
أصبح العالم الآن على مشارف تحول جذري في مفهوم الحمل والولادة، حيث لم تعد فكرة إنجاب طفل مرتبطة بجسد المرأة فقط، وأصبح تحديد جنس المولود وقدراته الجسدية والعقلية ممكنٌ من قبل الوالدين. فبين الأرحام الاصطناعية وتقنيات تعديل الجينات، أصبح “تصميم المواليد” واقعاً يقترب بسرعة من حياتنا.
الأرحام الاصطناعية: من الخيال العلمي إلى المختبرات
منذ عقود، ظلت فكرة “الرحم الاصطناعي” محصورة في قصص الخيال العلمي، لكن في عام 2017، حقق باحثون في مستشفى فيلادلفيا للأطفال تقدماً عندما نجحوا في إبقاء أجنة حملان على قيد الحياة داخل أكياس بلاستيكية بيولوجية تحاكي الرحم البشري. الأجنة استمرت في النمو لمدة أربعة أسابيع واكتسبت مؤشرات صحية طبيعية.
الهدف الأول من هذه الأبحاث كان إنقاذ الأطفال المولودين قبل الأوان، عبر توفير بيئة آمنة تساعد في نمو الرئتين والدماغ بعيداً عن مخاطر الحاضنات التقليدية. لكن مع التقدم المتسارع في مجال الهندسة الطبية الحيوية، بدأ الباحثون يناقشون إمكانية نقل عملية الحمل كاملة خارج الجسم البشري.
هل يمكن أن نستغني عن الحمل الطبيعي؟
تقول البروفسورة “هيلين أوديل”، المختصة في أخلاقيات التكنولوجيا الحيوية:
“رغم أن الهدف الأول للأرحام الاصطناعية هو طبي، إلا أن استخدامها مستقبلاً قد يمتد ليشمل النساء اللواتي لا يرغبن في الحمل لأسباب صحية أو اجتماعية، بل وحتى الأزواج من نفس الجنس الذين يحلمون بإنجاب طفل دون الحاجة إلى رحم بديل”.
التحكم بجنس وصفات المولود: طفرة جينية أم خطر أخلاقي؟
بموازاة تطورات الأرحام الاصطناعية، تتطور تقنيات التحكم في الصفات الوراثية للمولود بشكل متسارع. ويأتي في مقدمة هذه التقنيات:
1- التشخيص الوراثي قبل الزرع : (PGD)
وهي تقنية تُستخدم خلال عمليات التلقيح الصناعي لاختيار الأجنة الخالية من الأمراض الوراثية، ويمكن من خلالها أيضاً تحديد جنس الجنين بنسبة دقة تتجاوز 99%.
2– تقنية كريسبر: CRISPR-Cas9
تعتبر من أهم أدوات تعديل الجينات الحديثة، وتسمح بـ “قص” و”لصق” أجزاء من الحمض النووي DNA بهدف تحسين صفات معينة أو التخلص من عيوب وراثية.
لكن هذا التقدم يضعنا أمام سؤال محوري: هل نحن بصدد الدخول في عصر “الأطفال المصمّمين”؟
الأبعاد الأخلاقية: هل نحن مستعدون؟
التحكم في جنس وصفات المولود يطرح تحديات أخلاقية ضخمة. فمن جهة، يرحب البعض بهذه التقنيات لأغراض علاجية، كمنع انتقال أمراض قاتلة، أو لتحقيق “توازن أسري” عبر اختيار جنس المولود.
لكن من جهة أخرى، يحذر مختصون من الانزلاق نحو “تسليع الأطفال”، حيث يصبح الطفل مشروعاً بيولوجياً تُحدد فيه الصفات حسب الطلب.
تقول الدكتورة ليلى العيسى، أستاذة الفلسفة الحيوية في جامعة بيروت:
“الخطر الأكبر هو خلق مجتمع طبقي، حيث يتمتع الأغنياء بإمكانية تصميم أطفال بقدرات ذهنية وجسدية فائقة، بينما يحرم الفقراء من هذه الامتيازات، مما يعمّق الفجوة الاجتماعية”.
المجتمعات العربية وسؤال الهوية الدينية والأخلاقية
بالنسبة للمجتمعات العربية، يظل هذا النقاش حساساً للغاية، إذ تتداخل فيه المعتقدات الدينية مع التقاليد الاجتماعية. في حين أن بعض الفتاوى الإسلامية تسمح بالتقنيات العلاجية إذا لم تتجاوز حدود العبث بالخلق، إلا أن التعديل الجيني لأغراض تجميلية أو تفضيلية يظل محل جدل واسع.
إلى أين نتجه؟
بينما يحمل المستقبل وعوداً طبية قد تنقذ آلاف الأرواح وتفتح آفاقاً جديدة للإنجاب، فإنه يحمل كذلك أسئلة صعبة تتعلق بالهوية، والأخلاق، والعدالة.
إن التقدم العلمي لا يمكن إيقافه، لكن يجب أن يوازيه تقدم أخلاقي وقانوني يضمن أن يكون هذا التقدم في خدمة الإنسانية، لا في مصلحة فئة على حساب أخرى.