صحافة وآراء

إيران بين مطرقة ترامب ونتنياهو وسندان الانفجار الداخلي: الشرق الأوسط على حافة حرب شاملة!

مارلين موسى

في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، يقف الشرق الأوسط على حافة إنزلاق خطير نحو فوضى شاملة، تُهدّد ما تبقّى من إستقرار سياسي وأمني، وتفتح الأبواب أمام موجة غير مسبوقة من الحروب والإنهيارات، وتتمثّل إحدى أخطر بؤر هذا الإنفجار المحتمل في إيران، التي تواجه اليوم مزيجاً قاتلاً من الضغوط الداخلية المتراكمة، والعقوبات الإقتصادية الخانقة، والتصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي الذي بات يتخذ طابعاً أكثر عدوانية ووضوحاً من أي وقت مضى، إن القراءة المتأنية لسلوك إدارة الرئيس دونالد ترامب، ومن خلفها حكومة بنيامين نتنياهو، تكشف إن الهدف لم يعد مجرد “إحتواء إيران”، بل دفعها إلى حافة الإنهيار، ثم إستثمار هذا الإنهيار لإعادة تشكيل المنطقة على أسس جديدة، ولو على أنقاض دول وشعوب كاملة.

لقد أدرك الرئيس ترامب منذ عودته إلى المشهد السياسي إن إيران تمثّل “الجائزة الكبرى” في معادلة الشرق الأوسط، فإضعافها أو تفكيكها يعني ضرب العمود الفقري لأي مشروع إقليمي مضاد للهيمنة الأمريكية الإسرائيلية. ومن هنا، فإن سياسة “الضغوط القصوى” التي إتبعها سابقاً لم تكن سوى مرحلة تمهيدية، أما المرحلة الحالية فتقوم على إستغلال الغضب الشعبي داخل إيران، وتحويله إلى وقود لتفجير الداخل الإيراني بالتوازي مع الضربات الخارجية. العقوبات الإقتصادية، التي دمّرت العملة الإيرانية وأفقرت شرائح واسعة من المجتمع، لم تكن تهدف فقط إلى تغيير سلوك النظام، بل إلى خلق بيئة إجتماعية قابلة للإنفجار، تُسهّل لاحقاً أي تدخل عسكري أو أمني تحت ذريعة “حماية الشعب الإيراني” أو “دعم الإنتفاضة”.

في المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه محاصراً من الداخل والخارج في آن واحد. فمن جهة، هناك مجتمع شاب، مُنهك إقتصادياً، يشعر بأن الدولة لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ومن جهة أخرى هناك ضغط أمريكي إسرائيلي لا يترك للنظام هامشاً واسعاً للمناورة. وفي مثل هذا الوضع، تصبح خيارات طهران محدودة وخطيرة في آن معاً، فإذا شعرت القيادة الإيرانية بأن النظام مهدّد بالإنهيار، فإن منطق الأنظمة المحاصَرة تاريخياً يقول إنها ستسعى إلى توسيع دائرة الصراع بدل الإنكفاء، فالهروب إلى الأمام، عبر ضرب إسرائيل أو إستهداف المصالح الأمريكية في الخليج والعراق، قد يبدو في نظر صانعي القرار في طهران وسيلة لتغيير قواعد اللعبة، وفرض كلفة باهظة على خصومهم، وربما لإعادة توحيد الداخل حول “الخطر الخارجي”.

وهنا تكمن الكارثة المحتملة، فمجرد إنزلاق إيران إلى مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية سيعني إشعال المنطقة بأكملها. الخليج، بممراته النفطية وموانئه الحيوية، سيتحوّل إلى ساحة إشتباك. العراق، الهش أصلاً قد يُستدرج إلى فوضى أمنية جديدة. ولبنان وسورية، المرتبطان عضوياً بمحور إيران، لن يبقيا بمنأى عن النيران. أما إسرائيل، التي قد ترى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لضرب إيران بقوة، فإنها ستدفع بدورها نحو تصعيد شامل، مدفوعة بعقيدة نتنياهو القائمة على إن أمن إسرائيل لا يتحقق إلا بتفكيك كل خصومها الإقليميين، مهما كانت الكلفة.

إن أخطر ما في هذا السيناريو إن الجميع سيخسر. فحتى لو تلقّت إيران ضربات موجعة، فإن الفوضى التي ستعقبها لن تكون في صالح الولايات المتحدة الأمريكية ولا إسرائيل ولا العرب. تجربة العراق بعد العام 2003، وليبيا بعد العام 2011، وسورية بعد العام 2012، تقدّم شواهد دامغة على أن إسقاط الدول أو تفكيكها لا يولّد شرق أوسط “أكثر ديمقراطية”، بل فضاءاً مفتوحاً للميليشيات، والتطرّف، والإنهيارات الإقتصادية، والهجرات الجماعية. وإذا كان تفكيك دولة عربية واحدة قد أحدث كل هذا الدمار، فكيف سيكون الحال مع دولة بحجم إيران، تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية وشبكات نفوذ ممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط؟

من هنا، تصبح مسؤولية العرب والمسلمين  ولا سيما من يمتلكون قنوات تواصل مع طهران مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. فبدل الإنخراط في لعبة الإستقطاب الأمريكية الإسرائيلية، أو الإكتفاء بالمشاهدة من بعيد، ينبغي العمل على مسارين متوازيين. الأول هو دفع القيادة الإيرانية بجدية نحو إصلاحات داخلية حقيقية تستجيب للمطالب الشعبية: تخفيف القبضة الأمنية، معالجة الفساد، تحسين الوضع المعيشي، وفتح المجال العام أمام مشاركة سياسية أوسع. فالنظام الذي يستعيد جزءاً من شرعيته الداخلية يصبح أقل عرضة للإبتزاز الخارجي، وأكثر قدرة على إمتصاص الضغوط.

أما المسار الثاني فيتعلّق بمراجعة شاملة للسياسات الإقليمية الإيرانية. لقد راكمت طهران خلال العقدين الماضيين نفوذاً واسعاً في عدة دول عربية، لكنها في الوقت نفسه راكمت عداءاً عميقاً في الشارع العربي، الذي بات يرى في هذا النفوذ مصدراً لعدم الإستقرار لا لمقاومة الهيمنة. إن تخفيف هذا الإحتقان، عبر سياسات أكثر احتراماً لسيادة الدول، وأكثر إنفتاحاً على الشراكة بدل الوصاية، قد يفتح باباً جديداً لعلاقات إقليمية أقل توتراً، ويُضعف في الوقت نفسه الذرائع التي تستخدمها واشنطن وتل أبيب لتبرير التصعيد ضد إيران.

إن مصلحة العرب والمسلمين لا تكمن في إنهيار إيران ولا في تحويلها إلى دولة فاشلة جديدة. فالفوضى الإيرانية، إن وقعت، لن تبقى داخل حدودها، بل ستتدفق كالنار في الهشيم عبر كل المنطقة. وستكون المجتمعات العربية، المنهكة أصلاً بالأزمات الإقتصادية والسياسية، أول من يدفع الثمن: إرتفاع أسعار الطاقة، إضطراب التجارة، موجات لجوء، وتنامي خطر الجماعات المتطرفة التي لا تعيش إلا في الفراغات والفوضى. في مثل هذا المشهد، لن يكون هناك رابح حقيقي، حتى أولئك الذين يظنون اليوم أنهم يديرون اللعبة من غرف عمليات بعيدة.

إن اللحظة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية، لا من المغامرة العسكرية. فإيران، بكل تناقضاتها وأخطائها، هي جزء أساسي من معادلة الإقليم، وأي محاولة لكسرها بالقوة ستكسر المنطقة معها. الخيار العقلاني الوحيد هو العمل على إخراجها من أزمتها، لا دفعها إلى الهاوية. وبين مشروع ترامب–نتنياهو القائم على الحروب والفوضى، ومشروع إقليمي بديل يقوم على الإصلاح والتسويات، يقف مستقبل الشرق الأوسط على مفترق طرق تاريخي. والإختيار، مهما بدا اليوم خارج إرادتنا، سيحدد مصير أجيال كاملة قادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى