صحافة وآراء

موسكو تحرز نجاحا مشهودا في قمة آلاسكا

د. أيمن أبو الشعر

لن تكون هناك رسوم جمركية على الصين لشرائها النفط الروسي، وليس هناك وقف لإطلاق النار وعلى كييف أن تعقد صفقة التبادل مع موسكو

تعلَّقت أنظار العالم في الأيام الأخيرة بما يمكن أن تتمخض عنه قمة ترامب وبوتن في ولاية آلاسكا، وخاصة الأنظار في أوروبا، لتأتي النتيجة مدهشة ومفاجئة لأوروبا نفسها بالدرجة الرئيسية حيث يمكن اعتبارها قمة ناجحة تماما بالنسبة لموسكو.

محاولات أوربية للتأثير على ترامب
سبق القمة الروسية الأمريكية نشاطات حثيثة من قبل الزعماء الغربيين لإعاقة هذه القمة عبر التأثير على الرئيس الأمريكي ترامب، فسارع بعض الزعماء الأوربيين وفي مقدمتهم رئيس وزراء بريطانيا ستارمر والرئيس الفرنسي ماكرون والمستشار الألماني ميرتس ورئيسة الوزراء الإيطالية ميلوني والمفوضية الأوروبية أوروسولا فون دير لاين وغيرهم لمناقشة ما يمكن أن يقدم عليه الرئيس ترامب، وأصدروا بيانا هو في الواقع مطالب توضع أمام الرئيس ترامب قبيل لقائه مع بوتن، وتركز على ضرورة وقف إطلاق النار وأن تكون أوكرانيا حاضرة في أي نقاش يمسها ، والتشديد على ضرورة ضمان أمن أوكرانيا وأوروبا معا ، وحذر الرئيس الأوكراني من أنه لن يوافق على التخلي عن أية قطعة من الأراضي الأوكرانية، تبع ذلك عشية القمة حوار بين هؤلاء الزعماء مع الناتو يشير إلى التخوف من هذه القمة وما يمكن أن يتخذه الرئيس ترامب دون أوكرانيا التي لم يدعَ رئيسها لحضور هذه القمة، وتم التواصل مع الرئيس ترامب لإقناعه بهذه الإطروحات مما اعتبرته موسكو ضمنيا محاولة لفرض شروط أوروبا على ترامب، الذي وعد بأخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار، وربما كتم انزعاجه مما يمكن اعتباره في الواقع إملاء من أوروبا على رئيس الدولة التي دأبت هي على قيادة أوروبا.

حيثيات اللقاء في آلاسكا
تم ترتيب هذه القمة على عجل نتيجة طبيعة الرئيس الأمريكي الذي يود تنفيذ ما يخطر بباله بأسرع ما يمكن خاصة أنه كان قد أعلن قبيل وصوله إلى البيت الأبيض أنه سيحل الأزمة الأوكرانية خلال يوم واحد، وقد مضت شهور، وبالتالي وافقت موسكو على عقد القمة التي جرت في ولاية آلاسكا التي تحمل رمزية خاصة إذ كانت أرضا روسية باعها القيصر ألكسندر الثاني عام 1867 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن اختيار واشنطن لها كمكان للقمة الروسية الأمريكية يحمل رمزيا تأكيدا على قوة وهيمنة أمريكا، وفي في الوقت نفسه كونها الأقرب جغرافيا لروسيا وحرصَ الرئيس الأمريكي على أن يكون اللقاء المباشر بين الزعيمين على السجادة الحمراء ليسيرا معا لتحية حرس الشرف حتى لا يقال أن الرئيس بوتن هو الذي استقبل الرئيس ترامب، أو أن الرئيس ترامب اضطر لانتظار الرئيس بوتن، والنقطة الهامة هنا هو أن الرئيسين سارا معا بود ظاهر واستقل الرئيس بوتن سيارة الرئاسة الأمريكية مع الرئيس ترامب ليؤكد أيضا رمزيا على تجاوز البروتوكولات بين الأصدقاء.

قمة لصالح روسيا في الجوهر
ولابد من التنويه بأن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القمة هو الحرص إعلاميا على وصفها قبيل انعقادها بالقمة التاريخية، والإشادة بها باعتبارها حدثا نوعيا غير عادي، ثم الاعتراف من معظم وسائل الإعلام العالمية وخاصة الغربية أنها لم تحقق أي اتفاق بشأن أوكرانيا ، وهو ما كان ينتظره الأوربيون وسعوا بتكثيف جهودهم لإيصاله للرئيس ترامب حتى بما يشبه الإنذار، لكن حيثيات القمة أظهرت مع ذلك أمورا جدية ولو من الجانب الشكلي، وكانت هامة بالفعل لتكرس أن القمة في الواقع كانت لصالح روسيا، فقد بات واضحا أن الرئيس بوتن استطاع بذكائه المعهود إقناع الرئيس ترامب بأنه جاهز وبصدق لحل الأزمة الأوكرانية التي تستوجب قبول الطرف الآخر بالصفقة وبما أن الرئيس ترامب هو صاحب فكرة الصفقة فإنه وافق على عدم طرح هذه المسألة وأن تترك ليحلها الرئيسان الروسي والأوكراني معا، كما لم يتم حسم المطلب الرئيسي للأوربيين وكييف، وهو وقف إطلاق النار فهو أمر يمكن أن يكون نتيجة منطقية للإقرار بتسوية دائمة تفضي إلى سلام قوي وراسخ.

تبدّى ذلك بوضوح في المؤتمر الصحفي الذي كان مقتضبا ودون إعطاء فرصة الإجابة عن أسئلة الصحفيين، وهذا أمر بالغ الأهمية فبوتن يدرك ضمن خبرته المديدة أنه سيكون في ظرف غير مناسب، وقد يتجرأ بعض الصحفيين لتوجيه أسئلة جارحة، فهو يعرف جيدا أنه أمام قاعة ملأى بالصحفيين المؤيدين لأوكرانيا والمناهضين له وليس أمام قاعة محايدة، زد على ذلك أن الرئيس بوتن تحدث زمنيا ضعف المدة التي تحدث فيها الرئيس ترامب وقام بتلخيص مواقف روسيا فاتحا بذلك اعتمادا جديدا للعلاقات المتكافئة مع العالم الغربي الذي شن ضد روسيا حربا اقتصادية شعواء ما زالت مستمرة بكل ارثها المضني على الأوربيين أنفسهم، فقد سعوا للإساءة إلى روسيا ولو بنسبة ثلاثين بالمئة والإساءة لأنفسهم بنسبة سبعين بالمئة، وقد ركز الرئيس الروسي في كلمته على مدى أهمية تعاون روسيا والولايات المتحدة مبينا أنهما جارتان لا يفصل بينها سوى مضيق بيرينغ، وأن هناك تاريخا مشتركا مجيدا من خلال التعاون إبان الحرب العالمية الثانية لهزيمة العدو المشترك- النازية، وضرورة العودة إلى هذا التعاون منوها بأن روسيا مهتمة بطل صدق بإنهاء النزاع الأوكراني، وأبرز حتى تعاطفه الإنساني مع الشعب الأوكراني الذي تعتبره روسيا شعبا شقيقا، وهو طرح يحمل طابعا إنسانيا مؤثرا يفتح على الأقل عدسة جديدة أمام الغرب ليصحح رؤيته، ويشير إلى الرئيس الأوكراني بحقيقة تناسها القوميون الأوكرانيون المتشددون…

ومع ذلك يمكن القول أن مجمل تصريحاته أغفلت ما ينتظره الجميع: على ماذا تم الاتفاق بينه وبين الرئيس ترامب الذي اعتبر بنفسه أن مهمة وقف القتال يجب أن يتفق عليها الرئيسان الأوكراني والروسي نفسيهما، وأنه سيجري اتصالاته مع زيلينسكي وقادة حلف شمال الأطلسي بهذا الصدد، كل ذلك دفع إلى ظهور تعليقات حساسة وفجة أحيانا حيث رأت الفاينانشال تايمز البريطانية أن هناك تغييرات جدية وتحول نوعي في السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا، وقالت صحيفة ذا هيل الأمريكية أن الرئيسين بوتين وترامب جعلا العالم في حيرة يوم الجمعة بعد قمة تاريخية لم تُسفر عن أي تفاصيل حول ما تمت مناقشته، وما تم الاتفاق عليه، وما تبقى من نقاط خلاف لإنهاء نزاع أوكرانيا،، وذهبت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أبعد من ذلك معتبرة أن استقبال ترامب لنظيره الروسي بهذه الحفاوة الكبيرة والحميمية يشير إلى ابتعاد الولايات المتحدة عن الخط المؤيد لأوكرانيا الذي كان يتبناه سلفه جو بايدن بقوة، ويكرس دعوة لعودة روسيا إلى الساحة الدولية، وبصريح العبارة اعتبرت “بوليتكو القمة انتصارا لبوتن في آلاسكا، وأبرزت الغارديان تصريح ترامب الذي ينصح فيه زيلينسكي بإبرام صفقة مع الرئيس بوتن، بمعنى الموافقة على شروط موسكو.

ربما لم يكن صدفة أن تُبرز الصحافة الروسية تصريحات الرئيس ترامب التي توضح قربه من الموقف الروسي، وأنه غير مستعد لخوض حرب باهظة الثمن لتقديم الغطاء لأوروبا، وأنه لن يفرض رسوما جمركية على النفط الروسي الذي تشتريه الصين بعد أن حقق هذا التقدم مع الرئيس بوتن حسب البرافدا رو نقلا عن تصريحات ترامب لقناة فوكس نيوز إثر قمة آلاسكا.
بقي أن نشير أن الوقت يمر لصالح روسيا حتى ميدانيا حيث تقدم الجيش الروسي في الأسبوع الأخير وحسب قرابة عشرة كيلومترات، وتمكن من انتزاع عدة بلدات، عدا عن توغله حتى خارج حدود المقاطعات الأربع التي انضمت لروسيا، من هنا تبدو نصيحة الرئيس ترامب في محلها من جهة وبالغة الحيوية من جهة ثانية، ذاك أن الواقع الميداني يؤكد أن الطامحين لإلحاق هزيمة استراتيجية واهمون ويحاولون ممارسة المقولة التي انتشرت تعليقا على هذه الحرب ” أن الغرب سيحارب روسيا حتى آخر جندي أوكراني”.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى