
واقع المرأة العراقية والتحديات التي تواجهها..
نحاول دائماً ألا نظهر مظلومية المرأة ولا نتحدث عن النسوية ومشاكل النساء كإنها الحالة المهمشة والمضطهدة الوحيدة في العالم. فيما تعيش ملايين من النساء حول العالم تحت سيطرة مجتمع أبوي ذكوري بحت يُشكلها يُقيمها يحدد ما يجب أن تكون فيه وما لا يجب، يَحد من قدراتها ومَقدرتها ويقلل من قيمة ما تصنع وتحقق مهما بلغ ذلك الذي حققته من أهمية وفائدة لذاتها وللمجتمع الذي تعيش فيه. هنالك عشرات بل مئات من القضايا التي هي موضع إهتمام العالم من أهمها قضايا المرأة والطفل. منذ طفولتها تبدأ الفتاة بتلقي الإشارات من قبل أسرتها وتبدأ معها مرحلة أنتِ فتاة لا يجب أن تفعلي كذا، بل يجب أن تفعلي ما يراه المُجتمع صواب!
تعيش المرأة العراقية واحدة من أكثر التجارب الإجتماعية والسياسية تعقيداً في العالم العربي، وهي تجربة لا يمكن إختزالها بشعارات أو أحكام جاهزة، لأنها تشكلت داخل سياق تاريخي مضطرب تراكمت فيه الحروب والإحتلالات والتحولات الإقتصادية والتمزقات الإجتماعية. فمنذ الثمانينيات وحتى اليوم، لم يمر عقد واحد دون أن يترك أثره المباشر على حياة النساء في العراق، ما جعل واقعهن خليطاً من المكاسب والإنتكاسات والتحديات البنيوية التي لا تزال مستمرة حتى اللحظة. في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي كانت الدولة العراقية تتبنى سياسات تعليمية وإقتصادية سمحت للمرأة بدخول مجالات واسعة مثل الطب والتعليم والقضاء والهندسة، وإرتفعت نسب إلتحاق الفتيات بالجامعة، ما جعل العراق في ذلك الوقت متقدماً على جميع الدول العربية مجاورة وبعيدة في ملف تعليم المرأة. إلا أنّ إندلاع الحرب مع إيران إستنزف المجتمع وأدى إلى غياب مئات الآلاف من الرجال على الجبهات، الأمر الذي دفع النساء إلى لعب أدوار إقتصادية إضافية داخل الأسرة وفي بعض قطاعات الدولة. هذه التجربة فتحت أبواب مشاركة غير تقليدية للمرأة، لكنها لم تتحول إلى قاعدة إجتماعية مستقرة بسبب الأحداث التي تلتها. وفي التسعينيات جاء الحصار الإقتصادي ليعيد رسم المشهد من جديد. فإنهارت القدرة الشرائية، وإرتفعت معدلات الفقر، وإضطرت آلاف الأٌسر للإعتماد على الإقتصاد غير الرسمي. ظهرت النساء في تلك المرحلة كمعيلات في الظل عبر أعمال منزلية وتجارية صغيرة في الأحياء والأسواق، لكن غياب الإعتراف القانوني والإقتصادي جعل هذه الأدوار بلا حماية ولا إستمرارية. ومع ذلك يكشف هذا السياق عن قدرة المرأة العراقية على التكيّف مع أصعب الظروف.
لحظة سقوط الدولة في العام 2003 كانت نقطة تحول قاسية، إذ بدا إن المكاسب التي تراكمت عبر عقود يمكن أن تختفي خلال شهور. الفوضى الأمنية والتفكك المؤسسي وتعاظم قوة الجماعات المسلحة كلها أعادت المجتمع بإتجاه أنماط محافظة ترتكز على العائلة والقبيلة بإعتبارهما مصدر الحماية الأول. كثير من الفتيات توقفن عن التعليم بسبب الخوف، وإنتشر الزواج المبكر في بعض المناطق بوصفه وسيلة حماية لا خياراً إجتماعياً، وتحولت المرأة في الكثير من البيوت إلى معيل أساسي بعد فقدان الأب أو الزوج أو الأخ في موجات العنف أو النزوح. ومع صعود تنظيمي داعش (الشيعي والسُني) تحولت العديد من المحافظات إلى فضاءات مغلقة على النساء. في الموصل مثلاً فُرضت قيود على لباس الفتيات ومنع التجمّع والتعليم في بعض الأحياء، وتعرضت النساء الإيزيديات لعمليات خطف وإستعباد جنسي ممنهج لا يزال ملفه مفتوحاً أمام القضاء الدولي حتى اليوم وفي محافظات الجنوب حيث السجون الخاصة لانزلاء السُنة، تساوّم المرأة السُنية الزوجة، الأم، البنت على جسدها كي تقابل من أتت لرؤيته. هذه الأمثلة لا تعكس فقط صدمة الحرب، بل تعكس أيضاً حجم التراكم الذي يعيق عودة المرأة إلى فضائها الطبيعي بعد إنتهاء النزاعات. نتائج تلك الضغوطات والعوائق في مجتمع جعل الكثير من النساء ترضخ وتستسلم وتتكيف مع الواقع.. ذلك الواقع البشع المأساوي ليس للمرأة فقط بل المرأة ضحية من ضحاياه، طرحنا قضيتها اليوم كنقطة محورية تساهم في تطوير المجتمعات نحو