
نتنياهو يفتح جبهات الخارج للهروب من الانفجار الداخلي: تصعيد مزدوج في غزة ولبنان وأزمة غير مسبوقة داخل الجيش
إيناس القشاط
تشهد إسرائيل لحظة هي الأكثر خطورة منذ السابع من أكتوبر، بعد أن تداخلت مسارات التصعيد العسكري الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في غزة ولبنان، مع انفجار غير مسبوق داخل المؤسسة العسكرية، يضع الدولة أمام مشهد داخلي متصدّع بل وخطير وخارجي مفتوح على حرب متعددة الجبهات. ففي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو لاستئناف الحرب في قطاع غزة بوتيرة أعلى، ويدفع نحو توسيع دائرة المواجهة في الجبهة اللبنانية، تعيش إسرائيل صداماً علنياً بين قيادة الجيش ووزارة الدفاع، تجلّى في استقالات وإقالات وحتى حالات طرد وتحقيقات تطال أعلى المراتب العسكرية، وسط اتهامات لنتنياهو بمحاولة الهروب إلى الأمام عبر توسيع رقعة الحرب وتفجير ساحات أخرى قبل الانتخابات، وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن فرض وقفاً لإطلاق النار في غزة، يُعدّ الجهة الوحيدة القادرة على لجم التصعيد، الا أن إسرائيل تعمل على خلق ظروف ميدانية مغايرة تماماً للمسار الأميركي. ففي وقت تُعدّ واشنطن خرائط جديدة تتعلق بمستقبل غزة والمنطقة ضمن “مسار السلام في الشرق الأوسط”، ترسم إسرائيل خرائط ميدانية نقيضة، مستفيدة من غياب المتابعة الأميركية الجدية للخطة، على الرغم من وجود وفد أميركي في تل أبيب شبه مقيم. هذا الفراغ تحاول إسرائيل استغلاله لفرض أمر واقع يمنع أي تقدم عملي في المشروع الأميركي، في ظل حكومة توصف بأنها “عطشى للدماء” وتسعى لتحويل الوضع القائم إلى حالة حرب دائمة تحت عنوان “تعزيز اليقظة الأمنية”، وخلال الأيام الماضية كثّف الجيش الإسرائيلي هجماته على مواقع تابعة لحركة حماس في غزة، وواصل توسيع ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، مناطق التقدم البري التي تزحف إليها القوات تدريجياً لاختبار صبر حماس وردود الوسطاء والعالم. وفي موازاة ذلك، شنّت إسرائيل ضربات على مواقع عسكرية ومنصات صاروخية لحزب الله في لبنان، مروّجة داخلياً أن المواجهة على الجبهة الشمالية “ضرورة أمنية” فرضتها أحداث السابع من أكتوبر. وأقدمت إسرائيل على اغتيال رئيس أركان حزب الله هيثم علي الطبطبائي بغارة على مبنى سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدى إلى استشهاد خمسة لبنانيين. وهدفت تلك العملية، التي راح ضحيتها الطبطبائي الذي تم تعيينه مؤخراً بعد اغتيال فؤاد شكر، ذراع الأمين العام السابق لـ “الحزب” حسن نصرالله، إلى توجيه رسالة بأن تل أبيب لن تسمح بإعادة بناء قدرات الحزب العسكرية. ورغم التوقعات بأن حزب الله يدرس ردّاً غير واسع تجنباً لفتح الباب أمام حرب شاملة، إلا أنّ إسرائيل تلمّح إلى أن ردها سيكون “غير متناسب” بما يجعل أي خطوة من “الحزب” محفوفة بالمخاطر. ويعود ذلك في وقت تُستهدف فيه مؤسسات الدولة اللبنانية وجيشها يومياً، ما يعقّد أي نقاش حول نزع سلاح حزب الله.
بالعودة الى غزة فإن عودة جميع الرهائن الأحياء ومعظم جثامين القتلى، تزيد من قدرة نتنياهو على التحكم بمستوى التصعيد، مستثمراً هذه الورقة سياسياً لإظهار نفسه بصفته “سيّد الأمن” قبيل الانتخابات، في محاولة لمحو آثار الإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل. ويواصل نتنياهو وجيشه ملاحقة وحدات “الأنفاق” في غزة، معتبراً أن الإرهاق الناجم عن ظروف العيش تحت الأرض يجعل عناصرها “سهلين للاستهداف”. كما برزت في القطاع مجموعات مسلحة معارضة لحماس تقدّم نفسها كبديل للسيطرة، في سياق يُقرأ كمسعى إسرائيلي لعرقلة أي خطة أميركية أو دولية لإدارة غزة بعد الحرب، بالتوازي مع التصعيد الخارجي، تواجه إسرائيل شرخاً داخلياً خطيراً في المؤسسة العسكرية. فقد أعلن رئيس الأركان إيال زامير بدء “يوم الحساب”، وأقال قائد وحدة 8200 وفرض عقوبات على ضباط آخرين، مع تأكيدات بتغييرات شاملة في قيادة الجيش. لكن هذه الخطوات توقفت فجأة عندما أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنه هو من يقرر التعيينات، وأن لا تغييرات قبل انتهاء التحقيقات في إخفاق السابع من أكتوبر. هذا التصريح فُهم داخل الجيش على أنه تدخل سياسي لعرقلة المحاسبة وحماية نتنياهو من المسؤولية. وانفجرت في إسرائيل مواجهة غير مسبوقة، بعدما اتهم ضباط بارزون كاتس بممارسة “السياسة الرخيصة” ومحاولة تحميل الجيش وحده مسؤولية الفشل. وتزايدت داخل المؤسسة العسكرية أصوات ترى أنّ “كل شيء تغيّر منذ السابع من أكتوبر… إلا اسم واحد هو بنيامين نتنياهو”، المتهم بالمماطلة في التحقيقات وترحيل المسؤوليات، والساعي بحسب هذه التقديرات إلى فتح جبهات جديدة في غزة ولبنان للهروب من الانفجار الداخلي وتخفيف الضغط المتصاعد عليه وعلى حكومته. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، كان نتنياهو قد عقد لقاءين منفصلين مع كل من وزير الدفاع ورئيس الأركان، في مؤشر واضح على أنّ الخلاف الحاد بينهما ما يزال مستمراً.
وفي خضم هذا السجال، ورد عن اللواء (احتياط) غيرشون هكوهين تصريحات تعكس مستوى القلق داخل المؤسسة العسكرية. إذ شدّد على أن “المنظمات الإرهابية” المحيطة بإسرائيل، وفق وصفه، لن توقف صراعها مهما كان وضعها صعباً، مشيراً إلى أنّ تحليل “الجذور الأيديولوجية” ضرورة لفهم طبيعة المواجهة. وقال: “حزب الله تهديد، حماس تهديد، إيران تهديد. القاسم المشترك بينهم أنهم مُكلَّفون دينياً وعقائدياً بفريضة الجهاد لتدمير دولة إسرائيل، ولن يتوقفوا عن هذه العقيدة. حتى لو تعرضوا لضربات قاسية، سيبذلون قصارى جهدهم للحفاظ على زخم الصراع”. وانتقد هكوهين مفهوم الردع الإسرائيلي، معتبراً أنه “أحد الأوهام التي يجب على الأمن الإسرائيلي التخلص منها”، موضحاً أن انضباط حزب الله رغم الضربات اليومية لا يعني بالضرورة أنه رُدع، بل قد يرتبط باعتبارات داخلية في لبنان ورغبته في ترسيخ مكانته والحفاظ على سلاحه. وأضاف: “لا أفترض للحظة أنه تخلى عن فكرة ضربنا. لديه أسباب وجيهة من وجهة نظره، ولذلك يجب الاستعداد دائماً حتى من دون معلومات استخباراتية مؤكدة”. وتحدّث هكوهين عن ضرورة جاهزية الجبهة الداخلية قائلاً: “يجب أن تكون الملاجئ جاهزة، وأن تُبنى المستوطنات بطريقة تضمن استمرار الحياة حتى لو غاب الأمن الكامل”. كما أشار إلى أن خلافات كاتس مع رئيس الأركان لا يجب أن تحجب حقيقة أنّ “الجيش الإسرائيلي منشغل بالاستعداد لكل ما هو مُلقى على عاتقه”، مؤكداً أنّ تعليق التعيينات أو التوترات السياسية “لا تعني وجود فراغ قيادي”.
وأشاد بالأداء “الممتاز” لقائد سلاح الجو، وبالضباط الذين قرر رئيس الأركان إبعادهم من الاحتياط، قائلاً إنهم قادوا الحرب لعام ونصف “بكامل التفاني وإنجازات لا يُستهان بها”. ما طرحه الجنرال هكوهين يعكس جانباً من الواقع الميداني في ما يخص التوقعات والاحتمالات، إلا أنّ لدينا تقريراً خطيراً يفيد بأن الإسرائيليين يعيشون هاجس “انهيار داخلي تام”، وعلى خلفية التصدّعات السياسية، وانهيار الثقة بين القيادة المدنية والعسكرية، وتآكل القدرة على إدارة الجبهات المتعددة.
هذا الهوس المتزايد بالانهيار الداخلي هو ما يدفع جزءا من القيادة الإسرائيلية إلى مواقف أكثر حدّة، سواء في الخطاب أو في توسيع نطاق العمليات، في محاولة للهروب من مواجهة الأسئلة الصعبة داخل إسرائيل نفسها. وبالنسبة للتصعيد الخارجي، قد يمنح الحكومة فرصة للالتفاف على المطالب المتزايدة بلجنة تحقيق رسمية، وعلى الاحتجاجات التي تتهم نتنياهو بإطالة أمد الحرب لأسباب سياسية، وتبدو إسرائيل اليوم أمام توازن مرعب: تصعيد خارجي يلوّح بحرب شاملة، وصدام داخلي يهدد بتفكك المؤسسة العسكرية، وفراغ سياسي أميركي! تستغله الحكومة الإسرائيلية لرسم خرائط جديدة بالقوة قبل أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة، وفي غياب مسار سياسي جدي، فإن المنطقة تقف أمام لوحة معقّدة، قد تتبدل معالمها في أي لحظة، بين ضغط السلاح وصراع الخرائط وتنافس القوى الدولية على رسم مستقبل الشرق الأوسط.




