صحافة وآراء

من هما رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية القادمان في العراق وكيف سيتم إختيارهما؟ وهل تبعث نتائج الإنتخابات الأخيرة على التفاؤل؟ وما هي إمكانية إصلاح ما أفسده الإحتلال؟

د. سعد ناجي جواد

يُلح عليّ الكثير من الإخوان أن أكتب عن نتائج الانتخابات العراقية الاخيرة، وعن التوقعات المحتملة، وحول من سيكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الجديدين. واستجابة لطلب الاعزاء سأحاول أن أبين وجهة نظري المتواضعة في هذه المواضيع. ولكن قبل البدء في الكتابة أحب أن أثبت قضيتين مهمتين ومؤلمتين نفسيا في آن واحد، جعلتاني أبتعد عن الكتابة عن العراق. فمنذ أن حدث الإجتياح والإحتلال وتوالت الحكومات التي إعتبرتُها شخصياً، ولا أزال، صنيعة أمريكية إيرانية، وأستطيع أن أقول إسرائيلية أيضا وعشت ما جرى وتعرفت على من أتى، وصلت إلى قناعة بأن بلدي الغالي على قلبي قد ذهب إلى المجهول. وهذا الإعتقاد ظهر وتبلور منذ الأيام الأولى للإحتلال. وسمعه مني إخوة حضروا معي مؤتمر عقده مركز دراسات الوحدة العربية في 2004، بتنظيم وإشراف الأخ المرحوم الدكتور خير الدين حسيب، الذي كان يعتقد، ومعه آخرون، أن الإحتلال والحكومة التي أتى بها زائلة خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وطلب من مجموعة صغيرة جدا من النخب العراقية والعربية، وشخصي البسيط منهم، أن نكتب برنامجاً شاملاً جديداً للدولة القادمة، (وكتبت أنا الورقة المتعلقة بالقضية الكردية، وصدرت كل الدراسات في كتاب في نفس العام – برنامج لمستقبل العراق بعد انهاء الاحتلال).

وقلت آنذاك للمرحوم الدكتور خيري في إحدى الإجتماعات، أن الوضع في العراق سيبقى على هذا الحال، وسينتقل من سيء إلى اسوأ، وأن ذلك سيستمر إلى 15 عشر عاماً وربما أكثر. ولم يكن قولي نوع من أنواع التنبؤ، ولكنه جاء مبنياً على حقيقة أن الأطراف التي احتلت العراق تريده أن يكون هكذا، ممزق ومشرذم، وأن الذين أتوا مع الاحتلال يريدونه كذلك غارق في الجهل وبالأفكار الطائفية والعنصرية الشوفينية، كي ينهبوا ثرواته دون أن يعترض عليهم أحد. استنكر أغلب المشاركين رأيي، واعتبروه متشائماً جداً، ولكني بقيت متمسكا بوجهة نظري، التي أثبتت بعد أكثر من 22 عاماً أنها كانت صحيحة. المسألة الثانية أن كل الأطراف التي طرحت نفسها كقادة للدولة العراقية بعد الاحتلال لم يكن بينهم من يستطيع المرء أن يقول عنه صاحب برنامج نهضوي أو إصلاحي أو ديمقراطي أو طاهر الذيل كي يعول عليه في المرحلة الجديدة، وأن 99.9% من القيادات، التي تلي الرئاسات الثلاثة، (وزراء وأعضاء مجالس النواب ومحافظين وأعضاء مجالس محافظات ومدراء عامين)، هم من الفاسدين الذين يضعون سرقة أكبر قدر ممكن من أموال وثروات العراق هدفاً أولا لهم. ويؤسفني القول أن الحال مازال كذلك منذ ذلك التاريخ، بل وأصبح أسوأ، حيث أن الفاسدين أصبحوا ليس فقط مالكين لثروات هائلة تمكنهم من شراء الذمم والأشخاص والتأثير على نتائج الانتخابات، بل امتلكوا مليشيات أو فصائل مسلحة تأتمر بأمرهم وقنوات فضائية تروج لهم. وظهرت آثار هذه الحقائق بصورة جلية في الانتخابات الأخيرة، والتي نتج عنها تدوير كل الوجوه الفاشلة السابقة وجعلت منهم القوى المهيمنة على البرلمان.

والآن أصبحت مسألة اختيار رئيس البرلمان ورئيس الجمهوري ورئيس الوزراء موكلة لهم بالكامل. وهذا سبب مضاف لإمتناعي عن الكتابة في الشأن العراقي. وأسمح لنفسي أن أكرر رأيا كتبه منذ سنين على صفحات هذه الجريدة العزيزة قلت فيه أن النصر الكبير الذي حققته الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وبعد ذلك إيران لم يكن متمثلا في احتلال العراق وتدميره، لكن النصر الحقيقي الكاسح تمثل في بث النعرات الطائفية والعنصرية بين مكونات الشعب العراقي. والاسوأ أن الحالة لم تقتصر على السذج والجهلة والمغرضين، بل انتقلت إلى (النخب) التي تعتبر نفسها مثقفة أو متعلمة، بل وحتى أبناء العوائل ذات التاريخ الوطني وكذلك الأحزاب العريقة التي كانت تفاخر بمعاداتها للإستعمار والإمبريالية، ومن يشكك في ذلك عليه أن يتابع القنوات الفضائية العراقية والطائفية والعنصرية والتي تقول أنها تمثل مكونات الشعب العراقي، أو يتابع حركات السياسيين أو معارضيهم الذين أصبحت طهران وواشنطن وإسرائيل الجهات التي يلجأون إليها لتثبيت مكانتهم.

لذلك فإن التكهن باسم رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء (منصب رئيس البرلمان كان قد حسم منذ أيام وذهب إلى شخص شبه أميّ وعليه شبهات فساد كثيرة) ليس هو المشكلة، ولكن المشكلة هي هل سيستطيع من سيتم اختيارهم إصلاح الامور في العراق؟ أو على الأقل إيقاف عجلة الفساد والسرقة؟ أو إصلاح النظام التعليمي الذي أصبح يحرص على منح الشهادات العليا لجهلة بدلا من الحرص على مستوى الطلبة؟ أو سيصلح القضاء الذي يسكت عن الفساد ولا يردعه بعقوبات مناسبة؟ أو سيحسن من سمعة العراق الخارجية التي ساهم السلك الدبلوماسي الجديد في تدهورها؟ أو سيبطل قرارات تعيين سفراء يفتقدون المؤهلات لهكذا منصب؟ أو سيعيد النظام الصحي إلى سابق عهده؟ هذا هو الذي يجب أن يسأل عنه العراقيون أنفسهم. لأن ما فائدة رئيس جمهورية يصرف عشرة ملايين دولار على إيفاد له خارج العراق لمدة يومين أو ثلاثة، أو يقوم بتعيين العشرات من أصدقائه (مستشارين) له برواتب ضخمة وبالدولار أو يساهم في تهريب ملايين البراميل من النفط؟

أو يمنح أكثر من عشرة من أفراد عائلته أكثر من خمسة ملايين دولار لكل فرد لكي يضعها كوديعة كي يحصلوا على اقامة في دولة اوربية؟ او يحتفظ براتب تقاعدي ضخم ومخصصات لأكثر من مائة شخص من حمايته وهو يعيش خارج العراق منذ حوالي 20 عاما؟ او يحصل على عمولة بعشرات الملايين من الدولارات ويشتري بها معملا ضخما في احدى الدول المجاورة؟ او يتقاضى حوالي مليون دولار عن كل عفو يصدره بحق شخص مدان بالإعدام او السجن المؤبد؟ او يستلم راتبا شهريا يكفي لإعالة اكثر من مائة وخمسون عائلة فقيرة، عدا المخصصات التي يمكن بها بناء مدرسة في كل شهر؟ ولهذا اقول اننا يجب ان لا نفكر بمن سيكون رئيسا للوزراء او رئيسا للجمهورية او رئيسا لمجلس النواب، لان التجربة علمتنا ان كل الذين تبوأوا هذه المناصب عادوا إلى العراق وهم لا يملكون شيئا ثم اصبحوا يمتلكون من اصحاب المليارات و لهم املاك في اوروبا والخليج بمئات الملايين من الدولارات.

أما جوابي المباشر للأعزاء الذين يسألون من سيكون رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية القادمين فأقول لهم ان الوجوه التي أنتجتها الانتخابات الاخيرة سوف لن تختار إلا من يكون مثلها ويسهل لها فسادها وفساده، وحتى يصل العراقيون (عربا واكراد وتركمانا ويزيديين وكلدو آشوريين وصابئة، حتى لا يزعل احد من الذين اصبحوا يتمسكون بهذه التفاصيل) إلى قناعة وإيمان ان تمسكهم بعراقيتهم ووطنيتهم ووحدة ترابهم الوطني والاعتماد على انفسهم بدلا من الاعتماد على الخارج من اي نوع كان، هو المنقذ الوحيد للعراق ولشعبه ولأجياله القادمة. والى ان يحصل ذلك، بالنضال والتعب فستبقى عمليات تدوير الفاسدين هي السائدة، وسيظهر من الجهلة والساذجين والمنتفعين من يؤيد ويصفق للفاسدين ويعيدهم للمسرح السياسي بالتزوير و(بالديمقراطية المزيفة) التي أتى بها الاحتلال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى