
غرينلاند الجزيرة الأكبر في العالم لم تكن يوماً مجرد رقعة جغرافية شاسعة تغطيها الثلوج والجليد، بل هي محور تاريخي وسياسي تمتد جذوره عبر قرون من الإستكشافات والغزوات والمحاولات الخارجية للسيطرة عليها. رغم أنها تتمتع بالحكم الذاتي تحت سيادة مملكة الدنمارك، فإن الأحداث الأخيرة دفعتها إلى المشهد بسبب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعاد فتح النقاش حول “إقتناء” هذه الجزيرة الضخمة، دوافعه حول غرينلاند تتركز على ثلاثة محاور رئيسية: أولها الأهمية العسكرية الإستراتيجية للجزيرة، حيث تضم قاعدة ثول الجوية والتي تُمكن الولايات المتحدة الأمريكية من مراقبة أي صواريخ محتملة قادمة من روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية، وكذلك من إطلاق صواريخ وسفن بسهولة نحو آسيا وأوروبا. ثانياً الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها غرينلاند، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة المستخدمة في الإلكترونيات والمركبات الكهربائية والأسلحة الحديثة، إلى جانب النفط والغاز واليورانيوم. وثالثاً الأهمية الجيوسياسية الناشئة مع الإنحباس الحراري، إذ يذوب الجليد بسرعة ما يفتح ممرات مائية جديدة في القطب الشمالي، ويعطي الدول الكبرى فرصة لتعزيز وجودها هناك قبل منافسيها، خصوصاً روسيا والصين. هذه المحاولات الأمريكية ليست جديدة فقد حاولت واشنطن شراء الجزيرة من الدنمارك في العام 1946 مقابل 100 مليون دولار خلال إدارة الرئيس هاري ترومان، إلا أن العرض قوبل بالرفض. ولم يكن الرئيس ترامب أول من يفكر في ضم أراضٍ إستراتيجياً فهناك سجل طويل من محاولات الإستحواذ الأمريكي على أراضٍ خارجية، بدءاً من شراء ألاسكا من روسيا في العام 1867 مقابل 7.2 مليون دولار، وفلوريدا من إسبانيا، وجزر فيرجن من الدنمارك، وصولاً إلى الفلبين بعد الحرب الإسبانية الأمريكية. وغرينلاند، التي تعني “الأرض الخضراء” على الرغم من سيادة الجليد عليها ليست مجرد قطعة جغرافية شاسعة، فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، وتبعد عن كندا 16 كيلومتراً فقط لكنها الأقل كثافة سكانية، إذ يعيش نحو 56 ألف نسمة فقط على أقل من 16% من مساحة الجزيرة. ومعظم سكانها من أصول الإنويت مع أقل من عُشر سكان دنماركيين، ويتحدثون الدنماركية والغرينلاندية، ويعانون من مشاكل إجتماعية مثل إدمان الكحول نتيجة طول الشتاء القاسي. الجزيرة مغطاة بالجليد بنسبة تزيد على 80% وسمكه يتراوح بين 1.6 إلى أكثر من ثلاثة كيلومترات، وقد تصل درجات الحرارة فيها إلى 47 درجة تحت الصفر. وتاريخياً، عرفتها البشرية عبر موجات هجرة الإنويت منذ العام 2500 قبل الميلاد تقريباً، ثم إستقر النرويجي إريك الأحمر في أواخر القرن العاشر، ليؤسس مستوطنات دافئة نسبياً، ووصلت المسيحية عن طريق إريك ليف إريكسون في القرن الحادي عشر. في القرن الرابع عشر والخامس عشر تراجعت المستوطنات النورسية، وربما بفعل المناخ القاسي قبل أن يبدأ الإستعمار الحديث في العام 1721 على يد الدنماركيين. وشهدت الجزيرة بعد ذلك تحولاً إستراتيجياً نحو الحكم الذاتي بدءاً من العام 1979 مع إستفتاء شعبها في 2008 لصالح مزيد من التحكم في مواردها ولغتها. لكن الأحداث المعاصرة وطمع الرئيس ترامب في السيطرة على العالم دفعتها مجدداً إلى الواجهة، تصريحاته المتكررة حول الحاجة إلى غرينلاند للأمن القومي الأمريكي، وربطها بتحركات الصين وروسيا في مياهها، أثارت حفيظة الدنمارك وغرينلاند وأوروبا. فرئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن، شددت على أنه ليس للولايات المتحدة الأمريكية أي حق في ضم أي من المناطق الثلاث في المملكة الدنماركية، فيما أكد رئيس وزراء غرينلاند ينس نيلسن أن إحتلال غرينلاند في ليلة واحدة مستحيل وأن مستقبل الجزيرة يحدده شعبها عبر القنوات الصحيحة وبما يتوافق مع القانون الدولي. فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا أكدوا أيضاً دعم سيادة غرينلاند ورفض أي تدخل خارجي. غرينلاند نفسها إنتفضت بوجه الرئيس ترامب ولم تتردد في التعبير عن رغبة شعبها في تقرير مصيره مطالبة بإستفتاء شعبي يحدد ما إذا كانت الجزيرة ستسعى للإستقلال الكامل عن الدنمارك أم ستبقى تحت مظلة السيادة الدنماركية مع الحكم الذاتي الحالي. وقال رئيس حكومتها بصراحة إنه حان الوقت لكي تتخذ البلاد الخطوة القادمة، ومثل الدول الأخرى في العالم يجب إزالة أغلال الإستعمار والمضي قدماً فالجزيرة ليست للبيع ولن تكون أبداً. هذه الجزيرة ليست مجرد هدف إستراتيجي لأمريكا، بل هي لوحة غنية بالمفارقات التاريخية والجغرافية: النهار الدائم خلال الصيف والليل القطبي الطويل في الشتاء، غياب الطرق البرية وإعتماد النقل الجوي والبحري، النشاط الإقتصادي المعتمد على صيد الأسماك، والمحاولات المستمرة للسيطرة على مواردها الطبيعية التي تجذب إهتمام الشركات العالمية. كل هذه العوامل تجعل من غرينلاند نقطة محورية في لعبة النفوذ الدولي، حيث تتقاطع مصالح القوى العظمى مع إرادة شعب يسعى لتقرير مصيره، وسط ذوبان الجليد الذي يفتح آفاقاً جديدة للصراع التجاري والسياسي في القطب الشمالي.
إذن هدف الرئيس ترامب التالي هو غرينلاند، فالتدخل العسكري الأخير الذي إنتهى بإعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته من العاصمة كاراكاس والغارات الجوية على مواقع عسكرية هناك والتحكم بالدولة ونفطها يؤكد أن تهديدات واشنطن بضم غرينلاند ليست مجرد كلام، فما جرى في فنزويلا يوضح همجية واشنطن بفرض أجندتها الإقليمية، لكن تجاهل هذه التهديدات نفسها التي يطلقها الرئيس ترامب سيكون خطأً إستراتيجياً خطيراً وهذا ما يجب أن تعرفه أوروبا وتتعامل معه بجدية كاملة، لاسيما وفي أواخر العام الماضي 2025 صنّفت المخابرات الدنماركية الولايات المتحدة الأمريكية بأنها خطرٌ على أمنها القومي!




