صحافة وآراء

لقاء عراقجي – الشيباني.. نموذج عن براغماتية الجولاني السياسية

يوسف الصايغ

أن يقف وزير خارجية سلطة الجولاني مصافحا ندّه الإيراني عباس عراقجي خطوة كان يعتبر البعض أن مجرد التفكير بها يشكل نوعاً من الجنون، لكن من يدرك فن البراغماتية السياسية، يجد أن ما قام به الشيباني مجرد خطوة طبيعية في سياق العمل على تثبيت نظام حكم أبو محمد الجولاني، الباحث عن حبال نجاة لنظامه الذي بات مثقلاً بقائمة طويلة من المطالب، التي يجب تنفيذها مقابل الإبقاء على سلطته الغارقة داخليا في مسلسل من العنف المتواصل بحق الأقليات، وآخر فصوله ما تشهده حمص من حملة قتل ممنهج بعد المجازر التي ارتكبت بحق لدروز في السويداء في تموز الفائت وبحق العلويين في الساحل السوري في آذار الفائت.

ولا يمكن النظر الى لقاء الشيباني وعراقجي في العاصمة العُمانية مسقط، وفق ما كشفت وكالة “ماتريوشكا نيوز” الإخبارية، إلا في سياق البراغماتية السياسية التي تتوخاها دمشق، حيث بات الجولاني يستشعر تراجع الدعم السعودي له ما دفع به للقيام بهذه الخطوة تجاه إيران وهي رسالة تستهدف السعودية من جهة وواشنطن من جهة ثانية، خصوصا اذا ما أضفنا اليها زيارة الجولاني الى موسكو، فهل أراد الجولاني القول بأنه حاضر للإنفتاح على روسيا وإيران كبديل عن تراجع واشنطن والرياض عن دعمه؟

لا شك ان زيارة الجولاني الى البيت الأبيض والتي خرج منها تفوح منه رائحة العطر الأميركي الذي قام ترامب شخصيا برشه على عنقه وعنق وزير خارجيته، اعتبرها البعض محاولة من ترامب لتخليص الجولاني من رائحة الإرهاب واستبدالها بعطر السياسة الليبرالية الأميركية، ولكنها تحتم على الجولاني القيام بسلسلة من الخطوات من أجل ضمان الحفاظ على رائحة العطر الأميركي حتى لا يفقد كرسي الحكم في الشام، وأولى المهام الأميركية المطلوبة من “حاكم الشام” التخلص من رفاق الأمس من قادة التنظيمات المتطرفة والتي بدأ تنفيذها من قبل قوات “التحالف الدولي” إلى جانب تنفيذ خطوات في الجنوب السوري تحفظ أمن واستقرار الكيان الإسرائيلي، الذي يقوم بتنفيذ ما يريد بالقوة دون أي اعتبار لوجود سلطة الجولاني، التي باتت في موقع إحراج كبير بظل التوغلات الاسرائيلية اليومية في الجنوب والتي لا تقابلها سلطة دمشق الا بمواقف التنديد والاستنكار.

ودفعت التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري بأبي محمد الجولاني للإستنجاد بروسيا من خلال الزيارة التي قام بها الى موسكو ولقائه الرئيس بوتين، وبدا واضحا ان الجولاني وفي إطار السعي الى حفظ ماء وجهه طالب بعودة التواجد العسكري الروسي في سوريا عبر إعادة تسيير دوريات الشرطة الفيدرالية في مناطق الساحل وفي الجنوب السوري حيث زار وفد روسي قبل أيام محافظة القنيطرة.

في المحصلة يبدو أن ما يقوم به الجولاني من خطوات سياسية باتجاه “أعداء الأمس” تأتي بمثابة إشارة الى التحولات السياسية التي قد تشهدها سوريا بقيادة الجولاني، ما يطرح السؤال عن قدرة “المجاهد” أبو محمد على القيام بهذه الإنعطافة السياسية نحو موسكو وطهران رغم ان خطابه السياسي قبيل تسلم زمام السلطة، كان مبنيا على فكرة العداء لروسيا وايران وباقي دول المحور، فهل سينجح الجولاني في ترويض أركان هيئة تحرير الشام، أم سيواجه نقمة داخل “الجسم الجهادي – الشرعي نتيجة البراغماتية السياسية التي يعتمدها لإنقاذ حكمه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى