قيادات المجلس الإنتقالي. الجنوب تحول إلى كتلة واحدة تتحرك برؤية موحدة: عدن، لحج، الضالع، أبين، شبوة، سقطرى، حضرموت، المهرة. ثماني محافظات تحت سلطة واحدة، تقاتل بجيش واحد وتتحرك برؤية واحدة. حضرموت، بثروتها النفطية وموقعها الإستراتيجي، لم تكن مجرد محافظة، بل قلب الجنوب. رغم تدخل السعودية لوقف التصعيد، عادت الإشتباكات، وتقدمت قوات الإنتقالي الجنوبي إلى المهرة، آخر محافظة شرقية خارج سيطرته. الحكومة إعتبرت ما يحدث تقويضاً للشرعية، واليمن اليوم يتقسم دون إعلان رسمي الجنوب يفرض سيادته على الأرض، والخرائط تتغير لحظة بلحظة. السيطرة أصبحت الإعتراف، والميدان أصبح الوثيقة. رفع علم الجنوب فوق القصر الرئاسي في سيئون، تحويل منشآت النفط إلى مؤسسات تحت سلطة الجنوب، وإدارة المعابر الحدودية مع سلطنة عُمان، كلها علامات على تغيير جذري في مفهوم السيادة. الإنتقالي يمتلك القوة الميدانية، النخب المدربة، المنظومات الإستخباراتية الحديثة، والغطاء السياسي من عدن حتى المكلا. بينما الحكومة تواجه خيارين: إما التحول إلى وسيط بين الكيانين الجديدين “الحوثي والجنوبي”، أو التلاشي النهائي كجسم سياسي بلا وزن، بلا أرض، بلا جيش. ما يحدث اليوم في عدن والمكلا وحضرموت ليس مجرد إنتفاضة محلية، بل إستكمال لرؤية دولية وضعتها واشنطن قبل ست سنوات، رؤية كانت تتحدث عن دولتين في اليمن، واليوم، بدأت تلك الخارطة القديمة تتحقق أمام أعيننا. والإنقسام المتسارع في اليمن يُتيح لبعض الأطراف الإقليمية والدولية فرصاً للإستفادة وأبرزها إيران وجماعة الحوثي. ويؤدي هذا الوضع إلى تعزيز قدرة الحوثيين الذين يسيطرون على ما يقرب من 33% من مساحة اليمن، على إستغلال الإنقسامات للسيطرة مجدداً على البحر الأحمر، ومواجهة أي وجود إسرائيلي بحرياً، وحتى في أرض الصومال. وأكد عبد الملك الحوثي أن أي وجود عسكري إسرائيلي في ما بات يُعرف بأرض الصومال يُعد عدواناً على سيادة الصومال واليمن، مهدداً بأن مثل هذا التواجد سيكون هدفاً عسكرياً لهم، ورفض أن يتحول جزء من الصومال إلى “موطئ قدم” لإسرائيل على حساب أمن المنطقة وسيادة الدول. ما قاله الحوثي ليس رسالة لإسرائيل وحدها بل رسائل تحذيرية للأطراف والدول المتحالفة مع إسرائيل في المنطقة، خاصة تلك المنخرطة إقتصادياً ودبلوماسياً وبحرياً في أرض الصومال، بأن مصالحها ستكون مستهدفة عسكرياً. ويمتلك الحوثيون علاقات مع جماعات مسلحة في الصومال، بما في ذلك إقليم بونت لاند، ما يُمكنهم من التنسيق والتعاون لإستهداف أي وجود إسرائيلي، وهو ما سيؤثر على الملاحة الدولية بطريقة مماثلة للتأثير الذي شهده جنوب البحر الأحمر خلال العامين الماضيين، حين دعم الحوثيون المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ضد الهجمات الإسرائيلية.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى