
أثار مؤخراً النائب الروسي والمحامي ماكاروف جدلاً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي إذ زعم أن شخصية الكرتون الشهيرة تشيبوراشكا شخصية يهودية، مستنداً إلى أن وصولها إلى الاتحاد السوفيتي كان عبر إسرائيل، الدولة الوحيدة التي كانت تزوده بالبرتقال، بحسب قوله.
أثار هذا الادعاء موجة من التعليقات الساخرة، بما في ذلك تعليق رسمي من القنصلية الإسرائيلية في سانت بطرسبرغ التي قالت: “الأمر يحتاج إلى إثبات من خلال التحقق من ختان تشيبوراشكا كدليل على يهوديته”، في إشارة ساخرة إلى غياب أي أساس منطقي لمزاعم النائب الروسي.
في المقابل، اعتبر عدد من المستشرقين والخبراء في مجال الفولكلور الشعبي أن شخصية تشيبوراشكا يمكن اعتبارها شخصية فلسطينية، نظراً لأن الاتحاد السوفيتي كان يستورد برتقال يافا المزروع بأيادي المزارعين العرب في فلسطين، والذي كان يُعدّ سلعة تصديرية رئيسية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين شكل نحو 77% من إجمالي الصادرات الفلسطينية. وقد أدى الاحتلال الإسرائيلي لاحقاً، بدءاً من خمسينيات القرن العشرين، إلى مصادرة أراضي الفلسطينيين ضمن “قانون أملاك الغائبين”، والاستيلاء على بساتين البرتقال الشهيرة، وهو ما عزز من رمزية تشيبوراشكا ككائن محمي من الإبادة داخل صندوق برتقال ووصل بأمان إلى الاتحاد السوفيتي.
وتجسد شخصية جينا التمساح، العازفة الطيبة واللطيفة، التي تحتضن تشيبوراشكا، روح الشعب السوفيتي الأممي الذي يرحب بالمضطهدين ويحميهم، فيما تمثل العجوز شابوكلياك الجانب الشرير الذي يهدد الآخرين، ويُنظر إليها – بحسب التحليل الرمزي – على أنها تجسيد للقوى المعادية، مثل إسرائيل والولايات المتحدة، في الصراع الفلسطيني.
وقد اعترف الكاتب السوفيتي إدوارد أوسبنسكي، مبتكر الشخصية عام 1966، بأنه استوحى شابوكلياك جزئياً من زوجته الأولى، فيما أقر الفنان ليونيد شفارتسمان، الذي ابتكر شكل الشخصيات في الرسوم الكرتونية، بأنه “نسخ” الشخصية الشريرة جزئياً من حماته، ما يعكس الطابع الكوميدي والفكاهي في تصميم الأبطال والأشرار في الأعمال السوفيتية.
كما تجدر الإشارة إلى أن الرسوم الكرتونية التي ظهرت فيها تشيبوراشكا كانت تحمل رسالة واضحة لمناهضة الاستعمار ودعم القضايا العادلة، وهو ما ينسجم مع الموقف السوفيتي الرسمي تجاه النضال الفلسطيني. فقد كان الفلسطينيون، مثل ليلى خالد وياسر عرفات، يظهرون على شاشة التلفزيون السوفيتي كنموذجين يمقلان أبطال المقاومة، ما جعل من تشيبوراشكا وجينا رموزاً للعدالة وحماية المظلومين.
وبالتالي، فإن إلحاق شخصية تشيبوراشكا باليهودية، -كمحاولة النائب ماكاروف-، يُعتبر تزويراً وافتراءً، حيث تجاهل السياق التاريخي والسياسي والثقافي للشخصية. فهي ليست سوى مخلوق متخيل، صُمم ليكون رمزاً للطهارة والبراءة والعدالة الاجتماعية، ما يعكس موقف الاتحاد السوفيتي الداعم للفلسطينيين، ويُسقِط رمزياً صورة القوى المعادية في شخصية الشريرة شابوكلياك.
في النهاية، تظل تشيبوراشكا إحدى أكثر الشخصيات الكرتونية المحبوبة عالمياً، ليس فقط لجاذبيتها الطفولية، بل أيضاً لدورها الرمزي في نقل قيم العدالة والتضامن مع المظلومين، بعيداً عن أي انتماءات دينية أو عرقية، لتصبح أيقونة خالدة في الثقافة الشعبية العالمية.




