دولي

إجماع غير مسبوق: لماذا توحّد مجلس الأمن لزيارة سورية؟

ماتريوشكا نيوز

في الثامن من ديسمبر 2024 تحررت سورية من حكم عائلة الأسد، العائلة الأكثر عمالة ودناءة من الأب إلى الإبن إلى الأقرباء.. العائلة التي ضحكت على ذقون ورتب وعمائم وحجاج ومشايخ وسادة في البلاد لتراقبهم وتغدر بهم، “كما ومع الصهاينة”.. واليوم يزداد الأمل في أن يكون تحرير سورية هو إنطلاقة لتحرير فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، وبهذه المناسبة الفذة تتقدم أسرة وكالة أنباء “ماتريوشكا نيوز” للشعب السوري بأسمى آيات التبريك والتهنئة بهذا الإنجاز العظيم، ونأمل أن يكون النظام السوري الحالي خير مرآة تعكس طبيعة ذلك الشعب الذي عانى الأمرين من حكم الأسدين.

وبهذه المناسبة تنشر وكالة أنباء “ماتريوشكا نيوز” مادة خاصة بعنوان “إجماع تاريخي.. ما الذي وحّد مجلس الأمن لزيارة سورية؟” تناول فيها الزميل باسل المحمد على “تلفزيون سورية” الخلفيات التي أدّت إلى توافق غير مسبوق داخل مجلس الأمن على زيارة دمشق، وذلك في الذكرى الأولى لتحرير البلاد. توضح المادة أن الزيارة جاءت نتيجة تحولات سياسية داخلية وخارجية، وبفعل التزام الحكومة السورية بالمسار الانتقالي، وتعهداتها في القرار 2799، إضافة إلى رغبة دولية بدعم الاستقرار في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وتشير القراءة إلى أن المجتمع الدولي يرى في المرحلة السورية الجديدة فرصة لإعادة بناء الثقة وتثبيت وحدة البلاد، ما جعل الزيارة لحظة دبلوماسية استثنائية في تاريخ العلاقة بين سورية ومجلس الأمن.


في سابقة دبلوماسية لم تشهدها سورية منذ تأسيس الأمم المتحدة، توحّد مجلس الأمن بأعضائه الدائمين وغير الدائمين على زيارة دمشق، في إجماع يُعدّ الأول من نوعه تجاه بلد ظلّ لعقود عنواناً للانقسام والتجاذب داخل أروقة المنظمة الدولية.

فبعد أن كانت سورية خلال حكم الأسدين ملفاً مُثقلاً بالأزمات ومحلّ صراع بين القوى الكبرى، تحوّلت اليوم إلى ساحة يسعى المجتمع الدولي إلى دعم استقرارها وتعزيز وحدتها ومساندة شعبها في عبور المرحلة الانتقالية.

وجاءت زيارة وفد مجلس الأمن الخميس، حيث استقبل الرئيس أحمد الشرع وأعضاء الحكومة الوفد في قصر الشعب بدمشق، وما يزيد من رمزية هذه الزيارة وأهميتها بالنسبة لسورية أن أي خطوة بهذا المستوى لا تتم إلا بإجماع كامل بين أعضاء مجلس الأمن وفق نظامه المعمول به، وهذا ما يجعلها ـ بحسب مراقبين ـ لحظة استثنائية في سياق علاقة سورية بالمجتمع الدولي.

أمام هذا التحول اللافت يبرز السؤال: ما الذي جمع هذه الدول المتباينة الرؤى والمصالح على زيارة سورية، ولِمَ الآن تحديداً؟

بناء الثقة في ذكرى التحرير

لا يمكن فصل زيارة مجلس الأمن لدمشق عن اللحظة الوطنية التي تعيشها البلاد، فالوفد الدولي وصل في وقت تستعيد فيه سورية ذكرى إسقاط النظام المخلوع، وسط احتفالات شعبية تُذكّر بعامٍ أول شهد تحولات واضحة على مستوى الداخلي والخارجي. هذا التزامن يمنح الزيارة طابعاً رمزياً، ويحولها من مجرد خطوة دبلوماسية إلى رسالة متعددة الطبقات حول نظرة المجتمع الدولي لسورية الجديدة.

السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي وصف التوقيت بأنه يحمل “رسالة تضامن واضحة” مع الشعب السوري في ذكرى التحرير، مشيراً إلى أن أعضاء مجلس الأمن باتوا ينظرون بجدية إلى “الإنجازات” التي تحققت خلال العام الماضي، وفي مقدمتها تعزيز الاستقرار وتثبيت مسار الانتقال السلمي.

وفي تصريحات لوكالة سانا شدّد العلبي على أن الزيارة تعكس تقدير مجلس الأمن لحجم الجهود التي أخرجت البلاد من مرحلة الخطر التي طبعت سنوات النظام المخلوع، وأنها تأتي دعماً لسورية في عامها الأول بعد التحرير، وإشارة إلى استعداد دولي أوسع للتعامل مع واقعها الجديد.

أما رئيس الوفد سامويل زبوغار، فركّز خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الوفد في فندق سميراميس بدمشق على أن الهدف الأساسي هو “بناء الثقة” مع السوريين، مؤكداً أن مستقبل البلاد يجب أن يكون “سورياً بقيادة وملكية سوريتين”.

وأضاف أن الزيارة تحمل رسالة تقدير لصمود السوريين، وتشجيعاً للجهود المبذولة لبناء سورية جديدة، مع التشديد على أن رفع العقوبات يمثل البوابة الأولى نحو بدء عملية الإعمار.

وفي هذا السياق يوضح المستشار والمقرب من دوائر صنع القرار للسياسة الخارجية الروسية رامي الشاعر بأن المجتمع الدولي بات يدرك قيمة تضحيات الشعب السوري وكل ألون المأساة التي عاناها الشعب السوري في سعيه لنيل حريته.

وأكد الشاعر في حديثه لموقع تلفزيون سورية، أن ما نراه اليوم من مظاهر الترحيب شعبياً ودولياً بالقيادة السورية الجديدة هي رد طبيعي لإنجازات الشعب السوري وسعيه لبناء واستقرار دولته.

التزام سوري يبدد المخاوف الدولية

تُظهر دمشق في الأشهر الأخيرة نشاطاً دبلوماسياً لافتاً، يعكس رغبتها في فتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي، ولا سيما مع الدول التي ما زالت تبدي حذراً تجاه السلطة الجديدة في البلاد.

وإلى جانب الزيارات المتبادلة والحوارات المفتوحة، تحاول الحكومة السورية طمأنة أعضاء مجلس الأمن بأن المرحلة الانتقالية تسير وفق الالتزامات الدولية المتعلقة بالسلم والأمن، وبأن مسار الإنتقال السياسي يُدار ضمن رؤية واضحة تحترم القرارات الأممية ذات الصلة.

هذا الإنفتاح وفق قراءة العديد من المراقبين لعب دوراً مهماً في توحيد الموقف داخل مجلس الأمن لأول مرة منذ سنوات.

الباحث بكر غبيتس، رئيس منظمة “مواطنون لأجل أمريكا آمنة” يرى أن ما جمع الدول الخمس عشرة على زيارة سورية هو إدراكها لحجم التغيّرات التي شهدتها البلاد خلال فترة قصيرة، ويقول لموقع تلفزيون سورية: ما وحّد مجلس الأمن هو أهمية التغيرات الحاصلة في سورية وسرعتها وجذريتها، إضافة إلى الإيجابية من المجتمع المحلي والدولي في التعاطي معها، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ودعم الرئيس ترمب الواضح للرئيس السوري الشرع.

ويضيف غبيتس أن الحكومة السورية لم تكتفِ بمحاولة طمأنة الدول، بل بدت وكأنها تحصد ثمرة جهودها الداخلية للحفاظ على وحدة البلاد، ومواجهة كل الدعوات التي روّجت للانقسام أو الفيدرالية أو التشكيك بشرعية الحكم الجديد، معتبراً أن هذا الأداء عزّز من فرص حصول دمشق على دعم دبلوماسي واضح، وانعكس في توافق نادر داخل مجلس الأمن.

من جانبه يربط الباحث السياسي درويش خليفة هذا الإجماع بالقرار الأخير للمجلس رقم 2799، الذي شمل رفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، إضافة إلى ما تضمّنته فقرته الرابعة من التزامات واضحة تعهدت بها سورية.

ويقول خليفة لموقع تلفزيون سورية، إن القرار أشار صراحة إلى التزام دمشق بضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومكافحة الإرهاب بما في ذلك داعش والقاعدة والمقاتلون الأجانب، وهو ما شكل عنصراً مهماً في بناء الثقة مع الدول الأعضاء.

ويتابع خليفة موضحاً أن التزام الحكومة السورية لم يقتصر على الجوانب الأمنية والإنسانية، بل شمل ملفات أساسية أخرى مثل حماية حقوق الإنسان لجميع السوريين دون تمييز، مكافحة المخدرات وتعزيز العدالة الإنتقالية، ومنع إنتشار الأسلحة الكيميائية والتخلص من مخلفاتها، إضافة إلى تثبيت الإستقرار الإقليمي، والمضي في عملية سياسية شاملة بقيادة وملكية سورية.

دعم إستقرار سورية بوجه الإعتداءات الإسرائيلية

تأتي زيارة وفد مجلس الأمن إلى دمشق في لحظة تتصاعد فيها الإعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وآخرها إستهداف بلدة بيت جن الذي أسفر عن إستشهاد 13 مدنياً، هذا التزامن منح الزيارة بعداً إضافياً، لتُقرأ كرسالة دعم لوحدة سورية وإستقرارها، في مواجهة إعتداءات ترى فيها الأمم المتحدة خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي ومسار التعافي الداخلي.

من ناحيته أكد السفير إبراهيم علبي أن الإعتداءات الإسرائيلية كانت محوراً بارزاً في نقاشات الرئيس الشرع مع وفد المجلس، وأوضح علبي في تصريحه لـ “سانا” أن الوفد إستمع إلى رؤية الرئيس الشرع لمستقبل البلاد، وأن العديد من أعضاء المجلس تساءلوا عمّا يمكن أن يقدمه المجلس في هذا السياق، ليأتي جواب الرئيس مركّزًا على ضرورة حماية وحدة سورية وسلامة أراضيها، والعمل على وقف الإعتداءات الإسرائيلية التي تعرقل الإستقرار.

من ناحيته يرى المستشار رامي الشاعر أن أهمية الزيارة تتضاعف بالنظر إلى أنها تأتي بعد التصويت الواسع للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أيّد 123 بلداً مشروع القرار المتعلق بعودة الجولان السوري وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي السورية، مقابل اعتراض سبعة دول فقط وامتناع 41 دولة عن التصويت. ويعكس هذا التصويت “وجدان المجتمع الدولي” وتفهمه للطريق الطويل والشاق الذي خاضه السوريون للوصول إلى هذه اللحظة المفصلية، يضيف الشاعر.

كما يقول، أن الشعب السوري بالانتصار الذي حققه بقيادته الحالية أثبت للعالم بأجمعه أنا إرادة الشعوب لا يمكن أن تقهر وأن ما ورد في ميثاق الامم المتحدة بحق الشعوب في تقرير مصيرها وحريتها شيء مقدس وهذا الانتصار بقيادة الرئيس أحمد الشرع يعتبر انتصار لمصالح وكفاح جميع دول العالم للتقدم والازدهار والعيش في سلام.

وفي السياق ذاته يوضح السياسي بكر غبيتس أن الزيارة تُقرأ أيضاً كإشارة دبلوماسية موجهة لإسرائيل، التي واصلت إعتداءاتها على سورية منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق. ويعتبر غبيتس أن حضور مجلس الأمن في دمشق هو بمثابة موقف سياسي ضمني مفاده أن إستقرار سورية أصبح جزءاً من أولويات المجتمع الدولي، وأن أي إستهداف لأمنها يتعارض مع المسار الذي يسعى المجلس لتثبيته. وفي هذا السياق يمكن القول إن زيارة مجلس الأمن رسالة مزدوجة؛ فهي تضامن مع سورية في مواجهة الإعتداءات، ودعم لمسار الاستقرار الذي يحاول المجتمع الدولي حمايته من أي تهديد خارجي من جهة أخرى.

وكان وفد من الأمم المتحدة قد زار أمس الخميس منطقة “بيت جن” للإطلاع على آثار العدوان الإسرائيلي الأخير، وفق ما أفاد به مراسل تلفزيون سورية. وتشير الزيارة الميدانية إلى إهتمام مباشر من الأمم المتحدة برصد أثر هذه الإعتداءات على المدنيين، وما يخلّفه إستمرارها من تهديد حقيقي لإستقرار البلاد.

وأدانت نائبة المبعوث الأممي إلى سورية، نجاة رشدي، الجمعة الماضية التوغل العسكري الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق، معتبرةً هذه الأعمال “إنتهاكاً جسيماً وغير مقبول لسيادة سورية ووحدة أراضيها”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى