عربي

بيان حول زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق واختتام عمل بعثة (يونامي)

بيان هيئة العلماء والمسلمين حول زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق وإعلان انتهاء بعثة عمل (يونامي)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فتشكّل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريش) إلى العراق، وإعلانه انتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بتاريخ (13/12/2025م) بعد أكثر من (22) عامًا من وجودها؛ محطة مهمة تستوجب تقويمًا صريحًا ومسؤولًا لتجربة هذه البعثة وأثرها في المشهد العراقي.

ونبدأ من تصريحات السيد (أنطونيو غوتيريش) الأخيرة في العراق، التي خلت من أي إشادة بالجهود الحكومية والمسار (الديمقراطي) أو الإصلاحات ولو بصيغة عامة، فلم يشكر الحكومة إلا في موضع واحد وهو تسمية شارع باسم الأمم المتحدة في بغداد، وهو موقف نعده محسوبًا بدقة؛ لأن الصمت في هذا السياق يُعد رسالة، يمكن قراءة دلالاتها السياسية في عدم الرضا الدولي عن أداء النظام السياسي في العراق، الذي لم يقدم نموذجًا للاستقرار.

أو أن السيد (غوتيريش) لا يريد منح شرعية خطابية لحكومة متهمة: بالضعف والفساد، والانتهاكات الإنسانية، والعجز عن الإصلاح السياسي، وهي مآخذ سجلتها بعض الإحاطات الأممية السابقة عن العراق، وإن صيغت بلغة حذرة.

ولذلك فقد ركز السيد (غوتيريش) على: المعاناة الإنسانية للشعب العراقي، والسلم المجتمعي، والاستقرار الإقليمي، وتجنب: الإطراء الزائد على الحكومة، أو الإشادة بالعملية السياسية؛ ويمكن قراءة ذلك بأنه: يعكس تحولًا في الخطاب الأممي من دعم (النظام السياسي) إلى دعم (المجتمع)، بما يتضمنه هذا الخطاب من إشارات تحذير للمجموعات الحاكمة بأن الشرعية الدولية ليست مفتوحة بلا شروط؛ ولا سيّما أن هناك قناعة بعدم قدرة النظام الحالي على تمثيل سيادة وطنية متماسكة في العراق، وأن النظام السياسي فيه لم يعد محل إجماع دولي من الناحيتين السياسية والأخلاقية، حتى وإن استمر التعامل معه كأمر واقع.

أما فيما يتعلق بأداء بعثة الأمم المتحدة في العراق (UNAMI) طوال أكثر من عقدين منذ عام (2003م) وحتى انتهاء أعمالها أخيرًا؛ فقد كان متوقعًا منها أن تضطلع بدورها المهني والأخلاقي المفترض في دعم تطلعات الشعب العراقي نحو: السيادة، والعدالة، والانتقال السياسي السليم؛ إلا أن واقع الحال يبيّن أن البعثة، في مجمل أدائها؛ أسهمت -للأسف- في تجميل صورة العملية السياسية القائمة في العراق، على الرغم مما رافقها من فسادٍ بنيوي، وسوء إدارة مزمن، ونظام محاصصة طائفية وإثنية؛ عطّل قيام الدولة، ورسّخ الانقسام المجتمعي، وبدّد ثروات البلاد، وجعلها نهبًا للمتنفذين في الحكم وداعميهم.

حيث سعت تقارير بعثة (يونامي)، في كثير من محطاتها، إلى ترسيخ قواعد العملية السياسية وتقديمها بوصفها مسارًا مقبولًا أو قابلًا للإصلاح، في تجاهل واضح لإخفاقاتها الجوهرية، وهو ما عُدّ من قبل قطاعات واسعة من العراقيين انسجامًا مع الرؤية الأمريكية، بوصفها البلد المحتل للعراق والراعي والمخطط الأساسي للنظام السياسي الذي أُقيم فيه بعد احتلاله عام (2003م)، على الرغم من أن بعض تقاريرها قد رصدت تجاوزات وانتهاكات حكومية بارزة، وأشارت -بحدود معينة- إلى خطر الميليشيات المسلحة والسلاح المنفلت، الذي تعمل في ظله حكومات بغداد، غير أن هذه الإشارات بقيت في إطار التوصيف العام، دون أن ترتقي إلى مستوى الإدانة الصريحة أو المواقف العملية الرادعة.

وقد واجهت بعثة (يونامي) نقدًا متكررًا لعدم إدانتها الحازمة لعمليات التهجير القسري، والتغيير الديمغرافي، التي نفذتها القوات الحكومية والميليشيات الإرهابية المرتبطة بإيران، وطالت محافظات ومناطق عراقية عدة، ما زالت عشرات منها خالية من سكانها الذين يُمنعون من العودة إليها، وخلّفت مآسي إنسانية عميقة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

إن إنهاء عمل بعثة (يونامي) لا يعني طيّ صفحة الماضي دون انتقاد أو مراجعة؛ بل يستوجب مراجعةً شاملةً لتجربتها في العراق، التي لم تنجح فيها في الانحياز الواضح لضحايا العنف السياسي والطائفي، ولم تكن على مستوى آمال العراقيين في دعم مسار وطني مستقل بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

ويُسجَّل في هذا السياق أن ختام عمل البعثة، على يد رئيسها (محمد الحسان)، جاء محمّلًا بالمجاملات السياسية، ومحاولات تجميل صورة عملية سياسية قبيحة في جوهرها، بدل تسمية الأشياء بأسمائها، والاعتراف الصريح بأن هذا المسار لم ينتج دولة عادلة ولا نظامًا مستقرًا؛ بل كرّس الفشل والانقسام والارتهان.

إن الشعب العراقي، وهو يطوي صفحة (يونامي)؛ يؤكد أن مستقبل العراق لا يُبنى بتقارير دبلوماسية مهادِنة، ولا ببعثات دولية تُغلّب التوازنات السياسية على مبادئ العدالة وحقوق الإنسان؛ بل بإرادة وطنية حرة، ومشروع سياسي جامع، ودولة سيادة حقيقية تُنهي حقبة الوصاية والفشل.

الأمانة العامة
24/جمادى الآخرة/1447هـ
15/ 12/ 2025م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى