
أحتاج للتذكير بضرورة الإنصات إلى صوت العقلاء في بلدنا، لدينا أزمة يتوافق على وجودها الجميع، أزمة التعامل مع ملف حزب جبهة العمل الإسلامي، النقاشات التي تدور في الغرف المغلقة وفي الفضاء العام، غاب عنها، أو تغيّب، الطرف المعني، أقصد الحزب، السيناريوهات (الإشاعات ربما) المطروحة تصب في إتجاه واحد، وهو الإحتكام إلى القانون، وربما الذهاب إلى تعديلات دستورية، التفاصيل في هذا الإطار أصبحت معروفة، سواء فيما يتعلق بمصير الحكومة أو مجلس النواب، لا تعليق لدي على هذا المسار، أتركه لفقهاء القانون، لكن لدي سؤال: لماذا لا نفكر بالتوافق على وصفة سياسية للتعامل مع هذه الأزمة؟
لكي نفهم أكثر، ثمة تطورات جرت على ملف الحزب بعد حظر جماعة الاخوان، أهمها قرار ترامب بتصنيف بعض فروع الجماعة “كيانات إرهابية”، الأردن طرف في هذه القضية، ما يعني أن هذا الملف لم يعد محلياً فقط، ولا تستطيع الدولة أن تتعامل معه بمعزل عن تداعياته وإستحقاقاته المتوقعة، كما لا تستطيع أن تتحمل كلفته السياسية وسط حالة من التوافق الدولي والإقليمي عليه، كان يمكن للعقلاء في الحزب أن يفهموا الرسالة ويتعاملوا معها بمنطق وطني، لكن ما حصل، حتى الآن عكس ذلك تماماً، إعتبروا الأزمة مشكلة دولة (تصور!) وليس مشكلة حزب خرج من رحم جماعة محظورة. هنا يخطئ الحزب، ومن يقف وراءه، إذا إعتقدوا أن الدولة غير قادرة على حسم هذا الملف، يخطئون، أيضاً إذا حاولوا إختبار صبر الدولة والإستقواء عليها تحت لافتة الإستثمار بالمظلومية، أو تعليق أي إجراء متوقع بحقهم على شماعة “ضغوطات خارجية”، هذه الأخطاء ليست إفتراضية، ما زال الحزب يسير في هذا الإتجاه، لم يخرج من عباءة الجماعة المحظورة، لم يأخذ أي خطوة إيجابية باتجاه الخروج من الأزمة التي وضع نفسه، أو تورط فيها، كان لديه أكثر من مخرج وخيار لتقديم أوراقه اعتماده من جديد، لكنه ما زال في دائرة الإنكار، رفض الإستماع إلى أصوات الشباب داخله وأقصاهم، وأخشى أن أقول: إنه اختار “الانتحار”، لأن إصراره على الوضع القائم سيدفع الدولة إلى حسم ملفه وفق الأطر القانونية.
من وجهة نظري، لا مصلحة للدولة ولا للحزب في خيار “الحل القسري” بالقانون، إلا إذا كان مساراً إضطرارياً وأخيراً، يمكن بالطبع إستباقه بحلول توافقية، أقصد سياسية، بموجبها يتقدم الحزب بصورة طوعية إلى تغيير هويته بشكل جذري، وإعادة هيكلته وقطع كل الخطوط التي كانت تربطه بالجماعة المحظورة، هذه الترتيبات لا يمكن أن تتم إلا في سياق إستجابة الحزب بشكل جدّي وكامل لتصورات الدولة، إستدعاء التوافقات العقلانيه هنا تصب في المصلحة العامة، الجميع رابح، بدل أن تتوزع الخسارات على الجميع. في وقت ما من تاريخنا، كان هنالك “عقلاء” يرون الأردن أكبر من أي حزب أو تنظيم، ويرون مصالح الدولة العليا أهم من مقاعد في البرلمان، أو مواقع في السلطة، أمام الحزب الآن فرصة (ربما تكون الأخيرة) لإستدعاء هؤلاء العقلاء، إن كانوا ما زالوا موجودين، لتذكيرهم بتاريخهم البعيد، خذ مثلاً الواقعة التي سجلها الرئيس بدران في مذكراته مطلع التسعينيات حول حل البرلمان، أو خذ أيضاً ما قاله أحد رموزهم للحسين رحمه الله حين تصاعدت بعض الأصوات للدعوة إلى مقاطعة الانتخابات النيابية. آنذاك كان لدينا رجالات دولة يخافون على البلد ويؤثرونه على تنظيماتهم وأحزابهم، ما أحوجنا إلى أمثالهم في هذا التوقيت الذي يزدحم بضجيج المزاودين وهتافاتهم، ومحاولات الإستقواء على الدولة التي إحتضنتهم ودافعت عنهم، هل أقول: حان وقت رد التحية بمثلها أو بأحسن منها؟ دعونا نأمل وننتظر.




