
السيادة تبدأ من السماء ومن لا يملك سماءه لا يملك قراره، فمنذ عقود تحولت السماء العربية إلى ملعب مفتوح أمام الطائرات الحربية الإسرائيلية، التي تعبر الحدود وتقصف وتقتل دون أي رادع، وكأنها في جولة تدريبية لا حربًا حقيقية. لم يعد الأمر مقتصرًا على دول المواجهة مثل فلسطين ولبنان وسوريا، امتدت الغارات لتصل إلى كل مكان من وطننا العربي وايران، وكل ذلك دون أن يُسمع عن رد جوي عربي موحّد أو قدرة دفاعية حقيقية قادرة على إيقاف هذا الاستباحة المهينة. لقد تراجعت السيادة حتى غدت الحدود مجرد خطوط على الخرائط تُنتهكُ متى شاءت إسرائيل دون خوف أو حساب.
هذا الضعف لم يأتْ من فراغ، بل هو نتيجة تفكك القرار العربي وغياب الإرادة السياسية الموحدة، حيث انشغلت كل دولة بصراعاتها الداخلية وتحالفاتها الخارجية وابتعدت عن أولوياتها الاستراتيجية. الاعتماد المفرط على الأنظمة الدفاعية المستوردة من الغرب جعل السماء العربية رهينة لقرارات المورِّدين حيث تُعطَّل فعاليتها متى قررت القوى الكبرى ذلك أو تُقيّد إمكانيات اقتنائها ونقلها، أما مشاريع الدفاع العربي المشترك التي طُرحت منذ عقود فقد بقيت شعارات على ورق، في الوقت الذي استمرت فيه إسرائيل في تطوير سلاحها الجوي حتى صار الأقوى في المنطقة، فيما تحوّلت بعض جيوشنا، بعد استنزافها في نزاعات داخلية، من جيوش ردع إلى أدوات أمن داخلي، مفصولة عن الاستراتيجية الحقيقية للدفاع.
ولا يمكن أن يُغفَل الدور الأميركي المباشر في هذا التوازن الأحادي؛ فالغالبية العظمى من الطائرات المهيمنة في المنطقة هي طائرات مثل F-16 وF-35 ، من إنتاج الولايات المتحدة الأميركية، وقد وصلت إليها بنُسخ متطورة متاحة لإسرائيل بصورة مكثفة، بينما حُرِمت الدول العربية من الحصول على النسخ المتقدمة أو رُكّبَتْ لها قيود تقنِّية وسياسية تحول دون امتلاكها قدرة معادلة، والأمر لا يتوقف عند التسليح فحسب، بل يتعداه إلى آليات الحماية والوجود العسكري الأميركي في قواعد ومُعسكرات عبر المنطقة، ما جعل السؤال يفرض نفسه: لمن تُقدَّم هذه الحماية؟ وأين حماية السيادة العربية عندما تهاجم الحدود؟
المفارقة الصارخة واضحة عندما بدا أن وجود قواعد وعسكريين أميركيين لا يَصْدُر عنه ردّ فعلي يثني العدوان أو يوقفه، ما عزز القناعة لدى شعوب المنطقة بأن الحماية التي تُسوَّق على أنها لحمايتهم ليست موجهة لصون سيادتهم أو لمنع استخدام القوة ضدهم. هذا الانكشاف الاستراتيجي نتج عنه انتهاكات متكررة للسيادة، وانهيار معادلات الردع، وتحول السماء العربية إلى فضاء مستباح للغارات ولعبة عسكرية تُجرى دون ثمن يُذكر.
ومع هذا السواد، تبقى القدرة على قلب المعادلة ممكنة بشرط واحد: إرادة سياسية عربية موحّدة ترى أن أي اعتداء على دولة عربية هو اعتداء على الأمة جمعاء، وأن السيادة لا تُجزَّأ. لا يجوز أن تبقى خياراتنا الدفاعية مجزأة وموقوتة بموافقات الخارج. الحل يبدأ بقرار سياسي جريء لتفعيل آليات دفاع مشترك حقيقي، يتجاوز البيانات والوعود ويصل إلى إجراءات تنفيذية، فيُبنى غطاء جوي عربي متكامِل لشبكة قيادة مشتركة قادرة على اتخاذ قرارات فورية. ثم يأتي الاستثمار المستدام في قدرات دفاعية محلية كمنظومات صواريخ مضادة للطائرات، وأنظمة دفاع إلكتروني، وطائرات لتقليل تبعيتنا التكنولوجية لجهات خارجية قد تضع مصالحها فوق مصالحنا.
ولكي يكون الرد فعلاً رادعاً، يجب أن يتحوّل أي اعتداء إلى تكلفة فورية يدفعها المعتدي؛ لا بد من سياسات ردع متدرجة واضحة تُطبَّق فور حصول أي خرق، مع توحيد موقف دبلوماسي يعزل المعتدي ويكسر منطق الإفلات من العقاب. كما أن التنسيق مع دول تواجه الاحتلال بشكل مباشر أمر استراتيجي لا يمكن تجاوزه، تفعيل قدرات الدفاع المشترك مع دول المواجهة لإسرائيل سيعزز الجماعية ويخلق مزيداً من المرونة في ساحة الرد، ويُسهم في تقاسم المعلومات الاستخباراتية وتقوية جبهات الدفاع في أوقات الأزمات.
اليوم، وبعد القمة العربية-الإسلامية الأخيرة، أعلن المجتمعون اتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتفعيل آليات الدفاع المشترك وقدرات الردع الخليجية، ويجب التأكيد على ضرورة تفعيل القدرات الدفاعية المشتركة أيضاً مع دول المواجهة لإسرائيل. هذا القرار هو خطوة سياسية وإجرائية حاسمة، وإذا رُفِق بالتخطيط الفني والتمويل والالتزام السياسي الحقيقي، فسيكون بداية فصل جديد في تاريخنا الدفاعي. نأمل أن تترجم هذه القرارات إلى إجراءات ملموسة: شبكات رادار مشتركة، قواعد بيانات تبادل فوري للمعلومات، برامج تصنيع محلي طموحة، وتدريبات مشتركة تُعيد للسماء هيبتها وتردع من تسول له نفسه أن يتصرف وكأنها ملعب بلا صاحب.
السيادة تبدأ من السماء؛ ومن لا يملك سماءه لا يملك قراره. إن ما اتفق عليه وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية يجب أن يتحول من بيان إلى عمل متواصل، وإلا ستبقى الطائرات الصهيونية تعربد وتسرح وكأنها فوق أرض بلا شعب وسماء بلا أصحاب. لقد أُتيح للأمة الآن قرار تاريخي لتأمين سمائها واستعادة كرامتها، والآن تأتي مسؤولية التنفيذ والمثابرة لكي لا تبقى الإجراءات مجرد عبارات على ورق بل منظومة دفاع تُعيد للأجيال حقها في وطن يحميه من السماء أولاً.




