
هل ستدمر غرين لاند العلاقة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي والناتو؟ (الجزء الأول)
بقلم د. أيمن أبو الشعر
• كان سكان غرين لاند لا يزيدون عن 21 ألف نسمة إبان الحرب العالمية الثانية، وباتت عمليا تحت الحماية الأمريكية حين احتل الألمان الدانمارك
الفيروس الاستعماري الأوروبي يُستنْهض من جديد
يَظهر ذلك بشكل جَليّ عبر حالة شائكة غير عادية، حيث يتداخل هذا الفيروس وسط جينات هي من أصول واحدة، ما يدفع إلى صراع خفي قد يتنامى مُشكِّلا حالة استثنائية تاريخيا، ولكن هذه المرة بين الأوربيين والأمريكيين، ولكن الأمريكيين هم أنفسهم أحفاد الأوربيين الذين غزوا أمريكا واستوطنوها، وطردوا وأبادوا القسم الأكبر من سكانها شمالا وجنوبا، وخاصة البريطانيين والفرنسيين والهولنديين والإسبان والبرتغاليين، وقد شكَّل كل هؤلاء وغيرهم من المستوطنين الأوائل مستعمرات في مناطق مختلفة، وبدأوا بالتوسع والاستيلاء على مزيد من الأراضي حتى بات هذا التوسع الاستيطاني سمتهم الرئيسية منذ بدء القرن السادس عشر، ولم يتوقف عمليا حتى بعد إعلان استقلال الولايات المتحدة عام 1776 حيث كانت تتألف من 13 عشر ولاية لا غير، ثم بدأ التوسع غربا بأساليب متعددة وخاصة عبر الحروب التي أدت إلى التنازل كفلوريدا التي تنازلت اسبانيا عنها للولايات المتحدة، أو الشراء كلويزيانا التي اشترتها من فرنسا، وآلاسكا التي اشترتها من روسيا، أو الانضمام طبعا بتأثير الضغوط والإغراءات كتكساس إثر استقلالها عن المكسيك، أو حتى الضم المباشر كما فعلت بمملكة هاواي، وبالتالي يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية تضاعفت مساحتها أكثر من عشرة أضعاف بغير حق، لكنه الواقع ضمن ظروف تاريخية لها خصوصيتها، وكان محرك هذه النزعة العامل الاقتصادي والسياسي معا لتكوين دولة قوية مترامية الأطراف من الشعوب الأوربية بالدرجة الرئيسية، ثم تنامت سكانيا عبر هجرات من جميع أنحاء العالم، بمعنى أن الشعب الأمريكي يفتقر في الواقع إلى جذوة قومية واحدة، وبعد أن تكرست الولايات المتحدة كدولة عظمى تجلى بوضوح جوهرها وأهدافها الرئيسية: الأرباح والسيطرة على الموارد والتجارة بحجج مختلفة، وها هو الفيروس الغافي يستيقظ بعد قرون ويمد خيوط عنكبوته إلى غرين لاند.
لماذا غرين لاند
تقول المعطيات التاريخية أن أول من اكتشف غرين لاند هو مستكشف من الفايكنغ النرويجي إريك الأحمر عام 982 ميلادية ، أي أن الفايكنغ هم الذين اكتشفوها، الطريف في الأمر أنه أطلق عليها لقب الأرض الخضراء لكي يجذب المستوطنين إليها، رغم أن معظم أراضيها جليدية غير قابلة للحياة إلا في بعض مناطقها وخاصة الجنوبية الساحلية، وذلك بما لا يزيد عن 20% من مساحتها، وخاصة في المناطق الجنوبية كونها جزءا من القطب الشمالي، ولكنها لم تكن صحراء جليدية وحسب، بل كان فيها سكانها الأصليون من الإونيت، ولكنهم قلة إذ من الصعوبة بمكان تحمل الطقس هناك حيث تصل درجات الحرارة أحيانا إلى قرابة 70 درجة مئوية تحت الصفر…
وقد سيطرت الدانمارك على غرين لاند دون حرب منذ بدأ التبشير، وغدت عام 1814 مستعمرة دانماركية بحتة بعد انفصال النرويج عن الدانيمارك، ولكنها مع ذلك مرت بمراحل حساسة قبل أن تحصل على الحكم الذاتي، أي أنها عمليا انضمت ودُمجت بشكل كامل بالدانمارك عام 1953 ، ومن ثم مُنحت الحكم الذاتي عام 1979 . هذا باختصار شديد تاريخ غرين لاند المعاصر، ولكن ما سر عودة الاهتمام بهذه الجزيرة الجليدية من جديد، وإلى هذا الحد الذي قد يُنشيء وضعا جديدا بالغ الحساسية والمخاطر على العالم؟
كوامن وآفاق
منذ بضع عشرات من السنين تزداد التقديرات حول ارتفاع درجة الحرارة عموما في الكوكب الأرضي بسبب عوامل لسنا بصددها الآن، ولكن ارتفاع درجة الحرارة سيعني الكثير جدا بالنسبة للقطب الشمالي عموما حيث سينشط ممر الشمال للتواصل بين الغرب والشرق، وهذه الجزيرة على وجه الخصوص ستغدو منطلقا رئيسيا بالنسبة لطريق الشمال البحري بعد ذوبان الجليد، ومنصة أمنية نوعية هامة جدا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هذا ناهيك عن مواردها الباطنية التي سيغدو استخراجها أسهل مع ارتفاع درجات الحرارة، ومن أهمها النفط والغاز واليوروانيوم والألمينيوم والنيكل والبلاتين والتيتانيوم والنحاس ولكن بعضها يحتاج لعدة سنوات حتى يغدو ذا طبيعة إنتاجية مجدية، وبالتالي فإن أهم مواردها حاليا هو الثروة السمكية، ولعل الجانب المغري هنا هو أن معظم هذه الموارد لا تزال بكرا عدا القليل كالألمينيوم.
