
تحركات مريبة في العراق.. واشنطن تعيد تموضعها في الصحراء الغربية ونتنياهو يرسم خريطة الحرب المقبلة من عين الأسد!
ريم حسن خليل
يبدو أن العراق يدخل مجدداً دائرة الغموض الأمني وسط تحركات عسكرية غير مسبوقة في الصحراء الغربية، بينما تشير أصابع الاتهام إلى تنسيق غير معلن بين واشنطن وتل أبيب لإعادة رسم مشهد الصراع في المنطقة. فبحسب مصادر خاصة، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حدد جبهة الاشتعال القادمة، فيما بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهيئة الأجواء ميدانيًا انطلاقًا من العراق، وتحديدًا من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار.
في الليالي الماضية، دوّت أصوات محركات ضخمة داخل القاعدة، وأشارت شهود محليون إلى حركة غير معتادة للمعدات الثقيلة والطائرات، وكأن فصلاً جديداً من الوجود الأمريكي يُكتب من جديد على أرض الرافدين. وعلى عكس ما رُوّج له رسمياً، لم تكن تلك التحركات مقدمة لانسحاب كما أعلنت بغداد في سبتمبر 2024، بل لإعادة تمركز استراتيجي يوحي بأن واشنطن لن تغادر العراق قريباً.
تؤكد مصادر أمنية عراقية مطلعة أن القوات الأمريكية أدخلت خلال الأيام الأخيرة معدات عسكرية متطورة وأجرت تدريبات ميدانية موسعة بالتزامن مع وصول جنود من الأراضي السورية إلى عين الأسد. كما تم رصد أعمال حفر أنفاق وخنادق ونشر منظومات مراقبة وطائرات استطلاع بدون طيار فوق مناطق هيت والبغدادي والمحمدي، ما يشير إلى أن القاعدة تتحول تدريجياً إلى مركز عمليات متقدم، لا إلى موقع انسحاب كما تعلن البيانات الرسمية.
أحد المسؤولين الأمنيين العراقيين وصف المشهد بأنه “غامض ومربك ومريب”، مؤكداً أن الحكومة لم تتلقَ أي إخطار رسمي من واشنطن بشأن هذه التحركات، لا من السفارة الأمريكية في بغداد ولا من وزارة الدفاع الأمريكية. المفارقة أن حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كانت قد أعلنت في سبتمبر الماضي بدء “انسحاب منظم” للقوات الأمريكية، وروّجت للخطوة كإنجاز سياسي، لكن الوقائع الميدانية تثبت العكس، فالإدخال المستمر للمعدات يثير الشكوك حول النوايا الحقيقية.
وبحسب أحد مستشاري رئاسة الوزراء، فإن ما جرى لم يكن انسحابًا منسقًا، بل تحركًا أمريكيًا أحاديًا لم يتم التشاور حوله مع بغداد، مضيفًا أن السوداني طلب توضيحًا رسميًا من إدارة ترامب ولم يتلقَ أي رد حتى الآن. هذه المعطيات دفعت بعض المسؤولين العراقيين إلى اعتبار إعلان الانسحاب مجرد دعاية انتخابية داخلية أكثر من كونه قرارًا حقيقيًا على الأرض.
من جانبها، ترى الفصائل الشيعية العراقية، وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقي، أن التحركات الأمريكية تشكل خرقاً مباشراً للسيادة وتهدف إلى تثبيت موطئ قدم استراتيجي استعداداً لمواجهة محتملة مع إيران أو حزب الله. فبحسب تقديرات ميدانية، تخشى تل أبيب وواشنطن أن تلعب الفصائل العراقية دوراً حاسماً في أي حرب إقليمية قادمة، لذلك يسعى نتنياهو إلى ضمان بقاء القوات الأمريكية حتى يتم تحييد القوى الموالية لإيران داخل العراق.
ويرى مراقبون أن ما يجري في الأنبار ليس مجرد نشاط روتيني، بل إعادة تموضع محسوبة ضمن خطة أمريكية إسرائيلية أشمل. فإدارة ترامب، المنشغلة بملف غزة، تضع نصب أعينها “الجبهة العراقية” كورقة ضغط إضافية على طهران، سواء من خلال التحرك العسكري المباشر أو عبر أدوات اقتصادية وسياسية لاحقة. الهدف، كما يراه بعض المحللين، هو خنق إيران من الداخل وإضعاف أذرعها في العراق ولبنان وسوريا، ومنعها من إعادة التموضع بعد الحرب الأخيرة.
وليس خافياً أن الوجود الأمريكي في العراق كان ولا يزال محوراً لتوازنات إقليمية معقدة. فمنذ الغزو عام 2003، تعاقبت الوعود بالانسحاب الكامل دون أن تتحقق فعلياً، وتبدّلت المسميات من “احتلال” إلى “وجود قتالي”، ثم إلى “مستشارين عسكريين”، بينما ظلت القواعد الأمريكية قائمة في مواقعها: من عين الأسد في الأنبار وبلد في صلاح الدين إلى النصر في بغداد وأربيل وتلعفر وواسط.
هذا التوزيع العسكري لا يعكس نية انسحاب، بل استراتيجية مراقبة طويلة المدى تشمل متابعة النشاط الإيراني عبر الحدود السورية، وقطع خطوط الإمداد نحو حزب الله، وضمان النفوذ الأمريكي في كردستان والعاصمة بغداد.
اليوم، ومع تصاعد التحركات العسكرية داخل العراق وتزايد التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، يبدو أن المشهد الإقليمي يتجه نحو مرحلة أكثر سخونة، وأن العراق قد يعود مجدداً إلى قلب العاصفة. فبين وعود الانسحاب وواقع التمركز، وبين الشعارات الدبلوماسية والحسابات العسكرية، تُكتب من جديد فصول اللعبة الأمريكية في الشرق الأوسط -هذه المرة من بوابة الصحراء الغربية العراقية.




