
من إنهيار الريال إلى إنهيار الإقليم: حرب كبرى تلوح في أفق الشرق الأوسط
نحن مقبلون على حرب إقليمية في الشرق الأوسط، اليوم تواجه إيران تهديدات خطيرة للغاية. أولاً الريال الإيراني أصبح لا يساوي شيئاً تقريباً فلم يعد الحديث عن مليون أو مليون ونصف ريال مقابل الدولار، بل أصبح الريال بلا قيمة فعلية، لا أمام الدولار ولا اليورو، وكأن العملة الإيرانية إنهارت إنهياراً تاماً. وهذا الإنهيار يأتي في ظل تهديدات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يدرس التدخل العسكري في إيران ويصرّح علناً برغبته في ذلك. في المقابل، هناك في داخل دائرته من يرى إن إيران ما زالت تتحدث بلغة دبلوماسية وأنه يمكن فتح قناة تواصل أو تفاوض. لكن التفاوض الذي يفكر فيه الرئيس ترامب يتم في وقت تعاني فيه إيران من مظاهرات داخلية واسعة وهو تفاوض مشروط بتنازلات كبيرة مثل تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60% ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وهي أمور من المستحيل أن توافق عليها إيران. رغم هذه التهديدات يميل الرئيس ترامب إلى خيار “أضرب أولاً ثم أتفاوض”. أي تنفيذ ضربة عسكرية تستهدف منشآت الجيش والأمن الإيراني، والحرس الثوري وقوات الشرطة، وكل حراك حكومي على الأرض في مواجهة المتظاهرين، إضافة إلى ضرب مرافق حكومية ومنشآت طاقة لإحداث فوضى داخلية كبيرة تمكّن المتظاهرين من السيطرة على مؤسسات الدولة. وهناك خيارات أخرى مطروحة، منها تضخيم الحسابات الإلكترونية للمتظاهرين على مواقع التواصل الإجتماعي، وزيادة إنتشارها عبر الخوارزميات، وشن هجمات سيبرانية لإطفاء الكهرباء، وشن حملة شاملة ضد إيران قبل التفاوض، ثم الجلوس بعدها لفرض الشروط: تسليم اليورانيوم، وقف المشروع الباليستي، والخضوع للمطالب الأمريكية والإسرائيلية، أو الإستمرار في الحملة. هذا هو التفكير الذي يدور داخل إدارة الرئيس ترامب حالياً وهو ما يفسر التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بالتوازي مع تحركات إسرائيلية كبيرة حيث فتحت إسرائيل ملاجئ في تل أبيب ويافا، وإستعدت عسكرياً لضربة محتملة على إيران. ومن واشنطن لاحقاً خرج الرئيس ترامب برسالة مشحونة بالنبرة موجّهة مباشرة إلى الإيرانيين. دعاهم فيها إلى مواصلة الإحتجاج مستخدماً لغة أقرب إلى النداء التعبوي منها إلى الخطاب الدبلوماسي. “أيها الوطنيون الإيرانيون، إستمروا في الإحتجاج”، كتب ترامب، قبل أن يضيف: “سيطروا على مؤسساتكم.. إحفظوا أسماء القتلة والمعتدين. سيدفعون ثمناً باهظاً”. ثم جاءت الجملة الأكثر إثارة للجدل، والمفتوحة على كل الإحتمالات “المساعدة قادمة” من دون أن يوضح طبيعتها أو حدودها. ولم يتوقف الرئيس ترامب عند ذلك بل أعلن إلغاء جميع إجتماعاته مع مسؤولين إيرانيين مبرراً قراره بما وصفه بـ”القتل العبثي للمتظاهرين”!، ليترك الساحة السياسية تغلي بالتكهنات. في مقابل هذا وزير الدفاع الإيراني صرّح بأن إيران سترد وهذا ما يثير مخاوف داخل الإدارة الأمريكية من الترسانة الصاروخية الإيرانية ليس فقط بعيدة المدى، بل القصيرة والمتوسطة المدى، القادرة على تغطية جميع الأصول الأمريكية في الخليج. الدخول في حرب مع دولة محاصَرة ويائسة يجعلها دولة شديدة الخطورة وستتحول إلى دولة إنتحارية. وإيران تمتلك صواريخ بعيدة المدى يتراوح مداها بين 2500 و3000 كيلومتر، وإذا كانت قد أنتجت مئات الصواريخ الباليستية بالوقود الصلب، سواء لتعويض ما ضُرب من قبل إسرائيل أو لتعزيز قدراتها فإنها قادرة على ضرب إسرائيل مباشرة، مما يعزز السردية الإيرانية بأن ما يحدث هو هجوم أجنبي، ويدفعها لتوسيع نطاق الحرب. والرد الإيراني لن يقتصر على إسرائيل، بل سيشمل ضرب القواعد الأمريكية في الخليج. لا توجد حالياً حاملة طائرات أمريكية “متمركزة بشكل دائم” في المنطقة لكن الرئيس ترامب قادر على تحريك أصول بحرية وجوية كبيرة. وإذا إستهدفت إيران هذه الأصول وتصاعد الصراع، وأُغلِق مضيق هرمز فإن الحرب ستدخل مرحلة شديدة الخطورة ولن تُحسم بالقوة الجوية فقط. دولة كبيرة بحجم إيران لا يمكن إخضاعها إلا بقوات على الأرض وهو ما يعني دعم حركات إنفصالية، وإنزالات خاصة وعمليات معقدة، ما يجعل السيناريو بالغ الخطورة. وهذا التصعيد سيضر بالإقتصاد العالمي وبالمنطقة بأكملها ويُستخدم كمبرر للولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في مناطق أخرى أبرزها القرن الإفريقي. اليوم أعلنت الصومال قطع خطوط الإمداد الميليشياوية المتجهة إلى السودان مؤكدة سيادتها على أراضيها ومطاراتها وموانئها. وإن هناك تنسيق صومالي–سعودي، وزيارة قريبة للرئيس الصومالي إلى السعودية وسيوقعون إتفاقات دفاع مشترك، وسيصل الأمر إلى تدخل سعودي–تركي–مصري-باكستاني لإجبار وقف الشحنات الإماراتية عبر موانئ مثل بوصاصو، وهو ما سيجرّ الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل. وهناك دعوات عديدة للولايات المتحدة الأمريكية للإعتراف بإستقلال أرض الصومال. فاليوم يوجد مطار بربرة وموانئ إستراتيجية وفي ظل إنشغال العالم بضرب إيران ممكن أن تستغل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الفوضى لفرض أمر واقع عسكري في أرض الصومال، عبر الإعتراف بها أولاً ثم نشر قوات أمريكية وإسرائيلية وقواعد بحرية وجوية، بذريعة إستخدامها في العمليات ضد إيران. وهذا التحرك سيكون كارثياً إستراتيجياً. السباق على الأرض مهم جداً فإذا تحركت مصر والسعودية وتركيا والصين لتفعيل حظر بحري وجوي في القرن الإفريقي، فإنها تفرض أمراً واقعاً يمنع التدخل الأمريكي–الإسرائيلي. أما إذا سبق الأمريكيون والإسرائيليون بالدخول العسكري، فستصبح الأزمة أكثر تعقيداً وقد تتوسع الحرب بشكل خطير، خاصة مع وجود تهديدات من صنعاء. فما نراه الآن هو حرب إقليمية شاملة تلوح في الأفق لا يُعرف متى تنتهي، وإيران ستكون في مركزها. ولا تفصلوا ما يجري على الساحة الإيرانية عن التصعيد الإسرائيلي المتواصل في فلسطين ولبنان. فالحرب التي تتكشف ملامحها ليست مواجهة منفصلة الجبهات بل صراع إقليمي مترابط. فبينما تتعرض إيران لحصار خانق وتهديدات مباشرة بالضربة العسكرية الأمريكية، تعمل إسرائيل على توسيع رقعة المواجهة في غزة ولبنان بما يخدم إستراتيجية استباقية لإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. هذا الترابط بين الجبهات يؤكد أن التصعيد الإسرائيلي في غزة، والتحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، ليسا حدثين منفصلين، بل جزء من مسار واحد يقود المنطقة بأكملها نحو حرب إقليمية شاملة. فإسرائيل تواصل حتى الآن تدمير قطاع غزة متجاوزة جميع الخطوط الحمراء في ظل إستعدادات واضحة لتنفيذ عمليات عسكرية برية جديدة. ويشكّل هذا التصعيد تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري من الجبهة الشرقية. ويتزامن ذلك مع تفاقم الأوضاع على الساحة اللبنانية، إلى جانب تحركات عسكرية من الجنوب عبر الدعم الجوي المرتبط بميليشيات قوات الدعم السريع. وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المتشابك وهذه التحركات المتسارعة، تبرز مؤشرات قوية على أننا مقبلون على حرب شاملة ضد إيران. كل هذه التطورات أظهرت القلق الواضح في موسكو الذي أخذ شكلاً مختلفاً هذه المرة. وزارة الخارجية الروسية وجّهت نداءاً لمواطنيها الموجودين في إيران، داعية إياهم إلى توخي الحذر وسط الإضطرابات المتصاعدة، وأوصت الروس بـ”الإمتناع عن زيارة الأماكن المزدحمة، وعدم إلتقاط الصور وتسجيل مقاطع الفيديو، والإلتزام الصارم بتعليمات أجهزة إنفاذ القانون والخدمات الخاصة الإيرانية”، لكن موسكو لم تكتفِ بالتحذير القنصلي. فرفضت ما وصفته بـ”تهديدات واشنطن بشن ضربات عسكرية جديدة على الأراضي الإيرانية”، مؤكدة إن مثل هذه التهديدات غير مقبولة بتاتاً وأضافت في تحذير مبطن: “على من يخططون لإستغلال الإضطرابات المفتعلة من الخارج كذريعة لتكرار العدوان على إيران، كما حدث في يونيو 2025 أن يدركوا العواقب الوخيمة لمثل هذه الأعمال، ليس فقط على الشرق الأوسط، بل على الأمن الدولي برمته”! وأخطر ما في المشهد المتفجر ليس في الضربة على إيران وإتساع رقعة الإشتباك بل في الفراغات الإستراتيجية التي ستنتج عن هذا الإنفجار إذا تُركت من دون توازن دولي مقابل. ولهذا فإن الدور الآسيوي وليس فقط الغربي سيشكل عاملاً حاسماً في منع إنزلاق المنطقة نحو توازن مختل بالكامل. الصين هنا عنصر محوري، فتفكيك إيران وتسليمها للنفوذ الأمريكي بنفطها وغازها ومقدراتها سيشكل خطراً إستراتيجياً على بكين. كذلك الوجود الأمريكي–الإسرائيلي في القرن الإفريقي يهدد التجارة والمصالح الصينية. لذلك من الضروري أن تتحرك الصين، ولو بحضور بحري داعم، لمنع خلق فراغ إستراتيجي لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا بقيت الصين خارج المشهد، فستكون كارثة إستراتيجية على المنطقة كلها وستزيد الضغوط على مصر وتركيا والسعودية وحتى باكستان. إيران دولة كبيرة ذات شعب وسلاح وتضاريس معقدة وحرب إستنزاف طويلة ضدها ستتحول إلى مستنقع للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وتصب في مصلحة الصين. والمطلوب من الصين ليس الدفاع عن إيران، بل منع إستغلال ما يحدث لفرض وجود أمريكي–إسرائيلي دائم في القرن الإفريقي. وإذا لم يحدث ذلك، فقد نشهد تحولاً إستراتيجياً خطيراً يعيد رسم الشرق الأوسط والمنطقة بما يخدم الأهداف الإسرائيلية التوسعية، في غزة ولبنان وسورية، ويمهّد لسيناريوهات تهجير وضغط إقليمي أوسع. وفي هذا السياق، تبرز التحركات المصرية بوصفها جزءاً من إستعداد أوسع لمرحلة إقليمية مضطربة حيث يصبح البحر لا البر فقط مسرحاً أساسياً للصراع والتوازن، وهو ما يفسّر تسارع خطوات القاهرة لتعزيز قدراتها البحرية في لحظة تراقب فيها إسرائيل بدقة كل تحول في ميزان القوة. فالقاهرة دخلت مرحلة متقدمة من المفاوضات مع إسبانيا لإقتناء فرقاطات حديثة من طراز إف – 110 لتصبح البحرية المصرية اليوم الأكبر عربياً وأفريقياً بأسطول يضم نحو 150 وحدة بحرية متنوعة، تشمل غواصات متطورة، وسفن قتال سطحية، ووحدات إنزال برمائي، إضافة إلى سفن دورية ولوجستية، والمفاوضات الرسمية إنطلقت بالفعل بين ممثلي الجيش المصري وشركة NAVANTIA الإسبانية المتخصصة في بناء السفن الحربية، بهدف إبرام صفقة تتوافق مع الإستراتيجية المصرية طويلة المدى لتطوير قدراتها البحرية. لكن الصفقة لا تتعلق بالشراء فقط بل تتجاوز ذلك إلى شراكة صناعية وتقنية. فالقاهرة تشترط إشراك الصناعات المحلية في المشروع عبر تصنيع جزئي داخل مصر ونقل تقنيات متقدمة إلى أحواض بناء السفن في الإسكندرية، وإلى منظومة التنظيم العربي للصناعات العسكرية وهذا التوجه ينسجم مع سياسة مصر المستمرة منذ سنوات، والهادفة إلى تقليص الإعتماد على الموردين الخارجيين، وبناء قاعدة دفاعية محلية قادرة على الإنتاج والتطوير الذاتي، والفرقاطة إف – 110 أحدث ما تنتجه إسبانيا حالياً، وهي مصممة كمنصة قتال متكاملة، تركز بشكل خاص على الحرب المضادة للغواصات ومواجهة التهديدات الجوية والتعامل مع الأهداف السطحية، وتبني إسبانيا حالياً خمس وحدات من هذا الطراز لصالح بحريتها، ما يجعل أي صفقة مع مصر ذات بعد إستراتيجي وإقتصادي بالغ الأهمية لكلا الطرفين. وكانت القاهرة تقدمت بطلب رسمي لشراء مجموعة فرقاطات من الطراز نفسه خلال العام 2025 ومنذ ذلك الحين تتواصل مناقشات فنية وإستراتيجية دقيقة بين الجانبين. وتل أبيب تقرأ المشهد بعين مختلفة فهي تتابع هذه الصفقة بإهتمام بالغ، معتبرة أنها مؤشر واضح على تنامي القوة البحرية المصرية وما قد يترتب عليه من إنعكاسات مباشرة على ميزان القوى الإقليمي في شرق المتوسط والبحر الأحمر.




