
• رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جونسون ورّط أوكرانيا ودفعها للانسحاب من مفاوضات استانبول فخسرت خمس أراضيها
غباء أم عناد
هناك تساؤل مؤرق للحقيقة أعتقد أن معظم أنصار السلام في العالم يطرحونه بشأن الحرب الدائرة في أوكرانيا، ومؤداه: ما الذي يدفع القيادة الأوكرانية إلى خوض حرب لا يشك عاقل بأنها ستنتهي حتما لصالح روسيا، لماذا كل هذه الضحايا والنتيجة معروفة سلفا، وإن طال الزمن فكل المؤشرات تدل على أن الخسارات الأوكرانية ستتزايد سواء في المساحات الجديدة التي ستخسرها كييف أو في عدد القتلى والجرحى والدمار للبنى التحتية.
يشهد على ذلك الواقع الميداني اليومي، فسجلات النتائج تحمل معطيات مذهلة حقا تتلخص بمدى الخسائر التي تصل أحيانا إلى أكثر من ألف عسكري يوميا وتدمير عدد كبير من المعدات والأسلحة والبنى التحتية وعدد من الصواريخ والقنابل الموجه وخاصة الغربية، وبالمقابل تتقدم القوات الروسية على جميع الجبهات ولو ببطء، وحتى المغامرة التي قامت بها القوات الأوكرانية في احتلال مساحة ضيقة من مقاطعة كورسك لبضعة أشهر دفعت ثمنها غاليا جدا حيث تتحدث معطيات الدفاع الروسية عن قرابة 76 ألف عسكري عدا عن مئات الدبابات والمدرعات، وردت القوات الروسية بالتوغل في مقاطعة سومي داخل الأراضي الأوكرانية المقابلة لكورسك، وتشير بعض التقديرات أن هذه المغامرة كانت بنصيحة وربما تخطيط بريطاني، ما يقودنا للحديث عن التوريط الأول الذي جاء من بريطانيا أيضا.
جونسون ورَّط كييف
على عاتق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون آثام كبيرة في استمرار الحرب واتساعها، ويتحمل ضميره تحديدا مسؤولية مقتل مئات الآلاف من الطرفين ذاك أن الجانبين الروسي والأوكراني توصلا إلى اتفاق مبدأي للتسوية السلمية من حيث المبدأ في آذار عام 2022 وأقر الجانب الأوكراني بما يشبه المقترح بأنَّ كييف لن تنضم إلى أية تحالفات عسكرية، ولن تسعى لامتلاك أسلحة نووية، وقد رحبت موسكو بالموقف الأوكراني آنذاك بل وحتى وافقت على ضمانات أمنية لأوكرانيا من أعضاء مجلس الأمن الدائمين وهذا يعني ضمنا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون سافر خصيصا إلى كييف لإقناع القيادة الأوكرانية بالانسحاب من المفاوضات واعدا بتقديم دعم كبير لهزيمة روسيا، وأدخل بذلك أوكرانيا في متاهة عنف رهيبة، ورغم أنه فيما بعد حاول التملص من هذه التهمة ونفى ضلوعه في دفع أوكرانيا للانسحاب من المفاوضات إلا أن ديفيد أراخاميا كبير المفاوضين الأوكرانيين في استانبول أكد هذه الحقيقة، وتطور الأحداث دفع كييف لخسارة أضعاف ما كان يمكن أن تخسره وتحفظ ماء الوجه في الوقت نفسه، لكن المور اختلفت الآن “ولات ساعة مندم”…
ما آلت إليه الأمور
نتيجة هذا التدخل الفظ من بريطانيا خسرت أوكرانيا الكثير وبدل أن تتوقف عن العناد وتحاول ترقيع الوضع المتهرئ بالنسبة لها ازدادت عنادا بتشجيع من الدول الغربية، ما جعلها تحاول التمسك بالقتال نفسيا علها تتمكن من استرجاع ولو الشيء اليسير، فاتفاق استانبول لو تم تكريسه بحياد أوكرانيا وعدم امتلاكها للأسلحة النووية لم يكن هناك سوى الاعتراف بتبعية القرم لروسيا، وكان يمكن أن تعود المياه لمجاريها بعد حين بين شعبين لهما جذور واحدة قوميا ودينيا إلى حد كبير، وهذا ما لم يكن يريد جونسون ومعظم القوى الغربية أن يتحقق، بمعنى آخر دفع موقف جونسون هذا إلى جعل أوكرانيا حربة الغرب في مواجهة روسيا، أي أن يخوض الغرب حربا ضد روسيا باستخدام أوكرانيا وجنودها وشعبها، طبعا أوكرانيا باعتراف الجميع لم يكن لها أن تصمد أسبوعين أو ثلاثة ولهذا وضعت الدول الغربية كل ثقلها لتسليح أوكرانيا ودعم اقتصادها لمواجهة روسيا، ويوما بعد يوم تكشفت المخاطر التي دفع جونسون أوكرانيا إليها حيث تبين أن جميع المساندات والدعم بالسلاح والمرتزقة ومئات المليارات لم تستطع أن تجعل أوكرانيا متفوقة أو أن تلوح ولو بارقة أمل بانتصار محتمل خاصة أن الغرب وضع نصب عينيه تحقيق هزيمة ساحقة استراتيجية بروسيا، وبات تقدم الجيش الروسي اليومي واقعا وحقيقة يصعب أن تُغمَض الأعين عنها مهما حاولت تجاهلها إعلاميا، وتضخيم ما يمكن أن تحققه أوكرانيا عشرات المرات وتحجيم ما تحققه روسيا بنسبة مماثلة، لكن الواقع كان أقوى من كل هذه المحاولات اليائسة…
تحقق ما تريده روسيا بات وشيكا
تراكمات الخسائر الأوكرانية والانتصارات الروسية رغم وجود خسائر بشرية لدى الجانب الروسي لكنها لا تقارن بالخسائر الأوكرانية هي الدافع الأول لقرب إنهاء الحرب بتفوق روسي حاسم، وهذا ما يفسر طرح الجانب الأوكراني والدول الأوربية باستمرار لضرورة وقف إطلاق النار ورفض موسكو أن يكون الهدف هو وقف إطلاق النار والتأكيد على اتفاق سلام شامل ومديد، فالاتحاد الأوروبي بات بعد رحيل بايدن عن البيت الأبيض هو المحرض الرئيس لاستمرار القتال، وعمد إلى توسيع إرسال الأسلحة لأوكرانيا من جهة وزيادة العقوبات على روسيا من جهة ثانية طامحا أن يحقق ولو جزء صغير من هدفه الأول وهو أن تمنى روسيا بهزيمة استراتيجية، لكن ترامب أدرك خطل هذا التوجه فكرّس بحزم ضرورة الاتفاق على حل الأزمة دبلوماسيا معلنا بوضوح ما كان بايدن والاتحاد الأوروبي يتجاهلونه، وهو أن روسيا دولة عظمى ولا يمكن لأوكرانيا أن تنتصر عليها مهما دعمتها الدول الغربية.
وتأكيدا على الحجم الهائل في الخسائر الأوكرانية كشفت مجموعة من الهاكر الروس بالبيانات والصور أن حصيلة القتلى والمفقودين في الجيش الأوكراني بلغت أكثر من مليون وسبعمئة ألف عسكري منذ بدء العملية العسكرية الروسية، وتم الاختراق عبر جهاز الكومبيوتر الخاص برئيس قسم اللوجستيات لدى وزارة الدفاع الأوكرانية ، و شملت تلك الوثائق حتى صورا للقتلى وهوياتهم الشخصية وبطاقاتهم العسكرية وشهادات وفاتهم وحتى أرقام هواتف ذويهم، ويرجح أن يكون الرئيس ترامب على علم بكلِّ هذه المعطيات لذا رأى أنه لتحقيق السلام لا بد من النظر إلى الأمور بواقعية، وتبنّى بشكل غير مباشر وجهة النظر الروسية، حتى أنه نشر على الشاشة في اجتماعه مع زيلينسكي والقادة الغربيين صورة لخارطة أوكرانيا وبدت فيها المقاطعات الخمس التي انضمت لروسيا باللون الأحمر أي خارج خارطة أوكرانيا المستقبلية التي يرجح أن تكون دون جزيرة القرم، وزباباروجية، وخيرسون، ولوغانسك، ودونيتسك، ولم يكن صدفة أن تعتبر زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية أن عرض خارطة أوكرانيا بتلك الصيغة في اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزيلينسكي “صفعة قوية قد تعيد الجميع إلى رشدهم، حيث أظهرت حجم ما خسروه نتيجة انفصالهم عن الواقع، وأنهم كانوا يتحدثون عن ساحة المعركة دون أن يفهموا ما يتحدثون عنه”.
هذا بالذات ما جناه جونسون على أوكرانيا، ومن ثم بايدن وبعض زعماء الاتحاد الأوروبي، وعمليا كلما تأخر توقيع اتفاق سلام كلما ازدادت المساحات التي يسيطر عليها الجيش الروسي والتي تشكل حتى الآن خمس مساحة أوكرانيا بالكامل تقريبا، وبالتالي ستتقلص عندئذ فكرة تبادل الأراضي لتغدو شكلية تماما. وفي الحقيقة فإن توقيع اتفاق سلام شامل ودائم هو في الحقيقة ليس مجرد انتصار لروسيا في حرب فرضت عليها ، بل هو أيضا انتصار للمنطق والحس الإنساني السليم لوقف نزيف عبثي لا طائل منه.