أفضل لو تمت حمايتها ورعايتها. ختاماً مشكلتنا ليس التحرش فقط مشاكلنا كثيرة ومُثيرة للحزن والشفقة وإستمرار طرحها كجزء من مسؤولية إجتماعية تحتم علينا ذلك. مازال هنالك نساءٌ في الخِيام، نساءٌ فوق طاولات الإتجار بالبشر، نساءٌ في مراكز تحت مسميات مراكز ثقافية يتم إستخدامهن في البغاء. يقول البعض إنها حالات فردية، لكن يؤسفني أن أؤكد إن التحرش ليس حالة فردية وإستخدام النساء بأعمال مخلّة بالآداب والقيم ليس حالة فردية، إستخدام النساء كأدوات في الحرب ليس حالة فردية. لتخرج المرأة العراقية صوب عملها، دراستها، تأمين مستقبلها، وتربية أطفالها بالصورة الصحيحة وإيمانها بقضيتها عليها أن تتسلح بالصبر، تكون مدججة بالقوة والثقة والعزيمة. يعني أن تواجه التحرش والتنمر والمضايقات بكل أنواعها وأشكالها ولا تستسلم بل تساهم بتصحيح مسار المجتمع وتبدأ من موقعها وأسرتها ومن حولها. أما إقتصادياً، لا يعاني العراق من غياب نصوص قانونية تسمح للمرأة بالعمل، بل يعاني من غياب بيئة تجعل هذا العمل ممكناً. فالإقتصاد ريعي يعتمد على الدولة التي لا تستطيع توظيف الجميع، في حين يشكل القطاع الخاص فضاءاً محدوداً وغير مستقر. وحين تضاف العادات الإجتماعية إلى المعادلة، تصبح فرص النساء في بعض المحافظات مجرد إحتمالات معلقة. ومع ذلك، ظهرت خلال الأعوام الأخيرة نماذج نسائية جديدة في بغداد وأربيل تحديداً في مجالات التكنولوجيا الناشئة والإعلام الرقمي والمشاريع الغذائية الصغيرة، ما يشير إلى أن التغيير لا يحدث فقط عبر الدولة، بل عبر المبادرات الفردية أيضاً. أما قانونياً، فلا تزال المرأة العراقية عالقة بين منظومتين: منظومة الدولة ومنظومة المجتمع. فالعنف الأسري موجود، لكنه غالباً لا يصل إلى المحاكم خوفاً من الأعراف أو من تدخل العشيرة لتسوية النزاع داخل البيت. والزواج المبكر ما زال يمارس رغم أن القانون يضع قيوداً شكلية عليه، بينما يعاني بعض النساء في المناطق الريفية من الحرمان من الإرث رغم أن القانون يضمنه، لأن السلطة الاجتماعية أقوى من النص. هذه المفارقة بين القانون والممارسة تعكس أن تحديات المرأة ليست مرتبطة بالدولة وحدها، وإنما بالثقافة المجتمعية وبميزان القوى داخل الأسرة. سياسياً، تمتلك المرأة العراقية حضوراً عددياً في البرلمان بسبب نظام الكوتا، لكن هذا الحضور لا يتحول دائماً إلى تأثير فعلي في صناعة القرار. فالكثير من النائبات يدخلن البرلمان عبر أحزاب ذات هياكل تقليدية تقلل من وزن الصوت المستقل، ما يحد من قدرة النساء على الدفع بقوانين تخصهن مثل قانون العنف الأسري الذي لم يُمرر حتى الآن رغم النقاش الطويل حوله. ومع ذلك، فإنّ السياسة لا تختصر في البرلمان. فقد لعبت النساء دوراً لافتاً في مظاهرات تشرين من العام 2019 حيث شاركن في الإسعاف الميداني وتنظيم الخدمات والتغطية الإعلامية، ما أنتج نموذجاً جديداً للسياسة من خارج المؤسسات الرسمية.
كل هذا يقود إلى نتيجة واضحة: المرأة العراقية ليست مجرد ضحية لما حدث في بلدها، وليست مثالاً مثالياً للتمكين أيضاً، بل هي فاعل إجتماعي يتقدم ويتراجع وفق السياق. فهي في بعض اللحظات تتحمل مسؤولية الأسرة بالكامل وفي لحظات أخرى تدخل السوق والعمل المدني، وفي لحظات ثالثة تُعاد إلى الداخل تحت ضغط الحرب أو الخوف أو الأعراف. ملف المرأة العراقية لا يمكن فصله عن ثلاثة مستويات حاكمة: الدولة بقوانينها وقدرتها على فرضها، المجتمع بثقافته وأعرافه وضغطه الأخلاقي والإقتصاد بقدرته على توفير الإستقلال والأمان. ورغم ثقل التاريخ وقسوة المراحل التي مرت بها، فإن السنوات الأخيرة كشفت عن مؤشرات تغيير مهمة، خصوصاً مع بروز جيل شاب من النساء يمتلك أدوات جديدة للخطاب والعمل والمطالبة، من التعليم الجامعي إلى الفضاء الرقمي إلى الحراك المدني. وبين ذاكرة الحرب وطموح ما بعد الحرب يقف مستقبل المرأة العراقية مفتوحاً على إحتمالات متعددة، لن تُحسم عبر تغيير قانون فقط أو حملة إجتماعية فقط، بل عبر إنتقال المجتمع نفسه إلى مرحلة توازن جديدة بين الاستقرار والحرية.




