
في تصعيد جديد يحمل أبعاداً عسكرية واستراتيجية على مستوى المنطقة، أظهرت الأجواء الفلسطينية المحتلة وصول صواريخ الحوثيين إلى مسافات غير مسبوقة، متجاوزة ما يُفترض أنه حصانة الدفاع الجوي الإسرائيلي. هذا التطور كشف هشاشة منظومات مثل “القبة الحديدية”، و”حيتس”، و”مقلاع داوود”، وفضح نقاط الضعف في منظومات الردع التي طالما اعتُبرت الأكثر تطوراً في المنطقة. التفكك المتعمد للصواريخ وتحولها إلى شظايا صغيرة جعل اعتراضها شبه مستحيل، وأظهر أن القدرات النوعية لمحور المقاومة لم تعد تخضع للمقاييس التقليدية، بل تعتمد على تكتيكات مبتكرة تزيد من فعالية الهجوم وتخفف من قدرة الدفاعات على الرد بشكل كامل.
الحدث الذي هز العمق الإسرائيلي تمثل في اختراق أحد الصواريخ الحوثية دفاعات تل أبيب ووصوله إلى محيط مطار بن غوريون. هذا الاختراق لم يكن مجرد تجاوز دفاعي تقني، بل تأكيد على قدرة الحوثيين على تطوير صواريخ مزودة برؤوس عنقودية وتقنيات MIRV، أي القدرة على استهداف عدة نقاط مستقلة برأس صاروخ واحد. سقوط الشظايا في مناطق مختلفة في محيط تل أبيب أصاب المستوطنين بالذعر وأظهر أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تعد حصينة أمام تهديدات محور المقاومة، وأن أي تقييم لقدرة الدفاعات الإسرائيلية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أساليب التفكيك الجوي والرؤوس العنقودية التي طوّرها الحوثيون بدعم إيراني.
تأتي هذه القدرات النوعية مدعومة بدور إيراني واضح، حيث أشارت مصادر استخباراتية إلى أن إيران زوّدت الحوثيين بصواريخ متقدمة ورؤوس عنقودية، ما يعكس استراتيجية إقليمية دقيقة تهدف إلى تحدي قدرات الدفاع الإسرائيلي وفرض حالة من عدم اليقين على تل أبيب. لم تعد هذه الصواريخ مجرد أدوات هجومية عادية، بل أصبحت أدوات استراتيجية تهدف إلى كسر هيبة الدفاع الإسرائيلي وإرباك قدرة الجيش على حماية العمق الجغرافي، مع ضمان قدرة محور المقاومة على فرض حالة ردع متبادلة على المستوى الإقليمي.
التقنيات المستخدمة في الصواريخ الحوثية تمثل نقلة نوعية في التكتيك العسكري، حيث تعتمد على التفكك في الجو وتحويل الصاروخ إلى مئات الشظايا قبل الوصول للهدف، ما يزيد احتمالات الاختراق ويجعل منظومات الاعتراض مضطرة لإطلاق عدة صواريخ على هدف واحد، الأمر الذي يضاعف الخسائر الاقتصادية على الدفاعات الإسرائيلية. الرؤوس العنقودية تضيف بعداً إضافياً للقدرة التدميرية، إذ تحتوي كل رأس على عشرات القنابل الصغيرة التي تنفجر بمجرد وصولها إلى الهدف، ما يجعل الأضرار أكثر انتشاراً ويضاعف الضغط على الدفاع المدني والعسكري. هذه التقنيات ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتجربة محور المقاومة مع الصواريخ الإيرانية على مدار العقود الماضية، بدءاً من الحروب الإيرانية العراقية، مروراً بحرب لبنان 2006 التي أظهرت قدرة حزب الله على اختراق الدفاعات الإسرائيلية باستخدام صواريخ دقيقة ومتوسطة المدى، وصولاً إلى مناورات “خيبر” الإيرانية في يونيو 2025 التي أظهرت فعالية الرؤوس العنقودية على دائرة نصف قطرها ثماني كيلومترات.
تاريخ الصواريخ في محور المقاومة يعكس تراكم خبرة طويلة في تطوير التكتيكات العسكرية والهجومية. في الحرب الإيرانية العراقية، بدأت الصواريخ بدورها التقليدي كبالستية محدودة المدى، بينما كانت حرب لبنان 2006 نقطة فاصلة في استخدام الصواريخ لأغراض استراتيجية تتجاوز مجرد الاستهداف التكتيكي، إذ أظهرت قدرة حزب الله على إحداث أضرار في العمق الإسرائيلي وتجاوز منظومات الاعتراض التقليدية. التجارب الإيرانية الحديثة أضافت بعداً جديداً لهذه القدرات، مع التركيز على الرؤوس العنقودية، وتقنيات التفكيك الجوي، وتحقيق أقصى تأثير نفسي على والمستوطَنين.
الاختراق الحوثي الأخير يعكس استراتيجية متقدمة، حيث استطاعت الصواريخ الوصول إلى العمق الإسرائيلي مع ضمان إحداث أضرار متعددة في المواقع المستهدفة. هذه الاستراتيجية ليست عابرة، بل جزء من توجه أكبر لمحور المقاومة يسعى إلى توحيد الجبهات وإرباك إسرائيل على أكثر من مستوى، سواء العسكري أو النفسي، ما يجعل الدفاعات التقليدية غير كافية ويضاعف الضغط على تل أبيب للتعامل مع تهديدات من جبهات متعددة. القدرة على اختراق العمق الإسرائيلي لا تعني فقط التأثير المباشر على المواقع المستهدفة، بل تمثل أيضاً رسالة استراتيجية واضحة مفادها أن محور المقاومة بات يمتلك أدوات نوعية لتغيير ميزان الردع في المنطقة، وأن أي رد إسرائيلي يجب أن يأخذ في الحسبان هذه القدرات الجديدة والمتطورة.
من الناحية التكتيكية، يظهر مسار الصاروخ الحوثي مستوى دقة وتخطيط متقدم، إذ يبدأ الإطلاق من الأراضي اليمنية، ويصعد لمسافة شاهقة قبل أن يبدأ التفكك في الجو، ويتحول إلى شظايا متعددة تدخل المجال الجوي الفلسطيني المحتل وصولاً إلى محيط تل أبيب وبن غوريون. هذا التصميم التكتيكي يظهر قدرة المحور على استغلال علم الفيزياء العسكرية، بما في ذلك التحكم في مسار الصواريخ ووقت التفكك، لتحقيق أقصى أثر على الدفاعات الإسرائيلية وتقليل احتمالات الاعتراض الناجح.
التهديد الذي تمثله هذه الصواريخ يتجاوز الهجمات الفردية، فهو يشمل القدرة على الضغط المستمر على الدفاعات الإسرائيلية، ما يجبر تل أبيب على تخصيص موارد كبيرة للتصدي لهذه الهجمات، وبالتالي تقليل قدرة الجيش على التركيز على الجبهات الأخرى. كما أن التأثير النفسي على السكان المدنيين لا يقل أهمية عن الأثر العسكري، إذ إن الهلع والخوف الناتج عن سقوط الشظايا يعكس نجاح استراتيجية محور المقاومة في إرباك إسرائيل داخلياً، ليس فقط على مستوى العتاد العسكري.
الصاروخ الحوثي الأخير لم يكن مجرد حدث عابر، بل جرس إنذار استراتيجي يوضح أن الأمن في السماء الإسرائيلية لم يعد محصناً، وأن القدرة على ردع محور المقاومة لم تعد حكراً على إسرائيل وحدها. هذا التطور يعكس قدرة الحوثيين على استخدام التكتيكات النوعية المستمدة من التجارب الإيرانية والتقنيات الحديثة لتغيير معادلات الردع التقليدية، ويضع إسرائيل أمام تحديات جديدة تتطلب إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والعسكرية بشكل شامل.
في ضوء هذه التطورات، يتضح أن محور المقاومة يمتلك اليوم قدرة نوعية على إرباك الدفاعات الإسرائيلية، وتحقيق تأثيرات استراتيجية بعيدة المدى، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على الصعيد النفسي والاجتماعي أيضاً. القدرة على اختراق العمق الإسرائيلي وتفجير الرؤوس العنقودية وتفكيك الصواريخ في الجو، جميعها عوامل جعلت المعركة مع إسرائيل أكثر تعقيداً، وأثبتت أن محور المقاومة بات يمتلك أدوات كافية لتغيير ميزان القوى في المنطقة لصالحه، وفرض معادلات جديدة على إسرائيل تتطلب إعادة التفكير في كل من استراتيجيات الدفاع والردع التقليدية.