غير مصنف

النفط ليس هو الحل

د. ليث شبر

استمعت إلى حديث رئيس الوزراء علي الزيدي في منتدى حوار بغداد عن طموح العراق لرفع إنتاجه النفطي إلى عشرة ملايين برميل يومياً وأكثر، فتوقفت عند الرقم طويلاً، لأن العراق اعتاد أن يقيس مستقبله بحجم ما يستخرج من باطن الأرض. وهذه في تقديري إحدى أهم مشكلات التفكير الاقتصادي التي ينبغي أن نتحرر منها، فالدولة التي تملك ثروة ناضبة بهذا الحجم يفترض أن يكون همها الأول تعظيم القيمة التي تصنعها من هذه الثروة، لا تعظيم كمية استخراجها، وأن يكون السؤال الذي يرافق كل برميل هو ماذا سيبقى منه للعراق بعد أن يخرج من الأرض، وما الذي سيضيفه إلى حياة العراقيين واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.

النفط ليس ملكاً لحكومة ولا لجيل ولا لموازنة، وإنما هو ثروة وطنية ملك للعراقيين جميعاً، لنا ولأبنائنا ولأبنائهم ولكل الأجيال القادمة، وهذه الحقيقة تفرض علينا طريقة مختلفة تماماً في التعامل معه. عندما نبيع النفط الخام ونستهلك عائداته في الإنفاق الجاري فإننا نستهلك جزءاً من ثروة الأجيال، أما عندما نحول عائداته إلى مصانع وشبكات نقل وموانئ وطاقة ومياه وجامعات ومراكز بحث وتكنولوجيا ومشروعات إنتاجية وصندوق وطني للأجيال فإننا نحول الثروة الناضبة إلى ثروة دائمة. الفرق بين الحالتين هو الفرق بين دولة تعيش من ثروتها ودولة تستخدم ثروتها لبناء نفسها.

والأكثر إيلاماً أن العراق يملك فرصة هائلة لرفع قيمة النفط من دون أن يرفع كمية استخراجه، فالبرميل الذي نبيعه خاماً يمكن أن يتحول إلى عشرات المنتجات في التكرير والبتروكيمياويات والأسمدة والبلاستيك والصناعات الدوائية وغيرها، وقد تصبح قيمته الاقتصادية أضعاف سعره الخام عندما تدخل عليه المعرفة والتكنولوجيا والعمل والصناعة والتسويق. نحن أمام ثروة يمكن أن تخلق سلسلة طويلة من القيمة داخل العراق، لكننا غالباً نكتفي بالمرحلة الأولى منها ثم نشتري منتجات المراحل الأخرى من الخارج، فنفقد الصناعة وفرص العمل والخبرة والسوق، ونبقى أسرى لسعر المادة الخام. لذلك فإن ثروة العراق النفطية لا ينبغي أن تقاس بما يخرج من الآبار، وإنما بما يبقى داخل الاقتصاد العراقي من قيمة بعد خروج البرميل.

ومن هنا فإن بناء الاقتصاد العراقي يحتاج إلى تغيير جذري في ترتيب الأولويات، وفي مقدمتها ركنان لا يمكن أن تقوم نهضة حقيقية بدونهما هما الزراعة والصناعة.
فالزراعة عندنا ليست نشاطاً تقليدياً مرتبطاً بالريف، بل منظومة اقتصادية تبدأ بالأرض والبذور والمياه والتكنولوجيا وتمتد إلى التخزين والتصنيع الغذائي والنقل والتسويق والتصدير، والصناعة ليست مصانع متناثرة، بل شبكة إنتاج تستفيد من النفط والغاز والمعادن والمنتجات الزراعية لتصنع الغذاء والدواء والأسمدة والحديد والآلات والبتروكيمياويات وسائر المنتجات التي يحتاجها السوق العراقي ويمكن أن ينافس بها في الأسواق الخارجية. وعندما تلتقي الزراعة بالصناعة تتحول الأرض إلى اقتصاد، ويتحول الإنتاج الزراعي من محصول إلى صناعة، ويتحول المورد الطبيعي من مادة خام إلى قيمة مضافة.

وفي قلب هذه المعادلة تأتي المياه، لأن العراق لن يستطيع أن ينهض زراعياً إذا بقيت إدارة المياه بالأساليب القديمة، ولن يستطيع أن يوسع اقتصاده الصناعي من دون منظومة متقدمة للطاقة والمياه والبنية التحتية. نحن بحاجة إلى مشروع وطني للمياه يقوم على تقليل الهدر، وتحديث الري، وإعادة استخدام المياه، واستصلاح الأراضي، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وربط السياسة المائية بالسياسة الزراعية والصناعية، بحيث تصبح كل قطرة ماء جزءاً من دورة إنتاجية محسوبة. وهذا هو جوهر الدولة التي نريد بناءها، دولة تنظر إلى مواردها باعتبارها منظومة واحدة، فتربط الماء بالأرض والطاقة والصناعة والغذاء والنقل والتكنولوجيا، بدلاً من أن تترك كل قطاع يعمل منفرداً عن الآخر.

والتجارب العالمية تؤكد أن الدول لا تصبح قوية لأنها تملك النفط، وإنما لأنها تعرف ماذا تفعل به. هناك دول استخدمت مواردها الطبيعية لبناء صناعة متقدمة وصناديق سيادية وتعليم وتكنولوجيا وبنية تحتية واقتصاد متنوع، وهناك دول بقيت أسيرة للمادة الخام مهما بلغ حجم احتياطياتها. والعراق يمتلك من عناصر القوة ما يجعله قادراً على بناء نموذج مختلف، فهو لا يملك النفط وحده، بل يملك الأرض والموقع الجغرافي والموارد البشرية وإمكانات الزراعة والطاقة والنقل والتجارة، وما ينقصه ليس الموارد وإنما مشروع الدولة القادر على جمع هذه الموارد في منظومة إنتاج واحدة.

لهذا لا أرى أن مستقبل العراق يجب أن يقاس بعشرة ملايين برميل، بل بعشرة ملايين فرصة وقيمة ومشروع إنتاجي يصنعها العراق من ثروته الحالية، فالبرميل الذي يتحول إلى صناعة يبقى أثره بعد النفط، والبرميل الذي يتحول إلى معرفة يبقى أثره في الإنسان، والبرميل الذي يتحول إلى بنية تحتية يبقى أثره في الاقتصاد، أما البرميل الذي يتحول إلى استهلاك فإنه ينتهي مع انتهاء الإنفاق. نحن لا نحتاج إلى استنزاف المزيد من ثروتنا كي نثبت أن العراق غني، وإنما نحتاج إلى أن نثبت أن العراقي قادر على تحويل غناه الطبيعي إلى قوة اقتصادية دائمة، وعندها يصبح النفط وسيلة لبناء المستقبل لا بديلاً عن المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى