دولي

محطات استخبارية تتحرك بصمت

خبير استخباري متخصص بالساحة الايرانية

في ظل تحركات دبلوماسية إقليمية مكثفة، تبرز مؤشرات على وجود نشاط غير مسبوق لمحطات أمنية وغرف عمليات استخبارية في مناطق جغرافية حساسة قرب الحدود الإيرانية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات واسعة النطاق ضد النظام الإيراني.

الفكرة ليست خيالاً بحتاً، فهي مدعومة بتعزيزات لوجستية، أظهره تعيين دبلوماسيين ذوي خلفيات استخباراتية في دول ومناطق تشترك مع ايران بجبرية جغرافية، المحتمل ان لهؤلاء الموظفين الجدد علاقة مباشرة بالملف الإيراني والتنسيق على مستوى مرموق حوله، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ما يشير إلى تحول محتمل للتأثير الاستراتيجي في تنفيذ مخطط تم الاعداد له بعناية لإسقاط النظام.

من منظور استخباراتي عملي، يمكن تفعيل دور المحطات الأمنية بشكل أكبر بحيث تؤدي ثلاث وظائف رئيسية متداخلة:

أولاً، مركز لتجميع المعلومات وتحليلها بشكل فوري، والبناء عليها، عبر جمع إشارات وبيانات حساسة يتم دراستها وفرزها، واتخاذ قرارات استخبارية وسياسية حولها، وتكون أهمها من المصادر البشرية والجوية والاستطلاع حول تحركات القيادة الإيرانية والدفاعات العسكرية، وبناء تقدير موقف وتنبيه سياسي وأمني عاجل.

ثانياً، غرفة تنسيق لوجستي واستخباري تضمن تبادل معلومات بين أجهزة خارجية مع محلية وضمان عملية تشبيك استخباري غير مسبوق.

ثالثاً، غطاء دبلوماسي يمكّن من إخفاء تحركات أو تسهيلات لوجستية تحت ستار مهمة رسمية، خاصة مع وجود دبلوماسيين أو موظفين رسميين ذوي خبرات أمنية في بعثات إقليمية، مما يعزز من قدرة هذه المحطات على تحويل المعلومات وتسيلها عبر قرارات، والتواصل مع مصادر ونخب ايرانية مهمة تم تجنيدها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع موجات تنقلات ومسارات لوجستية نشطة حول إيران بطرق ووسائل عديدة لامجال لذكرها هنا.

رابعاً، خصوم النظام الإيراني في الداخل، انهم مستمرون بالعمل لكن بوتيرة اقل وتخفي اكبر، وفي مقدمتهم مجاهدي خلق، الذين يحظون بدعم الـ “CIA” والمخابرات الغربية الأخرى والخليجية، وهؤلاء متجذرون في الداخل وأصحاب خبرة بالنظام، كما أن الاغتيالات التي تمّت اليوم الأول لقادة الخط الاول من النظام في حرب ال 12 يوم تمت بمساعدة وتدبير وتنسيق مع مجاهدي خلق. ومن خصومهم أيضاً البلوش والأكراد وشريحة من الأحوازيين، ومن العلمانيين وأنصار نظام الشاه، وأيضاً من الفرس الشيعة المتدينين الإصلاحيين.

الخصوم في الداخل أخطر تهديد استخباري ضد النظام وكدرس مُستفاد، حرب الـ 12 يوم، إن منظومة الأمن والمكافحة في الاطلاعات وكذلك في فيلق القدس كانت ضعيفة ومخترقة وأثبتت فشلها.

ثمة احتمال جوهري يستحق التأمل: ليس فقط أن تُستخدم هذه المحطات لتنسيق ضربة عسكرية أو عمليات اغتيال، بل أيضاً أن تكون جزءاً من مخطط نوعي وغير مسبوق يهدف إلى إضعاف النظام أو التأثير  به عبر آليات غير عسكرية بالمعنى التقليدي، في هذا السيناريو تعمل المحطات على تهيئة أرضية سياسية واجتماعية واستخبارية -عبر إشاعات منسّقة، حملات معلوماتية، دعم لوجستي لجماعات معارضة داخل المدن، وتوقيت إطلاق شبكات الضغط الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي- بحيث تُحفَّز موجات احتجاجية واسعة النطاق تضعف شرعية القيادة وتخلق ضغطاً داخلياً قد يؤدي إلى تغيّر في موازين السلطة أو إلى تسريع انهيار مركزي بدون تدخل عسكري مباشر، هذه الاستراتيجية إن وُجدت ونُفّذت قد تُستخدم كبديل أقل تكلفة سياسياً أو كخط مكمل لعمل عسكري، لكن نجاحها يعتمد على قدرة المشغّلين والموجهين على إدارة ديناميات الشارع وتفادي انزلاق الفوضى التي قد تخرج عن نطاق السيطرة.

لكن لكل ذلك ثمن ومخاطر استراتيجية كبيرة، من المؤكد تم التداول حولها، خاصة أنّ أي غرفة قيادة تعمل على تمكين تغيير النظام الايراني، قد تحفّز فراغاً سياسياً يصعب التحكم فيه في حال عدم وجود بديل، وربما يؤدي إلى تفتت جغرافي لإيران، وخروج مجموعات مسلحة أو تنظيمات متطرفة عن السيطرة، ومن المؤكد أن كل هذه السيناريوهات تم دراستها والتحوط ازاءها. أما التورط المباشر لدول ثالثة في منصات تشغيلية يعرضها لعواقب دبلوماسية وربما عسكرية إذا انكشفت، وهذا بالتأكيد تم تداوله والوصول الى مقاربات للحد من ذلك، كما أن الاعتماد على روايات إعلامية استخبارية غير موثوقة قد يضع طرفاً في مغامرة تنتهي بنتائج غير متوقعة، وهذا امر غير وارد في مثل هذا النوع من العمليات.

من زاوية الاستخبارات المضادة والتحقق، المتوقع أن يكون هناك مؤشرات عملية تدعو للانتباه دون الدخول في تفاصيل خاصة، نمطية في حركة الدعم اللوجستي عبر نقاط جغرافية محددة داخل العمق الايراني، إضافة إلى اتصالات متكررة ومنظمة بين ممثلين دبلوماسيين ذوي خلفية أمنية وجهات محلية مسلّحة تم إعدادها داخل الجغرافيا الايرانية، الى جانب موجة معلومات منسقة تظهر قبل أو بعد أحداث عسكرية أو استخبارية محددة، يتم تقييمها لاحقاً. تمييز هذه الأنماط يعتمد على مصادر متعددة ومتقاطعة – تقارير مفتوحة، تسريبات موثوقة، ومراقبة تحرّكات دبلوماسية ولوجستية.

النتيجة أن احتمال وجود شبكات أو محطات استخباراتية في الإقليم قادرة على لعب دور مركزي في أي مخطط واسع النطاق ضد النظام الإيراني ليس فرضية مستبعدة أو خيالية، بل هي حقيقةٌ واقعة بدأ تعزيزها بشكل مبتكر، ويدعمه تداخل مصالح إقليمية وغربية وسلوكيات دبلوماسية واستخبارية ملموسة، ما يشير إلى احتمالية وجود مخطط عالي السرية يتم تنفيذه بعناية غير مسبوقة للإطاحة بالنظام الايراني وتسهيل مهمة وصول البديل وللحديث بقية.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى