خاص - ماتريوشكا نيوزدولي

خرائط النفوذ الجديدة: كيف تتحول أرض الصومال وباب المندب إلى مفاتيح الصراع العالمي

ماتريوشكا نيوز

يتحرك العالم كله دفعةً واحدة بلا إنتظار. أخبار تتلاحق من إيران، من روسيا، من الصين، ومناورات عسكرية ضخمة تحيط بتايوان من كل الجهات، فيما تتسلل في الخلفية ملفات تبدو للوهلة الأولى بعيدة، لكنها في الحقيقة تقف في قلب الصراع العالمي: أرض الصومال، اليمن، باب المندب، وخطوط التجارة التي لا يراها الناس لكنها تتحكم في مصائر الدول. وسط هذا المشهد المزدحم، لم يكن الحديث عن حدث آني بل عن مسار طويل، وعن أفكار قيلت قبل خمس سنوات كاملة، حين كان فتح ملف الصومال وأرض الصومال يُعد ضرباً من المبالغة أو التهويل في نظر كثيرين. يومها، كان النقاش يدور في أجواء سد النهضة، وكانت الأصوات السائدة ترى أن الربط بين القرن الإفريقي والأمن القومي العربي والمصري تحديداً، هو ربط مبالغ فيه. لكن النظرة لم تكن عاطفية ولم تكن إنفعالية، بل كانت قراءة خريطة، قراءة مصالح، قراءة واقعية سياسية خالصة. في تلك المرحلة، كان المشهد الصومالي ملتبساً. الرئيس الصومالي آنذاك محمد عبد الله فرماجو، كان يُنظر إليه بإعتباره جزءاً من محور يتحرك ضد المصالح المصرية، متقاطعاً مع إثيوبيا وأطراف إقليمية أخرى في ملف سد النهضة. لم يكن الأمر مجرد خلاف سياسي، بل تهديداً إستراتيجياً مرتبطاً مباشرة بمياه النيل، وبمحاولات تطويق مصر من الجنوب والجنوب الشرقي. هنا ظهر السؤال الذي لم يكن أحد يريد طرحه: ماذا عن أرض الصومال؟ ذلك الإقليم الإنفصالي الذي يملك مؤسسات شبه مكتملة، ويسعى منذ عقود للإعتراف الدولي. لماذا يُترك هذا الملف مفتوحاً ليُستثمر من قبل الآخرين؟ لماذا لا يُستخدم كورقة ضغط أو كفرصة إستراتيجية؟ الطرح كان واضحاً: الإعتراف بأرض الصومال مقابل نفوذ مصري مباشر، وقاعدة عسكرية تؤمّن البحر الأحمر، وتضع قدماً ثابتة في واحدة من أخطر مناطق العالم. كان واضحاً أن هذا الطرح يصطدم مباشرة بالسياسة المصرية التقليدية، التي تقوم على دعم وحدة الدول ورفض تقسيمها. وهذا من حيث المبدأ طرح منطقي وأخلاقي. لكن السياسة كما كانت الفكرة الأساسية، لا تُدار بالمبادئ المجردة وحدها. السياسة تُدار بالمصلحة، وإذا فشل الخيار المثالي أي صومال موحد قوي وغير معادٍ فلا معنى للتشبث به بينما يتحرك الخصوم بمرونة وبراغماتية. الأفضل دائماً كان الصومال الكبير، صومال موحد يضم أرض الصومال، وبونتلاند، وبقية الأقاليم، دولة واحدة تتجاوز القبلية والعشائرية والتمزق الداخلي. لكن ماذا لو لم يتحقق هذا؟ ماذا لو تحول الصومال نفسه إلى أداة بيد خصومك؟ عندها يصبح التفكير في البدائل ضرورة لا خيانة. الواقع إن الغرب لم ينتظر. كانت هناك تحركات حقيقية على الأرض قبل أربع سنوات وأكثر. إهتمام متزايد بأرض الصومال، محاولات إعتراف، بناء نفوذ عسكري وسياسي، وكل ذلك ظهر بوضوح مع إندلاع الحرب في غزة. فجأة، أصبحت هذه المنطقة التي كانت تبدو هامشية، مركز ثقل إستراتيجي، خاصة مع دخول اليمن بقوة على خط الصراع. وهنا نفتح ملف اليمن، الملف الأكثر حساسية وإثارة للجدل. الفكرة التي طُرحت منذ سنوات كانت صادمة لماذا لا يتم الإعتراف بشرعية الحوثيين في صنعاء؟ لماذا لا يتم التحالف معهم بدل تركهم بالكامل في محور معادٍ؟ الحوثيون شئنا أم أبينا، قوة أمر واقع. صمدوا عشر سنوات أمام حملة عربية شاملة بدعم أمريكي مباشر، ثم واجهوا ضربات أمريكية وإسرائيلية، وخرجوا منها أكثر تماسكاً. المنطق السياسي يقول إن القوى التي لا تُكسر لا يتم تجاهلها. باب المندب وخليج عدن ليسا تفصيلاً جغرافياً، بل شريانين أساسيين للتجارة العالمية والأمن الإقليمي. التعامل مع من يسيطر فعلياً على الأرض يصبح مسألة أمن قومي، لا مسألة مزاج سياسي أو خلاف آيديولوجي. هذه الأفكار عندما طُرحت، قوبلت بالسخرية، بالهجوم، وبالإتهامات. لكن السياسة لا تعترف بالمشاعر. اليوم، نرى نفس الطروحات تعود ولكن على ألسنة مسؤولين إقليميين. صفقات تُناقش، إعترافات مشروطة، وتقاسم نفوذ واضح. ما كان يُهاجَم بالأمس، أصبح اليوم واقعية سياسية. هكذا تُدار السياسة لا شرف مطلق، لا آيديولوجيا ثابتة، ولا مبادئ مقدسة. الدين، الأخلاق، القانون الدولي، الديمقراطية، حقوق الإنسان كلها أوراق لعب. ليست مقدسة في حد ذاتها، بل قيمتها في قدرتها على خدمة المصلحة. إن نجحت، إستُخدمت. وإن فشلت، أُسقطت دون تردد.

وفي الخلفية، يتحرك العالم نحو صدام أكبر. الرئيس ترامب يمنح نتنياهو الضوء الأخضر، الحديث يتصاعد عن ضرب إيران، وإسرائيل تلعب لعبة الإستفزاز مع الصين عبر دعم تايوان وتسليحها. الصين من جهتها، لا ترد بالكلام، بل بالمناورات، بالأساطيل، بتسليح السفن المدنية، وبمحاكاة الحصار والغزو. طائرات مسيّرة تدخل أجواء تايبيه، وسفن إنزال تُجهّز في الأحواض الجافة، ورسالة واحدة تُرسل وهبي أن السيطرة ليست خياراً نظرياً، بل سيناريو جاهز. تايوان ليست جزيرة فقط، بل عقدة التجارة العالمية. من يسيطر عليها يسيطر على طرق التجارة اليابانية، وعلى بحر الصين الشرقي والجنوبي. لذلك دخول اليابان الحرب ليس إحتمالاً بل حتمي، فالتجارة بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، والأسطول السابع الأمريكي يتمركز هناك أصلاً. وعندما ننظر جنوباً نجد أن باب المندب، ومضائق العالم، وطرق التجارة الصينية والروسية، كلها في قلب العاصفة. ضربات غامضة لسفن، حديث عن طوربيدات بحرية، إكتشاف مفاعلات نووية صغيرة وغواصات، وسفن شحن تتحول إلى أدوات عسكرية. لا شيء يحدث عبثاً، وكل فراغ يُترك يُملأ فوراً. الخلاصة التي تتشكل ببطء، لكنها قاسية أن من لا يتحرك يُستبعد، ومن لا يسبق خصومه بخطوات، يجد نفسه محاصراً. الأمن القومي لا يُحمى بالتصريحات ولا بالخطابات، بل بتحركات حقيقية على الأرض، بتحالفات ذكية، وبفهم أن السياسة ليست ساحة أخلاق، بل ساحة صراع مصالح. العالم اليوم لا ينتظر أحداً. اللعبة تُلعب بسرعة، وبلا رحمة. ومن يظل متشبثاً بالكروت بدل أن يلعبها، يتحول هو نفسه إلى كرتٍ مهمل على طاولة الكبار.

منذ أربع سنوات مايكل روبين أكبر المتخصصين في الشرق الأوسط، شدد على ضرورة أن تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بأرض الصومال. روبين منذ تلك السنوات، كان واضحاً في رؤيته: الإعتراف بأرض الصومال ليس خياراً سياسياً فحسب، بل أداة إستراتيجية تمكّن واشنطن وإسرائيل من تثبيت نفوذها في منطقة حرجة، ومن توجيه السياسات الأمريكية في المنطقة بشكل أكثر فاعلية. وكانت تحليلاته مدعومة بما يشرف عليه من مراكز دراسات تقدم إستشارات مباشرة للكونغرس ولإدارة الرئيس السابق جو بايدن، وتساهم في رسم السياسات الأمريكية تجاه اليمن، منطقة الخليج، ومضيق باب المندب. واليوم بعد سنوات من متابعة هذه التطورات، عاد روبين ليكتب مقالة جديدة، يوضح فيها أن الإعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليس مجرد حدث رمزي، بل خطوة أساسية لتقويض موازين القوى الإقليمية، ويجب أن يتبعها إعتراف أمريكي، حتى لو كان الرئيس ترامب في البداية متردداً، لأن رغبة أعضاء الكونغرس تفوق التردد، فهي ترى في ذلك فوائد إستراتيجية كبيرة جداً. ويذهب أكثر من ذلك في مقاله الجديد، ليشدد على أن الإعتراف لا يجب أن يقتصر على أرض الصومال، بل يمتد ليشمل جنوب اليمن، فالإعتراف الإسرائيلي والأمريكي بهذا الجزء من اليمن يحمل مزايا إستراتيجية هائلة تشمل تعزيز السيطرة على المضائق البحرية، تثبيت النفوذ العسكري، وإحكام الطوق على أي تحركات معادية محتملة في المنطقة. وهنا تبرز أهمية دور الإمارات العربية المتحدة، التي تعمل على بناء بنية تحتية عسكرية متقدمة في المنطقة، بما في ذلك موانئ عسكرية ومطار بربرة، وهو الأكبر في إفريقيا، مع تعزيز قدرات المراقبة والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية. هذا التواجد يسمح بالتحرك بحرية في جنوب اليمن، والإعتراف بدولة جنوب اليمن، وتثبيت قواعد في أرض الصومال، بما يمنح القدرة على ضبط مضيق باب المندب وخليج عدن، وتفادي الحصار أمام القواعد الصينية المكتظة في جيبوتي. الرؤية تتوسع لتشمل السودان وإريتريا، فالتحركات الإسرائيلية بقيادة نتنياهو، تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري وللسعودية على حد سواء. هذه التحركات تهدف إلى تفتيت الدول العربية، ودعم الحركات الإنفصالية فيها، بما يعزز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. ويطرح السؤال: ماذا لو إعترفت إسرائيل بدولة جنوب اليمن؟ هل سيعتبر هذا خطوة عدائية من السعودية إذا قدمت دعماً للفلسطينيين في الضفة الغربية أو قطاع غزة؟ الجواب يكمن في أن أي تحرك عسكري أو سياسي لا يمكن تجاهله، وأن التوازن في المنطقة يتطلب قراءة دقيقة لهذه التحركات قبل أي رد فعل. المشهد الإقليمي يتداخل مع الواقع العالمي، حيث يمثل التواجد الأمريكي والإسرائيلي في خليج عدن ومنطقة باب المندب تهديداً مباشراً للصين أيضاً، التي ترى مصالحها التجارية والإستراتيجية مهددة، وإن التواجد الأمريكي هناك يسيطر على مسارات التجارة الصينية مع أوروبا، وعلى خطوط النفط الروسية، ويتيح للولايات المتحدة الأمريكية النفوذ العسكري والسياسي في المنطقة. أما التحركات الإسرائيلية في أرض الصومال، فهي جزء من خطة أوسع لتقويض النفوذ المصري والسعودي، مع التركيز على تثبيت قواعد القوة في اليمن. وهذا يفسر الحاجة الملحة لتعزيز التواجد العسكري المصري والإماراتي في المنطقة، مع الإعتراف الرسمي بدولة جنوب اليمن وأرض الصومال، بما يمنح القدرة على مواجهة أي تحرك معادٍ قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي. وعلى المستوى العسكري، التحركات الصينية تضيف بعداً آخر للصراع. الصين تحولت إلى إستخدام الأساطيل المدنية لأغراض عسكرية، مع تجهيز السفن بالحاويات، بخلايا إطلاق للصواريخ وأنظمة رادار، وتحويل سفن الإنزال المدني إلى أدوات عسكرية قادرة على تغيير ميزان القوى في أي مواجهة محتملة. خمسة سفن إنزال صينية، مجهزة بكامل قدراتها، تعكس جدية الصين في حماية مصالحها في المنطقة، وهي رسالة واضحة لكل الأطراف، السيطرة على المنطقة ليست خياراً إفتراضياً، بل إستعداد عملي للرد والتدخل إذا إقتضت المصلحة. وفي الوقت نفسه، التحرك الأمريكي والإسرائيلي يعكس إستراتيجيات مركبة: ضربات دقيقة لإيران، إستهداف مواقع نووية ومرافق عسكرية، وخلق حالة من التفوق العسكري في غزة ولبنان وسورية. التوازن في المنطقة يتطلب تحركاً إستباقياً، مع الحفاظ على خطوط الإتصال مع القوى الكبرى، وضمان أن أي مواجهة مستقبلية تكون محسوبة بعناية، وتستند إلى توافر الدعم المالي والعسكري اللازم. والحل الأمثل يكمن في تسوية الملفات الإقليمية وتعزيز التعاون بين اللاعبين الأساسيين: قفل الجبهات، معالجة التهديدات المشتركة، تنسيق التحركات العسكرية والإقتصادية، وضمان أن الأمن القومي للدول العربية لا يتعرض للتهديد. أما المشهد الأكبر، فهو يتطلب إستعداداً كاملاً للتعامل مع القوى العالمية الكبرى، سواء كانت أمريكا، إسرائيل، أو الصين، مع إدراك أن أي خطوة متسرعة قد تؤدي إلى إنفجار المنطقة برمتها. بإختصار، التحليل السياسي والإستراتيجي هنا ليس مجرد قراءة نظرية، بل هو خارطة طريق لمواجهة تهديدات حقيقية، وضبط توازن القوى في منطقة بالغة الحساسية، تجمع بين صراعات محلية وإقليمية وعالمية. الإستراتيجية الناجحة هي من يسبق خصومه، ويعمل على الأرض بواقعية، ويمتلك القدرة على تحويل أوراق القوة، سواء العسكرية أو السياسية، إلى أدوات ملموسة تحمي الأمن القومي وتحافظ على المصالح الحيوية للدول العربية الكبرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى