
تدخل إيران العام 2026 وهي في أخطر وضع تمرّ به منذ العام 1979. حرب تُدار من فوق، وإنفجارات تتكوّن من تحت، إقتصاد ينهار، شارع غاضب، صراع مكتوم داخل السلطة، ورسائل عسكرية وصلت إلى قلب الدولة. لم يعد السؤال متى تُضرب إيران، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف ستتفكك؟ من خطط إسقاط النظام، إلى معركة الخلافة، إلى تمرّد الداخل، وصولاً إلى نقل الحرب إلى طهران نفسها يطرح سؤال آخر كيف وصلت إيران إلى أخطر لحظة في تاريخها الحديث؟ شيء ما يحدث في قلب الشرق الأوسط. حدود تهتز، أعلام تُطوى، وأصوات لم تُسمع بعد. فالنظام الذي ظل قائماً لعقود بدأ يتصدّع بصمت. كان دائماً يظهر بثقة، يخطب ويهدد ويقسم إن إيران لن تسقط لكن شيئاً ما تغيّر. من طهران إلى تبريز، ومن زاهدان إلى الأحواز، الأرض تتحرك والخرائط ترتجف. “هناك من يخطط للرحيل”، وهناك من ينتظر إنهياراً لم يكن يجرؤ على تخيّله. هل إنتهى زمن الجمهورية الإسلامية؟ وهل إقتربت اللحظة التي لا يريد النظام سماعها؟ في صباح بدا هادئاً وفي عالم منشغل بصراعات أخرى، إندلع صراع غير مسبوق بين إيران وإسرائيل. الطائرات المُسيّرة، الصواريخ الدقيقة، والإنفجارات التي هزّت طهران أولاً ثم تل أبيب، كانت إشارات واضحة على إن الأمور تجاوزت الخطوط الحمراء. لم تكن مجرد حرب، بل بداية زلزال سياسي قد يُسقط إحدى أكثر الدول إثارة للجدل في الشرق الأوسط. في هذا المشهد، يُطرح السيناريو الأخطر: تفكك إيران إلى خمس دول جديدة، من عربستان إلى كردستان، ومن تركستان إلى بلوشستان. فهل يُعاد رسم خريطة المنطقة بالكامل وماذا يعني ذلك للعالم بأسره؟ على مدى أكثر من أربعين عاماً، واجهت إيران الحروب والعقوبات والضغوط ونجت، لكن هذه المرة تبدو المعادلة مختلفة. الإقتصاد على حافة الإنهيار، التضخم يتجاوز خمسةً وأربعين بالمئة والريال الإيراني ينهار، مرافق حيوية كالنّفط والطاقة تتعرض للقصف، والملايين يواجهون البطالة والفقر. البنوك عاجزة عن تلبية أبسط الحاجات، والمدن الكبرى تشهد نقصاً حاداً في الوقود والدواء، ما يزيد من الإحتقان الشعبي. عسكرياً وعلى الرغم من سنوات الدعاية، أثبتت المواجهة مع إسرائيل أن إيران غير قادرة على حماية منشآتها الحيوية. الدفاعات الجوية فشلت، وقواعد الحرس الثوري ضُربت بدقة، الجيش لم يعد يحظى بالثقة التي كان يمتلكها، وظهرت حالات تذمّر علني بين الجنود في بعض الجبهات. تزامن ذلك كله مع غضب شعبي غير مسبوق. فيديوهات متداولة أظهرت إيرانيين يهتفون بسقوط المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، فيما تداول معارضون في الخارج صوراً لإيران ما قبل “ولاية الفقيه”، وكأنهم يستعدون للعودة مع إقتراب رحيل المرشد. ومع الإنقسامات داخل السلطة، بات هناك صراع واضح بين جناح إصلاحي يريد الإنفتاح وجناح متشدد يتمسك بالصدام. خلافات خرجت إلى العلن، وتسريبات تحدثت عن تباينات داخل مكتب المرشد والحرس الثورة الإسلامية، وصراع خفي على خلافة السيد الخامنئي. يضاف إلى ذلك عُزلة دولية خانقة، فلا دعم حقيقي من الحلفاء، فالصين صامتة، روسيا مشغولة، والغرب يرى في الإنهيار فرصة لإعادة تشكيل المنطقة. طهران اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، ما يجعل فرص نجاتها ضئيلة. كل هذه المؤشرات تفتح الباب أمام سيناريو التفكك. فإيران ليست دولة متجانسة، بل تضم أعراقاً وقوميات متعددة، ومع تراجع قبضة طهران تعود الحركات الإنفصالية إلى الواجهة. الأحواز، أو عربستان، إقليم غني بالنفط وسكانه من العرب، يطالب بالإستقلال منذ عقود، ومع تصاعد النشاط المسلح والدعم الخارجي يبدو الإنفصال أقرب من أي وقت مضى. الجماعات السياسية والعسكرية هناك ستكثف عملياتها، وهي مستعدة لرفع أعلام غير إيرانية في بعض المدن. في الغرب، تبرز كردستان الإيرانية، حيث يرى الأكراد في ضعف النظام فرصة لتكرار تجربة الحكم الذاتي كما في العراق، خصوصاً مع وجود أحزاب مسلحة جاهزة للقتال والسيطرة السريعة على مناطق حدودية. إلى الشمال، تظهر تركستان أو أذربيجان الجنوبية، حيث يشكّل الأذريون ثاني أكبر قومية، ويدفعهم القرب الثقافي من تركيا وأذربيجان إلى الحلم بالإنفصال. وفي الشرق، تقبع بلوشستان، حيث يعاني البلوش من التهميش، وتحركاتهم المسلحة المحدودة قد تتحول إلى مشروع دولة مستقلة على الحدود مع باكستان فهناك نشاط دبلوماسي بلوشي مكثف للحصول على إعتراف دولي مستقبلي. وفي الوسط، قد تبقى فارستان ككيان فارسي يشكّل نواة لإيران، لكنه سيكون محاصراً إقتصادياً جيوسياسياً بلا منافذ بحرية أو موارد نفطية. تفكك بهذا الحجم ستكون له تداعيات إقليمية ودولية عميقة. دول الخليج ستسارع لدعم كيان عربي في الأحواز ما يمنح الرياض وأبوظبي فرصة لإعادة التموضع. إسرائيل ستكسب من إنقطاع دعم حزب الله، وإنكشاف الجبهة الشمالية وإنتهاء التهديد النووي، وستسعى إلى بناء تحالفات إستخباراتية مع كيانات ما بعد إيران. تركيا قد تدعم الأذريين وتستثمر التفكك لموازنة المشروع الكردي وتوسيع نفوذها شرقاً. روسيا قد تحافظ على نفوذها في الكيان الفارسي وتحاول لعب دور الوسيط. الصين ستتجه إلى إتفاقيات مباشرة مع الكيانات الجديدة لحماية إستثماراتها وضمان مشروع الحزام والطريق. قيام دولة بلوشية قد يشكّل تهديداً مباشراً لوحدة باكستان، وقد يدفعها إلى التدخل، وطالبان قد تصبح قلقة من الحدود الشرقية بينما تخشى أفغانستان إنفجاراً على حدودها الشرقية. الولايات المتحدة الأمريكية ستكون الأكثر إستفادة من إعادة تشكيل المنطقة، وستسعى لضمان أمن المنشآت النووية، وربما تدعم دولاً جديدة بشروط سياسية وأمنية. أما أوروبا فستتخوف من موجات لجوء، وستعمل على مبادرات دبلوماسية لإحتواء الفوضى. تفكك إيران ليس مجرد إحتمال، بل نتيجة طبيعية لإنهيار الداخل وتآكل الشرعية. البعض يراه فرصة لإعادة التوازن، وآخرون يرونه بداية فوضى جديدة.
إقرأ أيضاً
هل تولد على أنقاض الجمهورية الإسلامية جمهوريات جديدة.. عربستان، كردستان، تركستان، بلوشستان، فارستان؟ الأسئلة أكبر من الإجابات، لكن المؤكد أن إيران ما بعد هذه المرحلة لن تعود كما كانت. المنطقة تستعد لعصر جديد، والخريطة كما نعرفها اليوم قد تُمحى قريباً. وفي خضم ذلك، برزت خطة يُنسب تصميمها إلى نتنياهو، هدفها إسقاط النظام الإيراني دون إسقاط الدولة. بعد التصعيد المفاجئ من قبل إسرائيل إنطلقت تكهنات حول الأهداف الحقيقية للضربات: هل هي “تأديبية”؟ هل تهدف لشل القدرات العسكرية؟ أم تمهيد لضرب المنشآت النووية؟ لكن إنهاء البرنامج النووي لا يمكن أن يتم عبر ضربات جوية فقط، لأن المنشآت دُفنت عميقاً تحت الأرض، وحتى لو ضُربت فلن يُقضى على المشروع بالكامل. لذلك، يبقى الخيار الثالث هو إستمرار الضربات حتى إسقاط النظام نفسه، وهو ما قاله نتنياهو علناً، مخاطباً الشعب الإيراني بما سماه أمان الحرية والخلاص. لم تكن تلك الكلمات تحريضاً عابراً بل كانت رسائل محسوبة، نتنياهو بعد أن جرى تصفية معظم الصف الأول من القادة العسكريين الإيرانيين، ترك عمداً مساحة للسياسيين، لما يمكن تسميته بالنظام المدني: الحكومة ورئيس الجمهورية. إغتيال قادة الجيش والحرس الثوري والمقرّبين من المرشد الخامنئي لم يكن هدفاً بحد ذاته بل تمهيداً لإنقضاض داخلي على الحكم، وسحب البساط من تحت أقدام المرشد. وفي اللحظة التي يصل فيها نتنياهو إلى قناعة بأن هناك من يستطيع ضمان البديل فلن يتردد في توجيه الضربة الأخيرة إلى رأس النظام نفسه. الحديث هنا عن خامنئي ومن يدور في فلكه، وحتى المرشحين المحتملين لخلافته. وعلى طريقة ما جرى في لبنان، حين أقدمت إسرائيل على إغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله ثم خليفته هاشم صفي الدين، يرى نتنياهو أن السيناريو ذاته قابل للتكرار في إيران. وليس ذلك ضرباً من الخيال فالموساد الإسرائيلي أرسل عناصره إلى داخل إيران منذ أشهر بل منذ ما هو أبعد من ذلك، لجمع أدق التفاصيل. ما يجعل تنفيذ عمليات “جراحية” بالنسبة لإيران أمراً ممكناً، عمليات تستهدف النظام وتترك الساحة فارغةً أمام من يخلفه بشرط أن يضمن لإسرائيل ما تريد. لكن من هم أولئك الذين ينتظرون هذه اللحظة؟ سؤال بالغ التعقيد. البعض يرشّح الرئيس الحالي مسعود بزشكيان ليقود مرحلة الإنتقال. آخرون يتحدثون عن شخصيات من داخل الدائرة الضيقة لخامنئي، شخصيات لم تعد راضية عن نهجه. وهناك من يلوّح بورقة عودة حفيد شاه إيران وأسرته وإن كان هذا الخيار الأقل واقعية، فصحيح أن شريحة من الإيرانيين ناقمة على النظام، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بعودة حكم ثارت عليه أصلاً. وهنا تتضح الخلاصة إن الخيارات الواقعية محصورة برجال إصلاحيين من داخل النظام نفسه. يبقى السؤال الأهم: ما الذي يمنع نتنياهو من تنفيذ خطته؟ الجواب إن التنفيذ بدأ بالفعل منذ لحظة إعلان الحرب على إيران. إسقاط النظام كان هدفاً حاضراً منذ البداية، رغم المعارضة الغربية الواضحة. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن رفضه العلني لتغيير النظام، ومعه قادة الإتحاد الأوروبي الذين يفضلون منح طهران فرصةً جديدة. لكن هؤلاء، في حسابات نتنياهو لا يملكون كلمة الحسم. فالكلمة الفصل بيد جهة واحدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً الرئيس دونالد ترامب. وفي البداية بدا ترامب متردداً مائلاً إلى إعطاء الإيرانيين فرصة أخيرة. لكن مع تطور مجريات المواجهة، ومع إنكشاف ضعف الموقف الإيراني، بدأت الكفة تميل. ترامب تدريجياً، بدا أقرب إلى ترك الأمر لنتنياهو ليُنجز المهمة. والآن يبدو أن رئيس وزراء إسرائيل يقف عند مفترق حاسم: إما أن يجد البديل الذي ينتظره، أو أن ترضخ إيران قبل أن يكتمل المشهد. إسرائيل قادرة على تدمير رأس النظام فلديها خزان من المعلومات عن إيران فقد سبق وأن وصلت إلى غرف النوم المغلقة، لكنها تدرك إن إسقاط الدولة بالكامل سيؤدي إلى فوضى عارمة في بلد يضم أكثر من تسعين مليون نسمة من أعراق وطوائف متعددة، ما قد يشعل حروباً أهلية تمتد إلى الخارج، خاصة مع وجود قوات تدعم إيران في العراق ولبنان واليمن وأماكن أخرى. لم يعد الخطر الذي يواجه إيران محصوراً على حدودها أو قادماً من السماء، بل بات يتشكل في الشوارع، وفي القرى، وفي قلب المدن. إنفجارات غامضة، هجمات دقيقة، إحتجاجات مكبوتة، وغضب يتراكم بصمت. تهديدات لا تأتي من الخارج بقدر ما تنبع من الداخل. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يستعد النظام الإيراني لسيناريو غير متوقع؟ وهل يمكن أن تكون نهايته من الداخل؟ لطالما إعتادت طهران، حين تتحدث عن التهديدات، أن تشير إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل، السعودية، أو حلفاء الغرب في المنطقة. لكن في السنوات الأخيرة، بدأ خطاب المسؤولين الإيرانيين يتغير. بات الحديث عن التهديد الداخلي أكثر حضوراً، خصوصاً مع تكرار عمليات الإغتيال، والإنفجارات، والهجمات على منشآت أمنية حساسة. في مارس 2025، وقع إنفجار داخل منشأة تابعة لقوات التعبئة (الباسيج) في طهران، ومن نفذ العملية يكون من الداخل الإيراني. وقبل ذلك شهد إقليم سيستان وبلوشستان في يناير عملية مسلحة أودت بحياة عدد من عناصر الحرس الثوري. اللافت أن هذه العمليات لم تعد إستثنائية، بل أصبحت أكثر دقة وتكراراً، ما يوضح مدى الإختراق الأمني أو التنسيق الداخلي. إيران ربما تخشى الداخل أكثر من الخارج. فالمواجهة المباشرة مع أمريكا وإسرائيل رغم خطورتها، ليست حتمية في المدى القريب، فهي تدرك إن أي حرب مفتوحة ستفتح عليها أبواب الجحيم. لكن ما يثير قلق النظام الحقيقي هو سيناريو الإنهيار التدريجي، أو ما يُعرف بـ”الإختراق الناعم”. وتعتمد هذه الإستراتيجية على إستغلال الإحتجاجات الداخلية، تأجيج الإنقسامات القومية والطائفية، ضرب الثقة داخل الأجهزة الأمنية، وإستهداف المؤسسات الحساسة عبر شبكات داخلية. وهي مقاربة سبق للولايات المتحدة الأمريكية أن إعتمدتها بعد نجاحها في إضعاف الإتحاد السوفيتي، وإيران ليست إستثناء في هذا السياق. إحتجاجات عام 2022 التي إندلعت عقب مقتل مهسا أميني، شكّلت نقطة تحوّل مفصلية. فرغم قمعها العنيف، إلا إنها أحدثت شرخاً عميقاً في العلاقة بين النظام وجيل جديد لم يعش الثورة الإسلامية، ولا يرى في شعاراتها سوى عبء على مستقبله. لم تكن تلك الإحتجاجات مجرد مظاهرات، بل تمرداً إجتماعياً كشف عن تآكل الرصيد الشعبي للنظام ووجود أرضية خصبة لأي سيناريو بديل. إلى جانب ذلك، يبرز الخطر القومي والطائفي في دولة متعددة الأعراق مثل إيران، التي تضم الفرس، الأذريين، العرب، الأكراد، البلوش، والتركمان. ومع تصاعد التهميش والتمييز، بدأت بعض هذه المكونات تعبر عن سخطها علناً كما في مناطق البلوش شرقاً، والأكراد غرباً، والعرب في الأحواز، حيث شهدت هذه المناطق إحتجاجات ومواجهات مسلحة متكررة. هنا تحديداً يخشى النظام من تحوّل الإحتجاجات إلى تمرد منظم مدعوم خارجياً. وركزت أجهزة إستخبارات غربية وإسرائيلية، كالموساد ووكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية، على بناء شبكات داخل إيران، لا بهدف تنفيذ عمليات فقط، بل لإرباك النظام من الداخل وضرب الثقة داخل أجهزته. الإغتيالات التي طالت علماء إيرانيين، والهجمات السيبرانية على منشآت نووية، كانت جزءاً من هذه الإستراتيجية. لكن الجديد إن بعض هذه العمليات بات يتم بتعاون من أفراد داخل الأجهزة الإيرانية نفسها، ما يطرح سؤالاً خطيراً: هل هناك لإختراق حقيقي في بنية النظام؟ هذا السؤال بدأ يتردد بقوة منذ إغتيال الجنرال قاسم سليماني، حين تصاعدت الإتهامات بوجود خيانات داخلية دون نتائج حاسمة. ثم تكرر الجدل مع إغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران، دون كشف واضح عن الجهة التي سرّبت المعلومات أو نفذت العملية من الداخل. في المقابل، لا تقف طهران مكتوفة الأيدي. فقد وسّعت قبضتها الأمنية، شددت الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل، كثفت الإعتقالات، وضيّقت الخناق على مناطق الأقليات، إضافة إلى ملاحقة مزدوجي الجنسية والتجسس على الإيرانيين في الخارج. غير أن هذه السياسات، بدل أن تخفف الخطر، ستأتي بنتائج عكسية، إذ كلما إشتدت القبضة الأمنية، إزداد الإحتقان الشعبي وإرتفعت إحتمالات الإنفجار المفاجئ. ولا أحد يتحدث عن سقوط فوري للنظام الإيراني. لكن هناك من يرى إن السيناريو الأكثر واقعية هو التآكل البطيء: تمردات محلية، إنتقال عدوى الإحتجاجات، إنشقاقات محدودة داخل النظام، ضعف إقتصادي وأمني، ثم إنفجار سياسي يغيّر المعادلة. قد لا يكون هذا المسار قريباً لكنه ليس مستحيلاً، لا في نظر خصوم إيران ولا حتى في نظر بعض نخبها. إيران التي لعبت أدواراً “مدمرة” في محيطها الإقليمي، تخشى اليوم أن تصبح الدولة الأكثر عرضة للدمار من الداخل، في ظل نظام يقمع بعض معارضيه، ويكمم الأقليات، ويفرض آيديولوجيته بالقوة على المجتمع بأكمله. وفي وقت ينشغل فيه العالم بحروب أوكرانيا وغزة وتايوان ومؤخراً فنزويلا ولاحقاً غرينلاند، يتشكل مشهد آخر بصمت داخل إيران. مشهد لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه يتكون في الأزقة، وغرف المراقبة، والصراعات الإستخباراتية. فهل تتدارك طهران هذا السيناريو قبل فوات الأوان؟ أم إن الإنهيار من الداخل سيكون العدو الذي لا يُهزم بالسلاح؟ وهل يمكن للأنظمة أن تنهار من داخلها كما حدث مع الإتحاد السوفيتي؟ هذه الأسئلة عادت بقوة إلى الواجهة بعد أن إستيقظ سكان طهران ذات صباح على رسائل إسرائيلية واضحة تدعوهم إلى إخلاء منازلهم. لم يكن الأمر مناورة نفسية عابرة أو حرباً إعلامية تقليدية، بل رسالة محسوبة بدقة أعادت إلى الأذهان فوراً سيناريو عقيدة الضاحية الجنوبية لبيروت. وعقيدة الضاحية هذه هي الإستراتيجية التي إستخدمتها إسرائيل سابقاً ضد حزب الله في لبنان، والتي أدت إلى تدمير واسع في الضاحية حيث تحولت أحياء كاملة إلى ركام خلال أيام. لكن السؤال الجوهري هنا: لماذا تعلن إسرائيل اليوم عن مثل هذه الدعوات بهذا الوضوح؟ وهل يعني ذلك إن تل أبيب قررت بالفعل الذهاب نحو خيار تدمير النظام الإيراني؟ وكيف يمكن أن تبدو طهران إذا طُبّقت هذه العقيدة على أرضها؟ لفهم المعنى الحقيقي لعقيدة الضاحية، لا بد من العودة إلى حرب تموز عام 2006 حين إكتشفت إسرائيل إن أساليب الحرب التقليدية لم تعد مجدية أمام حزب الله.
إقرأ أيضاً
عندها وُلدت هذه العقيدة، لا كخطة عسكرية فحسب بل رسالة نفسية عميقة. كانت الضاحية الجنوبية، المعقل الرمزي والشعبي لحزب الله، نقطة البداية والنهاية. وتقوم العقيدة على مبدأ واضح: إذا هوجمت إسرائيل فإن المناطق التي يُعتقد إنها تُستخدم عسكرياً ستُحوّل إلى دمار شامل بلا تمييز. لكن الهدف الحقيقي لم يكن تدمير البنية التحتية العسكرية فقط، بل صناعة ذاكرة رعب تُزرع في وعي الخصم، تجعله يفكر ألف مرة قبل أي مواجهة مستقبلية. وطهران ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي المركز العصبي لإيران بأكملها. تحتضن أخطر المنشآت العسكرية والسياسية والنووية، وتُعد القلب النابض للحرس الثوري الإيراني. والأهم من ذلك، أنها تمثل رمز هيبة النظام الإيراني. وحين تفكر إسرائيل في تطبيق “عقيدة الضاحية” على طهران، فهي لا تبحث فقط عن ضربة عسكرية فعّالة بل عن كسر معنوي عميق، يهدف إلى تفكيك الصورة التي بناها النظام الإيراني لعقود في أذهان شعبه والمنطقة. قد يبدو هذا السيناريو خيالياً أو مبالغاً فيه، لكنه في جوهره يعكس فلسفة هذه العقيدة: ضرب قلب الخصُم لا أطرافه، وتحطيم رمزيته قبل بنيته التحتية. يبقى السؤال الأهم: ما الذي دفع إسرائيل الآن إلى التفكير جدياً في هذا الخيار وعلنياً؟ وهل طهران مستعدة فعلاً لمثل هذا السيناريو المرعب؟ والسؤال الأخطر ما السر الذي تعتقد إسرائيل إنها تعرفه ولا يعرفه العالم؟ ولماذا تبدو واثقة إلى هذا الحد في قدرتها على تهديد عاصمة تُعد من أقوى عواصم الشرق الأوسط عسكرياً وسياسياً؟




