
نوري حمدان: الحرية في العراق تحتاج دولة قانون لا دولة محاصصة
تقدّم لكم هذه المادة حواراً مع الكاتب والباحث العراقي نوري حمدان، أجرى الحوار الصحفي محمد بغدادي، حول كتابه الجديد “جدل الحريات في العراق.. قراءة في علاقة السلطة بالمجتمع بين 2003 و2017”،
وهو حوار يتناول مسار الحريات في العراق، وتحولات العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ودور الإعلام والوعي العام في مرحلة ما بعد 2003.
في لحظة عراقية ما تزال تتجاذبها أسئلة الحرية والسلطة والمجتمع، يطلّ الكاتب والباحث نوري حمدان بعمله الجديد “جدل الحريات في العراق: سردية الصراع بين السلطة والمجتمع المدني (2003–2017)” ليضع بين أيدينا واحدة من أهم القراءات التحليلية التي تُعيد تفكيك مشهد الحريات في البلاد على مدى أكثر من عقد ونصف من التحوّلات السياسية والاجتماعية.
الكتاب، الصادر حديثاً، لا يقدّم سرداً تاريخياً فقط، بل يقدّم محاولة جادة لقراءة ما جرى “من الداخل”، من قلب التجربة العراقية التي عاشت صراعاً معقّداً بين مؤسسات الدولة وقوى المجتمع، وبين تطلعات الأفراد وحدود الواقع.
في هذا الحوار، يتحدث المؤلف عن دوافع كتابة الكتاب، ويستعرض محطات التحوّل في مسار الحرية بعد عام 2003، كما يناقش تأثير الإعلام، وتغيّر وعي الجمهور، والمتطلبات الأساسية لبناء بيئة حريات حقيقية في العراق اليوم.
حوار يكشف الكثير ممّا وراء السطور، ويضع الأسئلة الصعبة على الطاولة بلا مجاملة.
س: ما الدافع الأساسي الذي جعلك تكتب هذا الكتاب؟ وما اللحظة التي شعرت فيها أن موضوع الحريات في العراق يحتاج إلى “سردية موثقة” تعيد قراءة العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني منذ 2003؟
الدافع الأول لم يكن بحثياً بقدر ما كان شعوراً شخصياً بمسؤولية توثيق لحظة تاريخية فارقة. منذ 2003 ونحن نعيش تحوّلات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، تحوّلات مسّت جوهر مفهوم الحرية نفسها. وجدت أن كثيراً من الخطابات التي تتناول الحريات في العراق تُقرأ بسطحية أو تُختزل في زاوية واحدة. لذلك سعيت في هذا الكتاب إلى تقديم سردية شاملة، ترصد علاقة السلطة بالمجتمع المدني، وتكشف كيف تشكّل الوعي الجمعي إزاء الحرية عبر مراحل الصراع السياسي والاجتماعي.
أردت أن أوثّق ما حدث، كما حدث، وأن أضع بين يدي القارئ سرداً تحليلياً بعيداً عن الانفعال والانحياز.
س: في كتابك ترصد تحولات العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني عبر مراحل متعددة.. كيف تقيّم اليوم – بعد مرور هذه السنوات – المسار الحقيقي لتجربة الحرية في العراق؟
المسار لم يكن خطّياً ولا مستقراً؛ كان متعرجاً ومحكوماً بظروف معقدة. في السنوات الأولى بعد 2003 شهد العراق انفجاراً غير مسبوق في فضاء التعبير، لكن هذه الحرية بقيت بلا حماية دستورية واجتماعية كافية. ثم جاءت مراحل لاحقة اتسمت بعودة السلطة بأشكال جديدة، بعضها سياسي وبعضها حزبي أو اجتماعي، مما جعل الحرية تتأرجح بين مكسبٍ يُنتزع وحقٍ يُصادر.
برأيي، الحرية في العراق اليوم ليست منعدمة، لكنها أيضاً ليست راسخة. إنها حرية “معلّقة” تحتاج إلى دولة قوية بالقانون لا بالعسكرة، ومجتمع مدني واعٍ لا منقسم.
س: يتضمن الكتاب قراءة نقدية لخطاب الإعلام والمؤسسات السياسية في تشكيل الرأي العام.. كيف ترى دور الإعلام العراقي في تكريس الحريات أو تقويضها خلال الفترة التي تناولتها؟
الإعلام العراقي بعد 2003 لعب دوراً مزدوجاً ومعقداً. فمن جهة، فتح الباب أمام التعبير والجدل والنقد، وخلق مساحة لم تكن موجودة في العقود السابقة. ومن جهة أخرى، تحوّل كثير من وسائل الإعلام إلى امتدادات سياسية، أو أدوات صراع تتبع القوى المتنفذة.
وبالتالي لم يكن الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل أحياناً صانعاً للانقسام.
لكن مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الإعلام ساهم في تشكيل رأي عام أكثر جرأة، وأتاح للمجتمع فرصة مساءلة السلطة. المشكلة لم تكن في الإعلام ذاته، بل في البيئة السياسية التي حاولت استثماره أو تحجيمه.
س: تشير في عدة مواضع من الكتاب إلى أن الصراع لم يكن فقط سياسياً، بل اجتماعياً وثقافياً.. هل يمكن أن تشرح كيف تغيّر وعي الجمهور العراقي تجاه الحرية خلال 2003–2017؟
الوعي تغيّر بشكل واضح. في البداية، كان الجمهور يتعامل مع الحرية بوصفها مطلباً مثالياً مرتبطاً بالخلاص من السلطة الشمولية. لكن مع تراكم التجارب السلبية – العنف، الفوضى، الفساد، المحاصصة – بدأ المجتمع يدرك أن الحرية ليست شعاراً، بل منظومة قيم وسلوك ومؤسسات.
خلال 2017 كان هناك نضج ملحوظ:
الشباب صار أكثر وعياً بما يعنيه الاحتجاج.
• الصحافة المستقلة بدأت تفرض وجودها.
• الخطاب العام أصبح أكثر جرأة في نقد السلطة.
بمعنى آخر: انتقل المجتمع من “حرية الانفعال” إلى “حرية الإدراك”، رغم كل الصعوبات.
س: في ضوء نتائج الكتاب واستنتاجاتك البحثية، ما الذي يحتاجه العراق اليوم لتعزيز بيئة حريات حقيقية؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه النخب، الإعلام، والمجتمع المدني في ذلك؟
العراق يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفرد. الحرية لا تزدهر في بيئة ضبابية، ولا في دولة مترددة بين منطق المواطنة ومنطق المحاصصة.
نحن بحاجة إلى ثلاث ركائز أساسية:
دولة قانون تحمي الحقوق وتمنع تغوّل السلطة أو الجماعات.
• مجتمع مدني حيّ قادر على الضغط، الرقابة، وتثقيف الجمهور.
• إعلام مهني مستقل لا يخضع للتمويل السياسي ولا يستسلم للابتزاز.
أما النخب، فمسؤوليتها اليوم مضاعفة؛ لأنها مطالبة بأن تكون الجسر بين المعرفة والناس، وأن تدافع عن الحرية كقيمة، لا كأداة صراع. إذا التقت إرادة الدولة مع وعي المجتمع، عندها فقط يمكن للحرية أن تتحول من مساحة مؤقتة إلى ثقافة راسخة.
في ختام هذا الحوار، يتضح أن كتاب “جدل الحريات في العراق” ليس مجرد دراسة بحثية، بل شهادة فكرية على مرحلة عراقية شديدة التعقيد، ومحاولة جريئة لإعادة طرح سؤال الحرية في سياق بلدٍ ما زال يختبر إمكانية العبور نحو دولة المواطنة والقانون.
ما قدّمه الكاتب نوري حمدان من رؤى وتحليلات يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع، ودور الوعي العام في صناعة الفضاء الديمقراطي.
يبقى أن هذا الجدل، كما يصفه المؤلف، ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل يحتاج إلى مراجعة مستمرة وإرادة سياسية وثقافية صادقة. ولعل هذا الكتاب، وما أثاره من أفكار، يشكّل لبنة جديدة في مسار فهم الحريات في العراق وتعزيزها.




