
قبل أن يوقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز على اتفاق مكة للدفاع المشترك. قبل ذلك بيوم كان قد صدر عن وزراء الخارجية في السعودية والأردن والإمارات وقطر وأندونيسيا وباكستان ما يدين الإنتهاكات الاسرائيلية في غزة وضم الأراضي الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني. وهذا شأن غاب كليا عن اتفاق الدفاع المشترك وإن كان تشكيله يسعى إلى إقامة نظام اقليمي يحتوي النفوذين الايراني والاسرائيلي ويضع حدودا لهما. وهذا طموح مبالغ فيه رغم الإشارة إلى اعتبار أي اعتداء على أي دولة من ’’دول اتفاق مكة‘‘ هو اعتداء على الدول المشاركة فيه.
مقاربة الغرب الأميركي والأوروبي إلى ’’اتفاق مكة‘‘ أنه محاولة لإنشاء ’’هلال سني‘‘ يوازي ما تمّ تسميته بـ’’الهلال الشيعي‘‘ الذي مبدئيا لم يعد قائما بعد أن توسّع النفوذ الأميركي في سوريا والعراق ونجحت إلى حدود معيّنة في قيام تنسيق ما بين الحكومة العراقية برئاسة الدكتور علي الزيدي وبين الرئيس السوري أحمد الشرع وفي ترميم خط أنابيب من كركوك إلى بانياس وإنشاء خط أنابيب من سنجار في اقليم كردستان إلى بانياس وخط أنابيب من كركوك إلى جيهان في تركيا إضافة إلى شراكات اقتصادية ومالية. ولا يخفى في هذا المجال أن واشنطن تسعى إلى تكريس ’’هلال أميركي‘‘ يشمل العراق وسوريا ولبنان والأردن أي ’’سوريا الطبيعية‘‘ في أدبيات المفكّر وصاحب النظرية السورية القومية أنطون سعادة.
هندسة ’’اتفاق مكة‘‘ ليست واشنطن بعيدة عنه وتحديدا الرئيس دونالد ترامب الذي يريد عمليا إعادة تعريف النفوذ الايراني والاسرائيلي معا في المنطقة مع حفظ دولة ايران واسرائيل في حدود محكومة أميركيا. وهو يراهن في هذا المجال على دور خاص لتركيا في الدوائر الثلاث لبنان وسوريا والعراق وعلى إعطاء أنقرة مكانا مميزا في الشأن الفلسطيني باعتباره يضبط السلوك التركي من الذهاب إلى مواجهة عسكرية مع دولة اسرائيل كما يكون الرئيس التركي عائقا أمام نفوذ روسيا والصين في الشرق الأوسط وكما يكون عائقا أمام استثمار ايران للموضوع الفلسطيني.
هذه الهندسة الأميركية من خلف الستار بالغة التعقيد وقد تلقى اعتراضات أميركية داخلية بتفسير أنها نوع من الإنسحاب الأميركي العسكري من الشرق الأوسط والإعتماد على ’’وكلاء محليين‘‘ في توقيت غير مناسب. كما تعطي تبريرا لنتنياهو لعدم التجاوب مع السياسات الأميركية هذه كونه يخشى من كون ’’الهلال السني‘‘ هو تحريض للتنظيمات الاسلامية المتطرفة وللأخوان المسلمين لحشد العالم الإسلامي في مواجهة دولة اسرائيل عسكريا في الوقت الذي خرجت فيه الأنظمة العربية من معادلة الصراع عبر جيوشها النظامية التي تفككت في أكثر من مكان.
’’ثلاثة هلالات‘‘ تهز منطقة الشرق الأوسط. ’’هلال سني‘‘ و’’هلال شيعي‘‘ و’’هلال أميركي‘‘. إضافة إلى مشروع اسرائيلي توسّعي باتجاه ’’سوريا الطبيعية‘‘ ومعه رغبة تركيّة باستعادة بناء الامبراطورية التركيّة من جديد بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية وتحت عباءتها. وكل ذلك يؤدي إلى تشابك وتعارضات كثيرة ما يجعل مصير الهندسة الأميركية للمنطقة يرتبط أولا وأخيرا بالمفاوضات الأميركية-الايرانية وعلى أي وضع سترسو. خصوصا وأن الفجوات كثيرة في اليمن والعراق وفي علاقة اسرائيل بالجوار وفي كون رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو نجح في تحويل مخاوفه الأمنية إلى ’’مشروع‘‘ استجابت له حتى المعارضة الاسرائيلية على أبواب الإنتخابات الاسرائيلية.




