
بين منطق الصفقة ومنطق البقاء: واشنطن وتل أبيب أمام اختبار المصالح المتصادمة!
مارلين موسى
لا تبدو القمة المرتقبة بين دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو محطة سلام بقدر ما هي لحظة كشف للتناقض البنيوي بين رؤيتين مختلفتين للمنطقة. فالرجلان، رغم التقاطع الظاهري في الخطاب والتحالف، يتحركان بدوافع متعارضة، لكل منهما حساباته الداخلية وأولوياته الزمنية، ما يجعل أي مخرجات واضحة أو مستقرة موضع شك حقيقي. ترامب، العائد إلى المشهد السياسي بعقلية رجل الصفقات، ينظر إلى عام 2026 بوصفه عامًا حاسمًا لتثبيت إنجازات قابلة للتسويق الانتخابي. الشرق الأوسط، في نظره، ليس ساحة صراع بقدر ما هو ملف يجب “ضبطه” وإدارته بأقل كلفة ممكنة، بما يسمح بتقديم صورة الرئيس القادر على احتواء الأزمات، لا الغارق فيها. التهدئة النسبية، إدارة التوتر، وإعادة توزيع أوراق النفوذ، كلها عناصر تخدم هذا الهدف، حتى لو لم تصل إلى حلول نهائية.
في المقابل، يقف نتانياهو في موقع مغاير تمامًا. بالنسبة له، أي مسار تهدئة حقيقي يحمل في طياته خطرًا وجوديًا على مستقبله السياسي. فالرجل محكوم بائتلاف يميني متطرف يرى في الحرب، بأشكالها المختلفة، أداة بقاء لا خيارًا اضطراريًا. استمرار التصعيد، أو على الأقل إبقاء المنطقة في حالة اشتعال مضبوط، يمنحه هامش مناورة داخليًا، ويؤجل استحقاقات سياسية وقضائية تهدد موقعه، من هنا، لا يكمن السؤال الجوهري في ما يريده ترامب، بل في ما يستطيع نتانياهو الالتزام به فعليًا. التجربة السابقة تشير إلى أن التفاهمات مع الحكومات الإسرائيلية، وخصوصًا في عهد نتانياهو، غالبًا ما تُستخدم كترتيبات مؤقتة سرعان ما يتم الانقلاب عليها أمنيًا عند أول اختبار ميداني. الالتزام السياسي يبقى هشًا حين يتعارض مع منطق “الأمن الوقائي” الذي تتذرع به تل أبيب.
- إيران بعد 47 عاماً من الثورة… إلى أين؟

- زيارة كاشفة لحقيقة من يحكم أميركا اليوم: ترامب أم نتنياهو؟

- مساحة نفوذ طهران ومعها حزب الله في خيارات التفاوض

- ماذا اكتشفنا بعد 19 عاما من خطاب ميونيخ؟

في الساحة اللبنانية، يبرز هذا التناقض بوضوح. فواشنطن قد تسعى إلى خفض منسوب التوتر ومنع الانفجار الشامل، لا بدافع السلام، بل لتفادي توسع الصراع بما يربك أولوياتها الإقليمية. غير أن هذا لا يعني بالضرورة كبح يد إسرائيل بالكامل. بل إن السيناريو الأرجح يتمثل في غضّ نظر عن تصعيد محسوب، يوظَّف كورقة ضغط في التفاوض، لا كحرب مفتوحة. أما نتانياهو، فينظر إلى الجنوب اللبناني كفرصة لإعادة رسم وقائع ميدانية، من خلال توسيع المنطقة العازلة وتكريسها كأمر واقع، وعليه، تبدو القمة مفصلية من حيث قدرتها على تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، لكنها محدودة القدرة على إنتاج تسوية مستقرة. فالتناقض بين عقلية الصفقة الأميركية وعقلية البقاء الإسرائيلية لا يسمح ببناء مسار طويل الأمد. ما قد ينتج هو إدارة أزمة مؤقتة، لا حلًا جذريًا، وتفاهمات هشة سرعان ما تختبرها الوقائع الميدانية.
في النهاية، نحن أمام لقاء قد يرسم حدود الحركة لا نهايات الصراع، ويؤجل الانفجار بدل أن يمنعه، في منطقة اعتادت أن تدفع ثمن تضارب الحسابات الدولية والمحلية معًا.




