صحافة وآراء

من ممثل هزلي إلى ممثل درامي

د. أيمن أبو الشعر

• زيلينسكي راح بتحدث كأن له الكلمة الفصل والأفضلية في واشنطن، وهو بذلك يتصرف نتيجة تشجيع من الزعماء الأوربيين

الهدف قد يكون إفشال مهمة ترامب

من البديهي أنه الخبر الأول حتى في المانشيتات في معظم الصحف العالمية، أقصد خبر المشادة الكلامية في البيت الأبيض إبان لقاء زيلينسكي بالرئيس الأمريكي دونالند ترامب…

والأرجح أن تركز الأخبار على ما قيل في هذا اللقاء، وماذا كانت الردود الحادة، وعلى اللهجة والانفعال، لكن معظم المنابر الإعلامية ستُغفل أو تتناسى أو تتجاهل سؤالا بالغ الأهمية، وهو كيف تجرأ زيلينسكي على ذلك؟

شخصيا أرجح أن يكون الممثل الهزلي قد لعب دور ممثل درامي هذه المرة، وكان يقصد أن يُفشِّل اللقاء، بمعنى أن يفشل محاولة ترامب إيقاف الحرب، ولكن لماذا وكيف؟

فجوهر تصاعد المشادة الكلامية يتعلق بإصرار ترامب على أن يوافق زيلينسكي على تقديم تنازلات لتحقيق السلام مع روسيا حتى أنه اتهمه بالسعي لتوريط العالم في حرب عالمية ثالثة، منوها بأن أوكرانيا دون المساعدات الأمريكية ستخسر الحرب خلال أسبوعين فرد عليه زيلينسكي بسخرية أنه سمع هذا الكلام من بوتين، واشتعلت الأجواء حيث أعلن ترامب أنه إما أن يوقع زيلينسكي على السلام أو أنه سينسحب من مهمته في التسوية، ويبدو لي أن هذا هو الهدف الضمني لزيلينسكي بعد تأكيد أوروبا أنها ستتابع الوقوف إلى جانبه ودعمه ومساعدته حتى إن أوقف ترامب المساعدات.

تراكم الأسباب

نعم قناعتي أن الأمر بكل بساطة يعود إلى عدة عوامل لعل من أهمها:

– أن الرئيس الأوكراني بدأ يشعر بعد رحيل بايدن أنه بات محشورا في الزاوية مهيض الجناح، بدل أن يشعر بأن الرئيس ترامب يود أن يضع ثقل الولايات المتحدة كله لإنقاذه من الورطة الحربية التي هو فيها، وهذا ما أغضب ترامب ونائبه فانس.

– أن تراكم انتقادات ترامب لزيلينسكي، وخاصة تركيزه على أن زيلينسكي ليس رئيسا شرعيا، وأنه يمارس الحكم دون انتخابات، وذلك مع تحسين علاقة ترامب مع بوتين، ما دفعه للاعتقاد بأن حله للأزمة سيكون لصالح روسيا، رغم أن بوتين نفسه اعتبر أن ما يفعله ترامب هو لصالح أوكرانيا لا روسيا.

– أن زيلينسكي وقع تحت تأثير الضغوط الغربية -وأنا شبه واثق من ذلك- لكي يواجه ترامب بحيث تتشفى صدور بعض القادة الأوربيين من جهة، ومن جهة ثانية لإفشال مشروع ترامب واستمرار الحرب في أوكرانيا، واستمرار ضخ الأسلحة والأموال والتنويه بأن أوكرانيا تدافع عن أوروبا، ذاك أن الاتحاد الأوروبي وعد كييف بكميات كبيرة من الأسلحة بما في ذلك مليون ونصف مليون قذيفة مدفعية وغيرها من الذخائر والأسلحة، والمثير في الأمر أن الرئيس الأمريكي تنبه إلى هذا الأمر، واعتبر أن زيلينسكي تجاهل مساعدة الولايات المتحدة له بينما كأن من الأولى تقديم الشكر لواشنطن على الأقل، واعتبر أن زيلينسكي لا يريد السلام.

وضوح الدوافع

الدافع واضح كانت القيادة الأوكرانية تخشى من إيقاف الدعم الأمريكي وكذلك الزعماء الغربيون، ذاك أن حجب واشنطن المساعدات يمكن أن يؤثر جديا على صمود أوكرانيا كدولة وحتى على مسار المعارك، هنا جاء اجتماع باريس ليعطي ضمانات أوسع بأن أوروبا ستستمر بل وستزيد من دعمها بمعنى “أنت يا زيلينسكي لا تخف إن تخلت أمريكا عن مساعدتك فنحن سنعوض” ومن هنا جاءت عبارة رئيس الوزراء الدانيماركي أن السلم سيكون أسوأ بالنسبة لأوكرانيا من الحرب.

ولعل المهم هنا هو ما صرح به الرئيس الأمريكي بعد هذا اللقاء الصاخب بقوله إن زيلينسكي غير جاهز للسلام، وأنه يعتقد بأن تدخّل واشنطن يعطيه أفضلية بينما الولايات المتحدة ترغب بالسلام لا بالأفضلية، وأن زيلينسكي أظهر قلة احترام للولايات المتحدة بحديثه ونبرته داخل المكتب البيضاوي، وقد أصدر البيت الأبيض بيانا حول هذا اللقاء ومجرياته والذي تحول عمليا إلى حدث، حيث أشار البيان إلى أن الرئيس الأمريكي ونائبه سيدافعان دائما عن مصالح الشعب الأمريكي ولن يسمحا لأحد باستغلال الأمريكيين في إشارة واضحة لزيلينسكي الذي اتهمه البيان الأمريكي بأنه يمكن أن يشعل حربا عالمية ثالثة، وقد خرج زيلينسكي من البيت الأبيض وحده دون أن يودعه الرئيس ترامب ضمن الأطر البروتوكولية، وطلب وزير الخارجية الأمريكية روبيو من زيلينسكي الاعتذار عن إضاعة “وقتنا” من أجل اجتماع كان سينتهي بهذه الطريقة، أما الخارجية الروسية فاعتبرت الناطقة باسمها زاخاروفا أن الرئيس ترامب ونائبه فانس اظهرا قدرة خارقة على التحمل ولم يقوما بضرب زيلينسكي على وقاحته وخاصة قوله أن أوكرانيا تُركت وحدها علم 2022 في حين ما زالت تأتيها المساعدات من مختلف أرجاء العالم، وأعلن مدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ان الرئيس ترامب كان على حق في أن زيلينسكي يسعى لإشعال حرب عالمية مضيفا أن “الخنزير الجاحد تلقى صفعة قوية من صاحب حظيرة الخنازير”.

ردود فعل أوكرانية وأوربية

أما في أوكرانيا فبدت الأوساط السلطوية وحتى الشعبية منقسمة تماما بين منتقد لزيلينسكي الذي قد يدفع تصرفه إلى خسارة أهم حليف ومساعد لأوكرانيا، وبين مؤيد لزيلينسكي معتبرا أن موقفه يعبر عن قوة وشجاعة في الدفاع عن الحق حسب ما قال أندريه سيبيها وزير الخارجية الأوكراني، وأعلن سيرسكي قائد الجيش الأوكراني الذي قلما يتدخل بالشؤون السياسية أن قواته “بعد الملاسنة” تقف إلى جانب زيلينسكي.

ويقينا أن معظم الزعماء الأوربيين الآن يتبادلون الأنخاب معتبرين أن ما قام به زيلينسكي عمل بطولي، وأنه وجه صفعة للرئيس الأمريكي الذي بات يهدد أوروبا علنا، من هنا فإن تكرار عبارات الدعم لأوكرانيا الآن تعني دعم موقف زيلينسكي في مشادته الكلامية مع ترامب وفانس. وكان الرئيس الفرنسي ماكرون أول المعلقين بعد الملاسنة بقوله أن روسيا هي المعتدية، وأوكرانيا هي المعتدى عليها وأن الغرب كان على صواب في مساعدة أوكرانيا ومعاقبة روسيا وسنستمر في هذا الموقف، وذهبت أورسولا فون دير رئيسة المفوضية الأوربية أبعد من ذلك برسالتها الودية الوجدانية حيث وجهت كلامها إلى زيلينسكي قائلة: أنت لست وحدك يا عزيزي الرئيس… وسنواصل العمل معك لتحقيق سلام عادل ودائم، كما كتب رئيس الوزراء البولوني توسك رسالة مقاربة للرئيس الأوكراني مؤكدا الوقوف إلى جانبه، في حين اعتبر أوربان رئيس الوزراء الهنغاري الذي يخالف معظم التوجهات الأوربية بهذا الشأن أن ترامب هو الذي كان شجاعا في إصراره على تحقيق السلام.

ولا بد من الإشارة في النهاية في النهاية إلى أن أصواتا عديدة في الولايات المتحدة نفسها وخاصة بين النواب الديمقراطيين راحت تنتقد ترامب على لهجته ورأت أنه بتصرفه أمام الكاميرات والصحفيين قد أحرج الولايات المتحدة أمام العالم وأن تصرفه غير لائق مع رئيس أجنبي هو ضيفه في البيت الأبيض.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى