
كسر الطوق.. التحالف الرباعي في مواجهة مشروع التفكيك الصهيوني للمنطقة
ماتريوشكا نيوز
تشهد المنطقة اليوم تطوراً بالغ الخطورة، مع بروز تحالف إقليمي جديد يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، يهدف إلى كسر المخطط الصهيوني الرامي إلى تطويق الإقليم من الشمال عبر سورية والعراق وإيران، ومن الجنوب عبر اليمن والقرن الإفريقي والسودان، مستخدماً شبكة من الوكلاء والميليشيات والأذرع غير المباشرة. هذا التحالف لا يكتفي بالمناورات السياسية، بل يعتمد على تحركات عملية مباشرة لتفكيك شبكة التطويق الإستراتيجي بالكامل. وتعكس التحركات الأخيرة على الأرض هذا التوجه بشكل واضح، حيث أبرمت المملكة العربية السعودية صفقة أسلحة ضخمة مع باكستان لدعم الجيش السوداني في مواجهة ميليشيات قوات الدعم السريع، بقيمة تصل إلى مليار ونصف دولار. تشمل الصفقة طائرات تدريب، وطائرات مقاتلة من طراز جي إف-17، إضافة إلى نحو مئتي طائرة مسيّرة ومنظومات متكاملة للطائرات دون طيار، بينها طائرات بعيدة المدى من طراز شهباز بلوك 3 قادرة على تنفيذ مهام إستطلاع وضرب لمسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات، فضلاً عن طائرات إنتحارية ومنظومات دفاعية متطورة. وتأتي هذه الخطوة في إطار إستراتيجية أوسع، تهدف إلى تحييد الأذرع الإسرائيلية في المنطقة بعد نجاح التحالف في اليمن، والتوجه نحو المرحلة التالية في القرن الإفريقي، بما يشمل فرض حظر جوي وبحري على ميناء ومطار بربرة، وكذلك ميناء ومطار بوصاصو في أرض الصومال وبونتلاند، لمنع شحنات السلاح التي تدعم الميليشيات الإنفصالية المرتبطة بوكلاء إسرائيل. هذا الحظر يتم تحت مظلة التحالف الرباعي، وبدعم من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بحيث يُمنع أي سلاح من الدخول إلى بربرة أو الخروج منها، مع السماح بمرور الإمدادات الإنسانية من غذاء ودواء، بينما تُصادر أي شحنة سلاح وتُمنع الطائرات المحملة بها من الهبوط، وتوجّه إلى مطار بديل تابع للدول المشاركة، حيث تتم مصادرة الحمولة بالكامل. يشمل هذا التحالف أيضاً إنضمام تركيا إلى إتفاقية دفاع مشترك مع السعودية وباكستان على غرار المادة الخامسة في حلف الناتو، بحيث يُعتبر أي إعتداء على أحد أطراف التحالف إعتداءاً على الجميع، مما يعزز التوازن الردعي الإقليمي. وسيستند التحالف إلى تمويل سعودي، ومظلة نووية وباليستية باكستانية، ودعم صناعات عسكرية متطورة في مجال الطائرات المسيّرة، مع تغطية بحرية تركية، إلى جانب القوة البحرية والبرية المصرية، ليصبح رباعياً قادراً على فرض توازن قوة حقيقي في المنطقة، مع مظلة صينية مباشرة أو غير مباشرة، نظراً لدور باكستان كمنفذ للتكنولوجيا والسلاح الصيني. وبعد اليمن، يأتي الدور على السودان، حيث يدعم التحالف الجيش السوداني بمنظومات تسليح قادرة على قطع خطوط الإمداد عن قوات الدعم السريع، بما في ذلك إستهداف مطارات حيوية مثل مطار الكفرة بإستخدام طائرات بعيدة المدى محملة بصواريخ، لمنع وصول أي دعم جوي أو لوجستي للميليشيات. ورغم تقدم الجيش السوداني الميداني لا سيما في كردفان، يبقى قطع الإمداد العامل الحاسم. وبالمثل، يمثل قطع الإمداد في أرض الصومال خطوة مركزية في كسر الطوق الإستراتيجي، مع أهمية غلق مسارات الطيران والموانئ أمام شبكات عصابات مسلحة تعمل كوسطاء لنقل السلاح، مثل الشركة المشبوهة والتي مقرها في قرغيزستان، والتي كانت تستخدم مسارات مدنية لنقل الأسلحة إلى السودان وسورية ومناطق أخرى. تركيا بدورها تواجه تحدياً كبيراً في الشمال السوري، حيث تُستخدم قوات سورية الديمقراطية (قسد) والأذرع الكردية المدعومة إسرائيلياً لتفتيت الدولة السورية، معارك عنيفة دارت في حلب ومحيطها في الأشرفية والشيخ مقصود وغيرها. التدخل التركي يصبح ضرورة لمنع المخطط الإسرائيلي الرامي إلى تقسيم سورية، لأن تقسيمها يعني السيطرة لاحقاً على العراق ثم ضرب إيران. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهي تواجه خطورة بالغة أيضاً، مع إحتجاجات واسعة، ومظاهر تسليح وحرق مقرات، في بلد متعدد الأعراق يضم أكراداً وأذريين وعرب الأحواز ولور وبلوش. تفكيك إيران أو تغيير نظامها بالقوة يؤدي إلى سيناريو كارثي، حيث قد تُنشأ جيوش داخلية مسلحة (جيش كردي، جيش أحوازي، جيش أذري)، تُستخدم لتفكيك الدولة من الداخل، ما يعني فوضى شاملة، إضافة إلى ترك الحرس الثوري والجيش النظامي مع صواريخ باليستية وبنية نووية، وهو ما يوازي فوضى نووية حقيقية. إيران تمتلك نحو ثلاثة آلاف صاروخ باليستي، وأي إنهيار فيها أو وقوعها تحت سيطرة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية معاً سيشكّل تهديداً أمنياً وإقتصادياً جسيماً للمنطقة، ولتركيا وللعالم أجمع، بما في ذلك الصين. من هنا، يصبح التحالف المصري-السعودي-التركي-الباكستاني ضرورة إستراتيجية لإحتواء الفوضى المحتملة ومنع تقسيم ما تبقى من دول المنطقة. المخطط واضح: تقسيم سورية، ثم العراق، ثم إيران، وتحويل المناطق المفككة إلى قواعد عسكرية إسرائيلية بأيدٍ غير إسرائيلية، بدعم إستخباراتي وجوي أمريكي-إسرائيلي. وهذا التطويق الإستراتيجي يهدد تركيا ومصر والسعودية مباشرة، عبر هجمات بالطائرات المسيّرة والميليشيات، وقد نجحت السعودية بالفعل في كسر الحلقة الجنوبية بقطع النفوذ الإسرائيلي في اليمن، وحان الوقت لإستكمال ذلك في السودان والقرن الإفريقي، وضبط الجبهة الشمالية في سورية.
لم يعد يكفي اليوم خنق دولة عبر المضائق والممرات والإقتصاد حتى تنهكها، بل يمكن توجيه الضربة القاضية بكل سهولة لاحقاً. قد يظن البعض أن تركيا بحكم عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها مع الغرب محصنة، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً: تركيا تُعدّ دولة وظيفية لأنها لطالما لعبت دور الجسر بين القوى الكبرى، بين آسيا وأوروبا، وبين العالم الإسلامي والغربي، وبين البحر الأسود والبحر المتوسط. هذا الدور جعلها محمية طالما أدت وظيفتها الإستراتيجية، لكن عندما يبدأ الغرب أو الأطراف الكبرى في إعادة ترتيب مصالحهم الإقليمية، تصبح تركيا عُرضة للتغييرات أو الضغط، تماماً كما حدث مع دول وظيفية سابقة في المنطقة. إيران كانت “العدو المفيد” الذي يُبتز به الخليج والشرق الأوسط، وتركيا كانت الجسر الحيوي الذي يربط بين قوى مختلفة. لكن حين تُستغنى السيطرة عن المضائق الإستراتيجية، مثل هرمز والبوسفور، عبر ما يُعرف بالطرق البرّبحرية، تنهار وظيفة تركيا كجسر إستراتيجي، وتبدأ مشاريع بديلة تهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة. الجسور حين تُهمَل لا تُصان، ومع الوقت تنهار، وهنا تظهر الحاجة الملحة للتحالف الإقليمي لمواجهة أي تهديد مباشر لأمن تركيا ومصر، وضمان حماية الإستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي على إنه تحالفات صلبة ومُعلنة فقط، بل هو شبكة معقدة من التقاطعات في المصالح والإتجاهات. فإيران وحزب الله، رغم عدم ظهورهما ضمن أي تحالف رسمي، يقفان موضوعياً في مسار يتقاطع مع أهداف التحالف الرباعي في منع التفكيك الشامل للمنطقة وكسر مشروع التطويق الإسرائيلي–الأمريكي. هذا التقاطع لا يعني تنسيقاً مباشراً أو إندماجاً تنظيمياً، بل يعكس إدراكاً مشتركاً لطبيعة التهديد الوجودي الذي يستهدف الدول المركزية في الإقليم، من سورية إلى لبنان، ومن العراق إلى إيران، وما يترتب عليه من إنعكاسات مباشرة على تركيا ومصر. وجود هذه القوى في المشهد، ولو خارج الأطر الرسمية، يفرض نفسه كعامل توازن واقعي لا يمكن تجاوزه في الحسابات الإستراتيجية، ويجعل أي قراءة للتحالفات الإقليمية قراءة ناقصة إذا اقتصرت على البعد الظاهر فقط. هذا يعني إن أي تحركات إسرائيلية-أمريكية عبر الحلف الثلاثي (إسرائيل–قبرص–اليونان) لا تهدد المصالح المباشرة فقط، بل ستستهدف قلب وظيفة تركيا الإستراتيجية، وهو ما يجعلها عرضة لضغوط متعددة، عسكرية وسياسية وإقتصادية، تمس أمنها القومي. بالنسبة لمصر، فإن السيطرة على الممرات البحرية، مثل باب المندب وقناة السويس، تجعلها أيضاً عرضة لنفس السيناريوهات، حيث يمكن أن يُضغط عليها بالحصار الإقتصادي والتهديد المباشر بالعمليات البحرية أو الجوية، ما يجعل الحلف الرباعي ضرورة لا غنى عنه للحفاظ على التوازن الإقليمي.على المستوى التنفيذي، شهدت الساحة الإقليمية تطوراً بالغ الدلالة مع إنعقاد إجتماع وزراء منظمة التعاون الإسلامي في السعودية، حيث كان ملف الصومال حاضراً بقوة. جرى إتخاذ إجراءات عملية على رأسها إغلاق المجالين الجويين المصري والسعودي أمام مسارات شحن السلاح المستخدمة لإمداد ميليشيات قوات الدعم السريع في السودان، وهو إنتقال من مستوى التنظير إلى التنفيذ الفعلي. أمام هذا الإغلاق، لم يعد أمام شبكات النقل سوى مسار بديل عبر القرن الإفريقي، عبر مطاري وموانئ بربرة وبوصاصو، ثم جنوب إثيوبيا، جنوب السودان، إفريقيا الوسطى، تشاد، أو قاعدة الكفرة في ليبيا، وهو مسار طويل ومعقد لوجستياً. تأتي أهمية الخطوة التي تُناقش اليوم في السعودية، بمشاركة دول منظمة التعاون الإسلامي، بهدف إغلاق هذه النافذة الأخيرة، مع مراعاة وحدة الأراضي الصومالية وسلامتها ومنع إستخدامها كقواعد دعم عسكري. أما الجبهة الشمالية، فهي الأخطر، حيث إسرائيل تلوّح بالعودة إلى حرب شاملة في غزة، وتصعيد في لبنان وتوسيع المواجهة نحو إيران. سقوط الدولة السورية سابقاً فتح فراغاً جغرافياً يسمح بمرور الطائرات عبر العراق وسورية وصولاً إلى البحر المتوسط تحت مظلة أمريكية–إسرائيلية، مع إنتشار القواعد الأمريكية والبريطانية والأسطول الأمريكي السادس. وفي مشهد دبلوماسي متوتر، أكدت مصر رفضها القاطع وإدانتها الكاملة لأي إعتراف أحادي الجانب وغير قانوني بإقليم “أرض الصومال”، معتبرة إن هذا الإجراء الإسرائيلي يشكل إنتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ويهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، محذرة من تداعياته على وحدة الصومال وإستقراره وعلى النظام الدولي القائم على إحترام الحدود. وفي ذات السياق، أطلقت مصر والأردن تحذيراً شديد اللهجة تجاه الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، مؤكّدين على إن السلام العادل يستند إلى حل الدولتين، ومشدّدين على الإلتزام بإتفاق وقف إطلاق النار في غزة وتقديم المساعدات الإنسانية، مع دعم تشكيل لجنة فلسطينية لإدارة القطاع، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية. كما جرى التشديد على أهمية إحترام سيادة لبنان وسورية، ودعم الحوار اليمني الداخلي لتحقيق الإستقرار، في وقت أكد فيه الوزيران عمق العلاقات الأخوية بين القاهرة وعمان، وحرصهما على تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يعكس إلتزامهما المشترك بحماية السيادة والإستقرار الإقليمي. في النهاية، نحن أمام حلقة جهنمية مترابطة: الصومال يقود إلى إثيوبيا ثم إلى السودان ثم إلى العمق الإستراتيجي المصري واليمن يقود إلى باب المندب والملف الكردي يقود إلى تركيا والملف البلوشي يضغط على باكستان وإيران في القلب من كل ذلك. إنها شبكة واحدة، ومخطط واحد، يستهدف تطويق الدول المركزية في المنطقة. مواجهة هذا المخطط تتطلب جهداً عالي المستوى وتعاوناً إستثنائياً بين الدول المعنية، لضمان أن تؤدي الخطوات المتخذة إلى نتائج حقيقية، تُفضي إلى تحييد المخطط وحماية أمنها وإستقرارها.




