
دخلت مدينة حلب الذي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة، مرحلة جديدة مختلفة عمّا سبقها في الأيام الثقيلة الماضية التي عاشتها. فعند الساعة الثالثة تماماً ساد صمت حذر أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، بعد إعلان وزارة الدفاع السورية وقفاً لإطلاق النار منهية جولة عنيفة من الإشتباكات بين قوات الأمن الحكومية وقوات الأسايش التابعة لقوات سورية الديمقراطية (قسد). لم يكن الهدوء مفاجئاً بقدر ما كان محمّلاً بالأسئلة إذ بدا واضحاً إن ما بعد النار لن يكون أقل أهمية مما سبقها. فالإشتباكات نفسها على قسوتها، لم تكن سوى الفصل الأخير في مسار سياسي بدأ قبل ذلك بأسابيع، وتحديداً عقب الإجتماع الرفيع الذي عُقد يوم الأحد بين وفد من قسد برئاسة مظلوم عبدي ومسؤولين في دمشق، لمناقشة تنفيذ إتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، الإتفاق الذي كان يُفترض أن يرسم طريق الإندماج التدريجي لقوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، لكنه تعثر سريعاً على أرض الواقع. وما إن أُعلن وقف إطلاق النار، حتى بدأت ملامح التحوّل تظهر على الأرض. قوات وزارة الدفاع السورية عززت إنتشارها في محيط الأحياء الثلاثة، وبدأت عملية تثبيت السيطرة ومنع أي خروقات. وفي الوقت ذاته تحرّكت قنوات الإتصال السياسية بوتيرة أسرع في محاولة لإحتواء تداعيات ما جرى ومنع تمدده إلى مناطق أخرى. وأجرى الرئيس السوري أحمد الشرع إتصالاً هاتفياً مع مسعود بارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل. الإتصال الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، لم يكن بروتوكولياً بل حمل رسائل سياسية واضحة. أكد الرئيس الشرع خلاله إن الأكراد مكوّن أصيل من النسيج السوري وإن الدولة ملتزمة إلتزاماً كاملاً بضمان حقوقهم الوطنية والسياسية والمدنية، دون تمييز. الرسالة بدت موجّهة إلى الداخل السوري بقدر ما كانت موجهة إلى الإقليم والعواصم المعنية بالملف الكردي. ميدانياً كان الحدث الأبرز يتمثل في ما وصفته دمشق بـ”الخطوة المفصلية”: خروج آخر دفعات عناصر قوات سورية الديمقراطية من حي الشيخ مقصود. فمع ساعات الليل المتأخرة، بدأت الحافلات بالتحرك بإتجاه مناطق شمال شرق سورية، تحت إشراف أمني مشدد، وبمرافقة سيارات الهلال الأحمر العربي السوري. المشهد كان دالاً: حافلات طويلة، عناصر مسلحون بعضهم مصابون، وآخرون أجانب، يخرجون من آخر معاقلهم داخل المدينة، بينما تنتشر قوات الجيش والأمن الداخلي على جانبي الطريق، في أول وجود رسمي لها داخل الأحياء الثلاث منذ سنوات. العملية نُفذت وفق ترتيبات مسبقة، دون إشتباكات، في إشارة واضحة إلى إن قرار الخروج كان قد إتُخذ، ولو بعد فوات الأوان. قوات قسد تعرضت لهزيمة ساحقة في حلب، فأكثر من 400 عنصر غادروا الحي ضمن الدفعة الأخيرة، بينما إعتُقل المئات من العناصر الذين رفضوا التسوية وتحصّنوا في مستشفى ياسين في المدينة وتورطوا في أعمال قتالية مباشرة خلال الأيام السابقة. وبعدها خرج محافظ حلب عزام الغريب بخطاب مختلف النبرة. لم يكن خطاب إنتصار عسكري بقدر ما كان إعلان عودة تدريجية للحياة. تحدث عن تحسن أمني ملحوظ، وعن جهود مكثفة لإعادة الخدمات وتأمين الأحياء وعودة السكان. قدّم تعازي رسمية لذوي الضحايا، وتعهد بدعم عائلاتهم، قبل أن يكتب عبارته الأكثر تداولاً: “لقد طُويت صفحة القلق” مع تأكيد إن المرحلة المقبلة ستُكرّس لإعادة دمج الشيخ مقصود والأشرفية الذي يسكن فيهما نحو 230 ألف شخص، غالبيتهم من الأكراد إضافة إلى بعض السكّان العرب في النسيج الإداري والخدمي للمدينة. وما جرى قبل وقف إطلاق النار كاد أن يفتح فصلاً جديداً من التوتر عبر إستخدام الطائرات المسيّرة، وإستهداف مبنى محافظة حلب ومقار أمنية، وهذا كان محاولة متأخرة لتغيير قواعد الإشتباك وتوسيع رقعة الضغط بعد خسارة الوجود الكردي داخل المدينة. فتوقيت إستخدام المسيّرات لم يكن عشوائياً بل جاء مع إقتراب ملف الشيخ مقصود من الحسم النهائي. والأهم كان حينها إن دائرة الإشتباك لم تعد محصورة بحلب، بل إمتدت نظرياً إلى مناطق إرتكاز قسد في دير حافر ومنبج والرقة والطبقة وهو ما دفع الجيش السوري لإتخاذ إجراءات إحترازية شملت قطع طرق إمداد رئيسية، خصوصاً الطريق الواصل بين دير الزور والرقة. ووراء الحسم السريع، برز عامل أكثر حساسية وهو الإنشقاقات حيث جرى تنسيقات سرية مع مجموعات عشائرية داخل صفوف قسد أدت إلى إنسحابات وتسليم مواقع دون قتال يُذكر. وطبعاً هذه الإنشقاقات لم تكن وليدة اللحظة بل نتيجة تراكم طويل من التهميش وسوء الإدارة، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية. وما جرى في حلب لا يكون إستثناء بل نموذجاً قابلاً للتكرار في شرق الفرات، حيث تتآكل الحاضنة الإجتماعية لقسد، في ظل ضغوط داخلية وتفاهمات دولية غير مكتملة. ما بعد وقف إطلاق النار في حلب لم يكن عودة إلى نقطة الصفر، بل إنتقالاً إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة إعادة فرض السلطة، وتفكيك البنى العسكرية غير المنضبطة، وفتح ملف شرق الفرات على مصراعيه، فالحكومة السورية تحرّكت بدقة في مقاربة ملف حلب مع قوات سورية الديمقراطية، معتمدة نهجاً مختلفاً تماماً عمّا شهدناه في أحداث الساحل والسويداء. وقد تجلّى هذا الإختلاف بوضوح في الإشتباكات التي وقعت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، سواء على مستوى الخطاب الإعلامي أو المقاربة الأمنية. إذ خاطبت الحكومة المكوّن الكردي إنطلاقاً من إن ما يجري هو عملية لإنفاذ القانون، لا عملية فئوية تستهدف مكوّناً سورياً على أساس قومي أو طائفي كما يصوَر بعض المؤثرين الأكراد، بل تهدف إلى إنشاء جيش وطني موحّد، وتوحيد السلاح، وحماية الأمن والإستقرار في الشارع السوري، إضافة إلى توحيد جميع الفصائل التي لم تنضم حتى الآن إلى الجيش السوري. وفي هذا السياق، أكدت الحكومة السورية مراراً إنها لا تسعى إلى إحداث أي تغيير ديموغرافي، في مقابل ما كانت تروّجه الماكينة الإعلامية لقوات سورية الديمقراطية وشقيقاتها من الكيانات السياسية والخدمية، والتي ركزت في سرديتها على الإدعاء بوجود تغيير ديموغرافي يجري في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، اللذين تقطنهما غالبية من الأكراد السوريين. كما حاولت تلك السرديات الإيحاء بأن ما حدث في هذين الحيين يشبه ما جرى سابقاً في منطقة عفرين وعدة مناطق أخرى خلال عملية “نبع السلام”، إلا أن الحكومة السورية شددت على إن ما يجري لا يندرج ضمن عملية عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما هو إجراء يهدف حصراً إلى إنفاذ القانون. وفي الوقت ذاته، أبدت جهداً واضحاً على الصعيد الخدمي تجاه النازحين، مع الحرص على تحديد الأهداف العسكرية بدقة، وطلبت من السكان الإبتعاد عن المناطق الخطرة لتجنيب المدنيين أي مخاطر محتملة. ومن اللافت أيضاً أن الحكومة السورية حرصت على تحييد قوات سورية الديمقراطية عن الإتهامات المباشرة، إذ وجّهت الإتهام بشكل صريح إلى عناصر من قوات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، معتبرة إنهم يقفون وراء ما حصل، ولا سيما إنهم لم يلتزموا بالهدنة الموقّعة في الأول من نيسان بين قوى الأمن العام في حلب ومجالس أحياء الأشرفية. كما إتّهم حزب الإتحاد الديمقراطي بكونه الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني. وفي هذا الإطار، إمتنعت الحكومة السورية عن وصف عناصر قوات سورية الديمقراطية بالإرهابيين، مكتفية بتوصيف حزب العمال الكردستاني كتنظيم إرهابي، وهو تمييز لافت في الخطاب الرسمي. كما شهد الخطاب الإعلامي تصعيداً يتمثل في وصف قوات سورية الديمقراطية بـ”التنظيم”، وهو توصيف لم يكن مستخدماً سابقاً على هذا النحو. ويُفهم من مجمل هذه المقاربة إن الحكومة السورية ما تزال حريصة على إبقاء باب المفاوضات والمباحثات مفتوحاً مع قوات سورية الديمقراطية، متجنبة الإنزلاق إلى صراع صفري، وساعية بإستمرار إلى تحييد هذه القوات عن الإتهامات المباشرة وعن مسؤولية ما يجري في حيي الأشرفية والشيخ مقصود. إذن في حلب، إنتهت المعركة عسكرياً، لكن نتائجها السياسية لم تبدأ بعد. المدينة التي خرجت من قسد دخلت إختبار الدولة من جديد، بينما بقي السؤال الأكبر معلقاً خارجها: هل كان ما جرى نهاية فصل أم مجرد بداية لكتاب أكثر تعقيداً؟