معطيات تاريخية يركز عليها ترامب
مرت جزيرة غرين لاند بمرحلة بالغة الحساسية في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، فقد تمكنت ألمانيا من احتلال الدانمارك في ابريل نيسان عام 1940 ، وهنا نشأ تخوف لدى بريطانيا وكندا بأن تتخذ الجزيرة موقفا ممالئا للألمان، وفكرتا جديا باحتلال الجزيرة عندها سارعت الولايات المتحدة للتدخل المباشر خاصة عندما دخلت في الحرب عام 1941 إلى جانب الحلفاء، فأقامت العديد من المنشآت والمرافق العسكرية بما في ذلك للنقل الجوي ومحطات للراديو وبعض الموانئ والمستودعات العسكرية الكبيرة، إلى جانب مراكز البحث العلمي، وساهمت إلى حد كبير بالمساعدة الاقتصادية، في حين لم تستطع الدانمارك صنع أي شيء لهذه الجزيرة وغدت غرين لاند واقعيا تحت حماية مباشرة من الولايات المتحدة حتى أنها دخلت الحرب مع الحلفاء ضد ألمانيا طبعا تنفيذا للرغبات الأمريكية التي أنشأت قيادة عسكرية جوية في الجزيرة، قيادة تابعة للقيادة الجوية الأمريكية التي أرسلت آلاف الجنود الأمريكيين إلى الجزيرة ما ساهم في إنعاشها وتحسين البنى التحتية فيها، ولا ننس أن عدد سكان الجزيرة آنذاك لم يكن يزيد عن 21 ألف نسمة.
خطر احتمال سيطرة الصين أو روسيا على الجزيرة
لم يطرح الرئيس ترامب رغبته في الاستحواذ على الجزيرة كتحد لأوروبا والناتو، فأمريكا هي التي تقود الناتو عمليا، بل قدم تبريرا ربطه بأمرين من جوهر واحد وهو الأمن الأمريكي، وطبعا على الحلفاء أن يدركوا أن الأمن الأمريكي يضمن أمنهم، لذا حذر من احتمال سيطرة روسيا أو الصين على الجزيرة متعللا بزيادة حضورهما ونشاطهما الواسع وتعاونهما الوثيق في القطب الشمالي، وانتشار قطعهما البحرية غير بعيد عن الجزيرة، والحقيقة هناك واقع جغرافي عمره مئات السنين ولم ينشأ الآن فجأة حتى يشكل حالة تستدعي ضم الجزيرة، وهو أن لروسيا 53% من ساحل المحيط المتجمد الشمالي أي أكثر من بقية الدول المساحلة له مجتمعة، عدا عن أن السكان الروس أيضا يزيدون قليلا عن نصف سكان تلك المنطقة، والنشاط الاقتصادي المدعوم عسكريا عمره عشرات السنين حيث تقوم روسيا باستخراج مصادر الطاقة وبعض المعادن من حدودها الإقليمية، وتتعاون في الآونة الأخيرة مع الصين في مراكز الأبحاث والتنقيبات في المناطق الدولية المتاحة للجميع، ولا علاقة لغرين لاند على الإطلاق بذلك، وقد أوضحت موسكو رسميا ذلك كما سنرى في الجزء الثاني الذي سنتناول فيه ردود الفعل على تصريحات ترامب هذه والآفاق المحتملة.




