صحافة وآراء

لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟

ليث شبر

لا يحتاج العراقي اليوم إلى من يقنعه بأن وطنه يعيش أزمة. فهو يراها في بيته، وفي الشارع، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي السوق، وفي كل دائرة حكومية. ولذا فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: ما هي أزمات العراق؟ فهذا السؤال أجبنا عنه آلاف المرات حتى أصابنا الملل. السؤال الحقيقي هو: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟

العراق ليس بلدًا فقيرًا، ولم يكن يومًا يفتقر إلى الموارد والمقومات. فهو يمتلك النفط والغاز والمعادن، والأراضي الزراعية، والمياه، والموقع الجغرافي، والثروة البشرية، والإرث الحضاري. ومع ذلك، تحولت هذه المقومات إلى إمكانات معطلة، لأن الدولة لم تُدَر بعقل الدولة المتقدمة، بل بعقل السلطة الفاسدة، ولم تُبنَ على أساس الكفاءة والقدرة، بل على أساس المحاصصة وتقاسم النفوذ.

انتبهوا نكرر الخطأ عندما نتعامل مع كل أزمة وكأنها قضية مستقلة. فالكهرباء ليست ملفًا منفصلًا، والصحة ليست ملفًا آخر، والبطالة ليست قضية قائمة بذاتها، كما أن المياه، والصناعة، والزراعة، والتعليم، والتضخم، والفساد، والسيادة، ليست جزرًا متباعدة. إنها جميعًا نتائج لمسار سياسي واقتصادي وإداري واحد، وإذا بقي هذا المسار فلن تنجح أي معالجة جزئية، مهما تبدلت الحكومات والوزراء.

الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع أن تحتكر القرار، والدولة التي لا تحتكر القرار لا تستطيع أن تضع سياسة اقتصادية مستقلة، والدولة التي يضعف قرارها الوطني تصبح أكثر عرضة للنفوذ الخارجي، وتفقد قدرتها على الدفاع عن مصالحها وسيادتها. وعندما يختل القرار السياسي، تختل معه كل السياسات الأخرى، فتتراجع الصناعة، وتتقلص الزراعة، ويتوسع الاستيراد، ويتحول المجتمع من منتج إلى مستهلك، ومن صانع للثروة إلى منتظر لعائدات النفط.

حتى لو كنا دولة ريعية تعتمد على النفط، فإن ذلك لا يبرر ما وصلنا إليه. فالدول النفطية الحكيمة تجعل النفط وسيلة لبناء الثروة، لا وسيلة لتمويل الإنفاق فقط. فهي تملأ صناديقها السيادية، وتنوع اقتصادها، وتستثمر فوائضها في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم، لتضمن مستقبل الأجيال القادمة.
أما في العراق، فقد تعاقبت الحكومات على أكبر مورد مالي في تاريخ الدولة الحديثة، لكنها لم تملأ خزائن الوطن، بل استنزفتها وسرقتها وبددتها. وها قد أُنفقت مئات المليارات من الدولارات من دون أن تتحول إلى أصول استراتيجية أو اقتصاد منتج، حتى وجد العراق نفسه، وهو أحد أكبر مصدري النفط في العالم، يواجه أزمات مالية متكررة، وعجزًا عن تمويل كثير من مشاريعه الحيوية، وكأن النفط لم يكن نعمة، بل فرصة تاريخية أُهدرت.

ثم جاء الفساد ليحمي هذا الفشل ويعيد إنتاجه. فلم يعد الفساد مجرد موظف يتلقى رشوة، بل أصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها السياسة والمال والنفوذ، فتمنع المحاسبة، وتعاقب الكفاءة، وتكافئ الولاء. وهكذا أصبح الإصلاح يهدد مصالح المنتفعين، لا مصالح الفاسدين وحدهم.

وفي ظل هذه البيئة، تراجعت القيم العامة. وضعف احترام القانون، وتراجعت هيبة الدولة، وانتشرت ثقافة الواسطة والإفلات من العقاب، حتى أصبح كثير من الشباب يعتقد أن النجاح لا يأتي بالعلم والعمل والإبداع، بل بالقرب من مراكز النفوذ أو حتى القدرة على الفهلوة. وهذه أخطر خسارة يمكن أن تصيب أي وطن، لأنها تصيب الإنسان قبل أن تصيب الاقتصاد.

ولا يمكن تجاهل أثر النفوذ الإيراني في تعقيد المشهد العراقي. فالعلاقة الطبيعية بين الدول تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة، أما عندما يتحول النفوذ الخارجي إلى عامل مؤثر في القرار السياسي والأمني والاقتصادي، وعندما تنشأ قوى تضع أولوياتها خارج إطار الدولة، فإن مشروع بناء العراق يصبح أكثر صعوبة، لأن الدولة لا يمكن أن تنهض بقرار منقسم أو بولاءات متعددة.

لهذا كله، لا يجوز أن نستغرب أزمة الكهرباء، أو انهيار الخدمات الصحية، أو تراجع التعليم، أو البطالة، أو التضخم، أو ضعف الإنتاج، أو اتساع الاستيراد، أو تراجع الزراعة، أو اضطراب الصناعة، أو أزمة المياه، أو رواتب متأخرة فهذه ليست أزمات منفصلة، بل أعراض لمرض واحد اسمه أزمة الدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى