دولي

القرن الإفريقي على حافة الانفجار: التحركات المصرية الصامتة ومعركة الأمن المائي

ماتريوشكا نيوز

تحركات عسكرية مصرية غير معلنة في منطقة القرن الإفريقي تضع العلاقات بين مصر وإثيوبيا على مسار أكثر تعقيداً مما يظهر في الخطاب الدبلوماسي العلني. فزيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة في 30 أكتوبر الماضي لم تكن بروتوكولية بل تضمنت تفاهمات وُصفت بالسرية، تتعلق بتطوير ميناء عَصَب الإريتري وتحويله إلى نقطة إرتكاز إستراتيجية للقوات البحرية المصرية، ولا يقتصر الأمر على تطوير مدني للميناء، بل يشمل إنشاء أرصفة قادرة على إستقبال قطع بحرية ثقيلة، من فرقاطات وغواصات وحاملات مروحيات، إضافة إلى بنية لوجستية متكاملة للتزود والدعم، وتأسيس وجود عسكري مصري بري وبحري، بما في ذلك قوات خاصة وقدرات تشغيل الطائرات المسيّرة، مستفيدة من الطبيعة المزدوجة للموقع الذي يضم ميناءاً ومطاراً في آن واحد. والأهمية الإستراتيجية لميناء عصب لا تنبع من موقعه الجغرافي فحسب، بل من كونه نقطة تماس مباشرة مع الطموحات الإثيوبية في الوصول إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا الدولة الحبيسة، تعتمد بشكل شبه كامل على ميناء جيبوتي في إنسياب تجارتها الخارجية، وهناك تفاهمات مصرية-جيبوتية لتطوير ميناء جيبوتي نفسه، والطريق الحيوي الواصل إلى أديس أبابا، بما يعني أن الشريان البحري الرئيسي لإثيوبيا سيقع تحت تأثير مصري مباشر أو غير مباشر. هذا التطويق البحري المحتمل يتكامل مع معطيات أخرى على الأرض. فمصر تعزز حضورها في الصومال، وتنسق مع الجيش السوداني، في وقت تشهد فيه إثيوبيا هشاشة داخلية غير مسبوقة. فالدولة الإثيوبية تعاني تمردات متزامنة في أقاليم الأمهرة والأورومو وتيغراي وأوغادين وبني شنقول وقمبيلا، ما يجعل أي ضغط خارجي عامل تسريع لتفكك داخلي قائم أصلاً. في المقابل تُتهم القيادة الإثيوبية، وعلى رأسها آبي أحمد باللعب على حافة الهاوية عبر توسيع ساحات الصراع، وفي إقليم بني شنقول تبنى بنية تحتية عسكرية، تشمل مطارات وحظائر للطائرات المسيّرة، وتنسيق مع قوات الدعم السريع السودانية، بهدف خلق مسرح عمليات يمتد من الحدود الإثيوبية إلى عمق إقليم النيل الأزرق في السودان، مع تركيز خاص على مدينة الدمازين وسد الروصيرص. الخطورة هنا لا تكمن فقط في البعد العسكري بل في البعد المائي، فالسيطرة على سدود السودان – الروصيرص، سنار، وربما مروي لاحقاً يعتبر جزءاً من إستراتيجية ضغط طويلة الأمد تسمح بالتحكم في تدفقات المياه خلال فترات الجفاف، بما ينعكس في النهاية على الحصة المائية لمصر. أي أن الصراع لا يعود صراع حدود أو موانئ، بل صراع وجودي مرتبط بالأمن المائي. في مواجهة ذلك، تتحرك القاهرة بهدوء وسرية، معتمدة على شبكة تحالفات إقليمية: إريتريا بجيشها العقائدي المعادي تاريخياً للهيمنة الإثيوبية، جيبوتي بوصفها عقدة لوجستية، الصومال كعمق إستراتيجي جنوبي، والسودان كساحة تماس مباشرة. هذا التطويق لا يستهدف الحرب بقدر ما يستهدف الردع، وإيصال رسالة مفادها أن نقل الصراع إلى حدود مصر أو تهديد أمنها المائي لن يمر دون كلفة باهظة، وفي قلب هذا تبرز الإمارات كفاعل مثير للجدل، فهي داعمة لمسارات زعزعة الإستقرار عبر أكثر من ساحة.. ليبيا، تشاد، السودان، اليمن والقرن الإفريقي. وهذه الأدوار هي جزء من مغامرة جيوسياسية من الممكن أن تخرج عن السيطرة وتفتح الباب أمام سيناريوهات دامية لا تخدم إستقرار الإقليم بأكمله. في النهاية، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاد: إما احتواء الصراع عبر تسويات عقلانية، خصوصاً في ملف سد النهضة، أو الإنزلاق إلى سلسلة مواجهات متداخلة قد تبدأ في السودان أو البحر الأحمر، ولا يُعرف أين تنتهي. الكرة لم تعد في ملعب طرف واحد، بل في شبكة معقدة من الفاعلين الذين يلعبون جميعاً على حافة الإنفجار.

في هذا السياق الإقليمي شديد التعقيد، لا يمكن فصل التحركات المصرية على الأرض وفي البحار عن مسار التحديث العسكري المتسارع الذي تنتهجه القاهرة. فإعادة التموضع في القرن الإفريقي، وبناء نقاط إرتكاز بحرية، وتوسيع شبكة التحالفات كلها خطوات تحتاج إلى مظلة ردع متقدمة قادرة على العمل بعيداً عن الحدود التقليدية، بكلفة بشرية منخفضة ومرونة عملياتية عالية. ومن هنا، يصبح تحديث القدرات الجوية ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة بعيدة المدى جزءاً عضوياً من الإستراتيجية نفسها، لا تفصيلاً منفصلاً عنها. فكما تتحرك مصر جغرافياً لإحكام الطوق الإستراتيجي حول مسارح التهديد المحتملة، تتحرك في الوقت ذاته تكنولوجياً لإمتلاك أدوات قادرة على فرض المعادلة ومنع الخصوم من إختبار الخطوط الحمراء. هذا التلاقي بين الجغرافيا والتكنولوجيا يفسّر طبيعة الخيارات التسليحية التي تتجه إليها القاهرة، حيث لا يكفي الحضور العسكري وحده من دون إمتلاك منصات قادرة على العمل بعمق، والإستطلاع والضرب والضغط دون إنكشاف مباشر. في هذا الإطار تحديداً يبرز الإهتمام المصري بمنصات مسيّرة متقدمة من طراز غير تقليدي، قادرة على تغيير قواعد الإشتباك ورفع كلفة أي مواجهة محتملة. وهنا لا نتحدث عن مسيّرة إعتيادية مخصصة للإستطلاع أو الضربات المحدودة، بل عن منظومة جوية كاملة ذات أدوار هجومية وإستخباراتية مركّبة واحدة من أخطر ما أنتجته الصناعات العسكرية الصينية WG-700.

مجرد تداول خبر إحتمال وصولها إلى مصر كان كافياً لإشعال القلق في تل أبيب، والقاهرة دخلت فعلاً في مفاوضات متقدمة مع شركة الصناعات العسكرية الصينية CASC للحصول على هذه الطائرة، في خطوة لا يمكن قراءتها بإعتبارها تقنية بحتة، بل تطوراً قد يعيد رسم ميزان القوة الجوية في الشرق الأوسط بأكمله. و WG-700 ليست مجرد طائرة مسيّرة تقليدية بل منصة هجومية وإستخباراتية متكاملة، تعمل على إرتفاعات عالية، وتتميّز بسرعة لافتة وقدرة كبيرة على البقاء في الجو لساعات طويلة، مع تنفيذ مهام معقّدة ومتقدمة. أخطر هذه المهام يتمثل في قمع الدفاعات الجوية المعادية، وهو دور حساس عادة ما يُسند إلى طائرات مأهولة عالية المخاطر. إمتلاك هذه القدرة يعني شيئاً واحداً أن الجيش المصري سيكون قادراً على إستهداف أنظمة الدفاع الجوي المعادية بدقة عالية ومن مسافات بعيدة، من دون تعريض حياة أي طيار للخطر. هذه الميزة لا تغيّر فقط أسلوب القتال، بل ترفع من سقف الخيارات العملياتية في أي سيناريو مواجهة محتمل. وإذا ما إكتملت الصفقة، فإن دخول المسيرّة نفسها إلى الترسانة المصرية لن يُنظر إليه على أنه مجرد إضافة سلاح جديدة، بل رسالة إستراتيجية واضحة مفادها أن مصر بدأت الإنتقال إلى بناء ترسانة هجومية متطورة من الصف الأول، تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والضربات الدقيقة والعمل بعيد المدى، وهو ما يفرض معادلات جديدة في توازنات القوة الإقليمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى