
ما قبل الضربة: كيف تُدار الفوضى في إيران من الخارج
ما يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتعامل مع الشأن الإيراني وكأنه ملف داخلي يخصه، يتنقّل بين التحذير والتهديد بثقة، من دون أن يواجه رادعاً وكأن له الحق الطبيعي في رسم حدود الفعل والرد داخل دولة أخرى. هذا المشهد طبعاً ليس إستثناءاً إيرانياً بل نموذجاً قابلاً للتكرار في بلدان أخرى، طالما لا أحد قادر على كبح هذا التدخل أو حتى إرباكه. رئيس يقدّم نفسه بوصفه داعية سلام فيما لا يُرى من هذا السلام سوى لغته القاسية وتهديداته المتصاعدة ونبرته التي تزداد حدّة وتدخلاته بشؤون دول أخرى عسكرياً وسياسياً ولصوصية. تهديدات الرئيس ترامب للنظام الإيراني لم تعد عابرة أو خطابية فقط بل باتت مشبعة بالقوة الرمزية والمادية في آن واحد. إقتصاد الدولة التي يلوّح بضربها لم ينهار من فراغ بل تحت وطأة عقوبات خانقة صُممت لتفكيك الداخل قبل كسر الخارج. شبكة العقوبات الأمريكية ومعها أذرع الضغط السياسية والعسكرية، بلغت ذروتها في الغارات الجوية التي نُفذت في يونيو 2025، لتؤكد إن التهديد لم يكن يوماً مجرد كلام. في هذا المناخ الخانق، خرج الإيرانيون في الأيام الأولى للإحتجاج وهم يحملون في أيديهم فواتيرهم، لا شعارات آيديولوجية. كان الغضب معيشياً ويومياً وبسيطاً في شكله مشروعاً في مضمونه. لم يكن في المشهد ما يوحي بإنقلاب سياسي شامل أو مشروع إسقاط منظم. كانت لحظة إعتراض تشبه ما قد يحدث في أي دولة حين يضيق العيش وتنهار القدرة على الإحتمال. لكن مع دخول شهر يناير، تغيّر الإيقاع تماماً. بدأ العامل الخارجي أي الأمريكي – الإسرائيلي يتسلل إلى المشهد، لا على هيئة تدخل عسكري مباشر، بل كإدارة دقيقة لفئات من المحتجين، وتوجيه علني لمسار الغضب.
فجأة، لم يعد الشارع وحده هو الذي يتحرك، بل الرواية أيضاً وهذا لا يمكن فصله عن اليد الأمريكية – الإسرائيلية التي تدير الإيقاع من بعيد وتترك الشارع أن يدفع الثمن. إنقطاع الإنترنت الذي كان في نطاق أمني لمعرفة من يثير الشغب ويوثق ذلك سرعان ما تبيّن إن القطع المؤقت ليس سوى مقدمة لخيار أعمق وهو بناء شبكة إنترنت وطنية مغلقة تُدار مركزياً وتُتاح فيها فقط منصات محلية خاضعة للرقابة. خطوة كهذه لا تُتخذ في ذروة أزمة فقط بل تُخطط لها كجزء من تصوّر طويل الأمد لدولة ترى في الفضاء الرقمي ساحة سيادة لا تقل أهمية عن البر والبحر. في المقابل واشنطن تعيد تموضع خطابها، الرئيس دونالد ترامب لم يتحدث عن إيران بلغة الإدانات التقليدية ولم يكتفِ ببيانات القلق. إختار أن يخاطب الإيرانيين مباشرة لا بوصفهم شعباً تحت حكم، بل بوصفهم حركة سياسية ناشئة. دعاهم إلى السيطرة على المؤسسات وإلى حفظ أسماء من سماهم “القتلة”، ووعدهم بأن المساعدة في الطريق. لم يشرح، لم يحدد، ولم يحتاج إلى ذلك. هذا الخطاب لا يُقرأ كتعاطف، بل كتحريض صريح أساساً وبكل وضوح. لذلك جاء الرد الإيراني في الأمم المتحدة بلغة قانونية صارمة لكنها مشحونة سياسياً. مندوب إيران الدائم لم يتحدث عن تدخل محتمل بل عن مسؤولية قانونية مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل عن سقوط الضحايا. لم تكن الرسالة موجهة فقط إلى مجلس الأمن، بل إلى الرأي العام الدولي كذلك في محاولة لنزع الشرعية الأخلاقية عن أي خطوة أمريكية لاحقة. وهناك تفاوت بأعداد القتلى بين الروايات المختلفة، حيث تحدثت السلطات الإيرانية عن نحو ألفي قتيل، شملوا عناصر من قوات الأمن ومواطنين عاديين، وألقت المسؤولية على عناصر إرهابية مدعومة من الخارج موضحة إن عدد قتلى هذه العناصر كان أقل بكثير مقارنة بخسائر قوات الأمن والمواطنين. في المقابل تقول الرواية الأمريكية والغربية إن الحصيلة تجاوزت 12 ألف قتيل وربما 20 ألفاً في ظل غياب الإنترنت. هذا التضارب لم يكن مجرد فوضى معلومات بل ساحة حرب بحد ذاتها. الرقم هنا ليس إحصاء بل أداة. كلما إرتفع إرتفعت معه كلفة الصمت الدولي وكلما إنخفض تعززت رواية السيطرة.
- نبوءات صفراء أم قراءات عبثية للعالم؟ أسرار عائلة سيمبسون

- الصراع الإيراني–الأمريكي من منطق الفوضى الدولية إلى سياسات الاحتواء

- ما هي اسباب تأخير الحرب الكارثية القادمة؟ وماذا كتب نتنياهو في كبرى الصحف الأمريكية محرضا على العراق وبرنامجه النووي المزعوم في عام 2002؟ وهل اصبح حلم توحيد العراق والشام هدفا أمريكيا فجاءة؟

- البقرة الحمراء MELODY: سر الهيكل السليماني بين الأسطورة والواقع”

- حول النتائج المتوقعة لجولة مفاوضات غير مؤكدة

ترامب نفسه إستثمر هذا الغموض. قال إنه لا يعرف الرقم الحقيقي لكنه “مرتفع جداً”. ترك المسألة معلّقة ليستخدمها لاحقاً كذريعة أخلاقية لأي تصعيد! وبالعودة للداخل الإيراني، هناك شددت السلطات قبضتها وإستعادت زمام الأمور: إعتقالات بالجملة لمثيري الشغب، ضبط مئات القطع من الأسلحة، ومتفجرات وأجهزة إتصال فضائية مثل ستارلينك. وهذا الإعلان الهدف منه ليس فقط تفكيك خلايا بل إعادة توصيف المشهد بأن ما يجري ليس إنتفاضة شعبية بل فوضى مُدارة. حتى الإشتباكات في مناطق كردية غرب البلاد وتحديداً في محافظة كرمانشاه والهجوم والسيطرة على قواعد لحرس الثورة الإسلامية من قبل وحدات “دالاهو” التابعة لـ “الجيش الوطني الكردستاني (SMK)، الجناح العسكري لحزب حرية كردستان (PAK)”، دخلت في هذا الإطار، دليل على الإعلان الرسمي الجكومي عن الطابع المنظم والعنيف للأحداث. والمشهد كالعادة لم يبقَ محصوراً داخل الحدود الإيرانية. فأوروبا المنهكة من الحرب الروسية – الأوكرانية ليست راغبة في فتح جبهة جديدة بل وخائفة من واشنطن لذلك جاء موقفها عبر إدانات لفظية، إستدعاء سفراء والذهاب إلى عقوبات دون التلويح الى خطوات عسكرية مثل أمريكا. هذا التردد الأوروبي هو إنعكاساً لعجز بنيوي عن إتخاذ قرار مستقل. كندا بعد واشنطن نفسها، دعت رعاياها إلى المغادرة فوراً في وقت تعرّض فيه مبنى السفارة الإيرانية في أوتاوا الخالي منذ أن جرى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين في العام 2012 لأعمال تخريب حيث قام أشخاص مجهولون بإزالة الأعلام الإيرانية من مدخل البعثة الدبلوماسية. دول أخرى بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وفنلندا إستدعت سفراء إيران لديها. الأمم المتحدة عبّرت عن قلقها من تصاعد الخطاب العسكري في إشارة إلى تصريحات الرئيس ترامب. في المقابل، بدت روسيا والصين أكثر وضوحاً. موسكو رأت في التصعيد الأمريكي تهديداً مباشراً لمبدأ السيادة، وخطوة إضافية في سياسة تطويقها عالمياً. بكين وإن إلتزمت الصمت النسبي، كانت تراقب بعين القلق أي سابقة تسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة بحجة حقوق الإنسان. وإيران هنا ليست حليفاً فقط بل ساحة إختبار. في الخليج، كان القلق أكثر تعقيداً ليس دفاعاً عن طهران، بل خوفاً من إنفجار إقليمي شامل. فالدول الخليجية التي عاشت سنوات من التوتر مع طهران غير مستعدة لدفع ثمن حرب جديدة. أي ضربة أمريكية ستعني رداً إيرانياً مباشراً، ما يضع البنية التحتية النفطية والممرات البحرية في مرمى النار. لهذا، لم تكن دعوات التهدئة نابعة من تعاطف، بل من حساب بارد للمخاطر. الشيخ حمد بن جاسم رئيس الوزراء القطري الأسبق تحدّث بوضوح غير معتاد محذراً من إن أي ضربة عسكرية لن تخدم حتى حلفاء واشنطن، بل ستفتح أبواب فوضى لا يمكن السيطرة عليها. دعا إلى ضغط دبلوماسي خليجي موحد، في محاولة لكبح الإندفاع الأمريكي. كما شددت الإمارات على ضرورة التعاون المشترك لتعزيز الإستقرار والأمن في المنطقة في إتصال بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره الإماراتي عبدالله بن زايد بعد الإضطرابات الأخيرة في إيران التي نتجت عن تحريض إسرائيلي وأمريكي لإشعال الفوضى. لكن بينما كانت الدعوات للتهدئة تتصاعد علناً، كانت التحضيرات العسكرية تسير في مسار مواز. إفتتاح خلية تنسيق جديدة للدفاع الجوي والصاروخي في قاعدة العديد بقطر لم يكن إجراءاً تقنياً بل رسالة إستراتيجية. تعزيز التكامل الدفاعي وتبادل المعلومات والإستعداد لحالات الطوارئ، كلها مؤشرات على إن خيار القوة وإن لم يُعلن كان حاضراً في الحسابات. والهجوم الأمريكي الذي أصبح محتملاً أكثر من عدمه ومحدودية الخيارات العسكرية بسبب إعادة إنتشار القوات الأمريكية لم تتناقض بل كشفت طبيعة الإستراتيجية: ضغط أقصى مع إبقاء كل الأبواب مفتوحة. حتى إن واشنطن طلبت من دول أوروبية تبادل معلومات إستخباراتية عن أهداف داخل إيران، جاء كجزء من إعداد بنك خيارات، فالولايات المتحدة الأمريكية ستستهدف قادة المنظمات والقوى التي تعتبر مسؤولة عن أعمال العنف التي شهدتها إيران خلال الإحتجاجات لا المنشآت النووية خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إن المساعدة قادمة. ولا بد من الإشارة هنا إلى مصطلح “ميغا MIGA” الذي بات يظهر في الخطاب السياسي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليصف الحراك الشعبي المشتعل في إيران وهو إمتداد سياسي وآيديولوجي للحركة الأمريكية المؤيدة للرئيس ترامب “ماغا MAGA”، وهو إختصار لـ “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” MAKE AMERICA GREAT AGAIN، بينما MIGA تعني “لنجعل إيران عظيمة مجدداً” MAKE IRAN GREAT AGAIN. ولأول مرة إستخدم الرئيس ترامب هذا المصطلح علناً في تدوينة على منصة “تروث سوشيال”، داعياً الإيرانيين لمواصلة الإحتجاجات والسيطرة على مؤسسات الدولة، مؤكداً إن المساعدة قادمة إليهم. كما أعاد ترامب إستخدام المصطلح خلال خطاب آخر حيث وصف النظام الإيراني بأنه تجاوز الخطوط الحمراء وقتل العديد من المتظاهرين. وهنا العلاقة بين ميغا الإيرانية وماغا الأمريكية تتجاوز مجرد التشابه اللغوي، فهي تعكس محاولة الرئيس ترامب تحويل حركته الوطنية الأمريكية إلى نموذج عالمي يمكن تكراره في أقطار أخرى بما في ذلك إيران مع تبني أهداف وإستراتيجيات وخطاب سياسي مشابه يركز على مواجهة الدولة العميقة، ومعاداة النخب السياسية والثقافية والإعلامية، والسعي إلى تجاوز مرحلة الضعف والهوان، ورفع خطاب قومي صافي بعيد عن التأثير الديني، وربط الأزمة الإقتصادية بإدارة الموارد والإنفاق الإقليمي للنظام. إذن ميغا الإيرانية هي أول نتاج سياسي واضح لماغا الأمريكية، تمثل نسخة متممة للأفكار والسياسات التي يتبناها الرئيس ترامب، مع توقعات أمريكية لما بعد النظام الإيراني في حال سقوطه، تشمل: إنهاء البرنامج الصاروخي والنووي، القضاء على الآيديولوجية الدينية المعارضة لإسرائيل وأمريكا، السيطرة على النفط والغاز الإيراني، والمشاركة في جهود القضاء على الميليشيات المسلحة في المنطقة، بما يسهم في تطويق روسيا والصين وإضعافهما في الشرق الأوسط. وفيما يخص قيادة المرحلة الإنتقالية، لا يبدو إن واشنطن تملك مرشحاً واضحاً رغم لقاءات سرية بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وولي عهد إيران السابق رضا بهلوي، الذي يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1979. والرئيس ترامب إستبعد عقد لقاء رسمي معه، قائلاً: “بهلوي شخص لطيف، ولكن لقائي به بصفتي رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية قد لا يكون مناسباً. دعونا نرى من سيبرز في النهاية”. حتى ظهور شخصية قادرة على قيادة المرحلة الإنتقالية إختارت إدارة الرئيس ترامب طرح شروطها عبر حركة ميغا، ومتابعة الأحداث لتحديد الحصان الرابح الذي سيشكل المستقبل السياسي لإيران. وإيران ليست دولة يمكن تفكيكها بشعار، ولا نظاماً يمكن إسقاطه دون كلفة هائلة. هذا ما جعل كثيرين داخل وخارج إيران يتعاملون مع ميغا بحذر حتى وهم يستثمرون فيها إعلامياً. وفي هذا الإطار لم تعد الأخبار التي تبدو جانبية من تصنيف الإخوان المسلمين في الأردن ومصر ولبنان تنظيمات إرهابية خارج السياق. فكلها تشكل نمطاً واحداً، وهو إن الإدارة الأمريكية تعيد تعريف الخصوم وتعيد رسم خطوط الإشتباك داخلياً وخارجياً مستخدمة الأدوات نفسها أي العقوبات، التصنيفات، الضغط العسكري، والحرب المعلوماتية. إيران اليوم كما الواضح تقف عند مفترق مفتوح. الشارع لم يُحسم والدولة لم تنهار، والخارج لم يتدخل عسكرياً لكن كل العناصر باتت على الطاولة. ما يجري لم يعد إحتجاجات إقتصادية ولا أزمة سياسية عابرة، بل فصلاً جديداً في صراع طويل تُكتب سطوره في الشوارع الإيرانية، وتُحرر هوامشه في واشنطن، وتبقى نهايته معلّقة على قرار لم يُتخذ بعد. وإذا كان هذا المشهد يبدو مكتمل الأركان فإن ما تحته أكثر تعقيداً. فخلف الإحتجاجات لم تكن الدولة تواجه شارعاً فقط بل إختباراً وجودياً لنموذجها الأمني. منذ إحتجاجات العام 2009، ثم 2017، ثم 2019، بنت طهران منظومة ردع داخلية تقوم على ثلاثة أعمدة: السيطرة الميدانية السريعة، التحكم بالمعلومة، وكسر الزخم قبل تحوله إلى سردية وطنية جامعة. ما جرى في هذه الجولة هو إن الأعمدة الثلاثة إهتزت في وقت واحد. ميدانياً إتضح نسبياً إن الإنتشار الأمني لم يعد كافياً. فإتساع رقعة المدن وتفاوت أشكال الإحتجاج، من تظاهرات سلمية إلى هجمات على مقار أمنية، أربك المنطق الذي إعتادت عليه الأجهزة الأمنية. فلم يعد هناك مدينة مركزية تُكسر فيُكسر معها المشهد. كل مدينة كانت جزيرة إشتعال مستقلة ما أتعب القوات الإيرانية، وفتح المجال أمام أخطاء قاتلة في التقدير. معلوماتياً تحولت الحرب الرقمية إلى ساحة صراع قائمة بذاتها. كل فيديو يُسرَّب كل رقم يُتداول كل شهادة تُنشر من الخارج، كانت تشكل طعنة للسلطة التي كانت تحاول السيطرة على المشهد. لذلك لم يكن الإنترنت الوطني خياراً تقنياً بل إعادة هندسة للسيادة عبر دولة تحاول أن تعيش داخل حدودها الرقمية. أما الزخم فكان أخطر ما في المعادلة. الإحتجاجات السابقة فشلت لأنها بقيت محصورة بفئات إجتماعية أو مناطق محددة. هذه المرة بدا المشهد أكثر تداخلاً حيث تمثل بطبقات متوسطة وعمال وتجار وحتى أصوات داخل قواعد تقليدية للنظام. هذا التداخل لم يتحول إلى قيادة موحدة لكنه خلق شعوراً عاماً بأن ما يجري ليس حدثاً عابراً. هنا بالضبط دخل العامل الأمريكي بثقله الكامل. الرئيس ترامب لم يتعامل مع المشهد بوصفه أزمة داخلية لدولة خصم بل فرصة إستراتيجية. لغته لم تكن لغة إدارة أزمة، بل لغة كسر نظام. حين دعا الإيرانيين إلى حفظ أسماء المسؤولين عن القتل كان يزرع فكرة المحاسبة المستقبلية. وحين تحدث عن المساعدة، كان يفتح باب التوقعات، لا الوعود. هذا الأسلوب ليس جديداً على الرئيس ترامب. هو نفس المنطق الذي إستخدمه مع خصومه الداخليين في الولايات المتحدة الأمريكية عبر نزع الشرعية وشيطنة الخصم وترك القاعدة الشعبية في حالة تعبئة دائمة. إسقاط هذا النموذج على إيران كان رهاناً عالي المخاطر لكنه محسوب. فإما أن يُنهك النظام تحت الضغط أو يُدفع إلى رد فعل مفرط يُبرر التدخل. في هذا السياق، تصبح الإعدامات والحديث عنها خطاً أحمر مقصوداً ليس لأنها جديدة في تاريخ النظام بل لأنها قابلة للتسويق دولياً. فالرئيس الأمريكي ترامب لم يحتاج إلى دليل بل إلى إحتمال. مجرد التلويح بعشرات الإعدامات كافٍ لتحويل الأزمة إلى قضية أخلاقية عالمية، تُفتح فيها كل الخيارات. لكن إيران تحاول قلب الطاولة فهي تسعى إلى تثبيت وتأكيد سردية التدخل الخارجي والذي حصل فعلاً. كل قطعة سلاح مصادرة وكل إعتراف متلفز أو تصريح وكل ربط بين المحتجين وأجهزة إستخبارات أجنبية كان جزءاً من هذا الجهد. ليس لإقناع الشارع الداخلي، بل لتحصين الموقف قانونياً إذا ما إنتقل الصراع إلى مستوى أعلى وأوضحت ذلك برواية تفصيلية عمّا وصفته بأحداث الشغب والأعمال الإرهابية التي شهدتها البلاد مؤخراً، مقدّمة المشهد لا كإحتجاجات متفرقة بل كواحدة من أخطر موجات العنف المنظم التي إستهدفت الداخل الإيراني من حيث الحجم والطبيعة. وبحسب طهران فإن الأيام الأخيرة كشفت عن نشاط مكثف لخلايا إرهابية ومجموعات غوغائية لإثارة شغب، تصرفت بوحشية تشبه أساليب تنظيم داعش الإرهابي في مشاهد عرّت الوجه الحقيقي لما تسميه المعارضة المضادة بألثورة. ممارسات وصفتها بـغير الإنسانية، إلى درجة إن عرضها حتى في الأعمال الخيالية يخضع لرقابة نظراً لبشاعتها وحدّتها. كذلك تحدثت عن أنماط قتل غير مسبوقة طالت الضحايا، شملت إطلاق النار المباشر على الرأس وقطع الشرايين وتشويه الجثث والحرق وهم أحياء، والقتل بإستخدام القنابل اليدوية. وإلى جانب ذلك جرى إحراق مساجد وممتلكات عامة، ما أسهم في خلق حالة واسعة من إنعدام الأمن في عدد من المناطق فالقتل بحد ذاته هو الإستراتيجية المركزية لنشر الإضطرابات وتهيئة الأرضية للمرحلة التالية من المخطط الأمريكي – الإسرائيلي. فالغالبية العظمى من الضحايا كانوا من المدنيين العاديين، ممن لا علاقة لهم بالأحداث. وتورد أمثلة مؤلمة: طفل في الثالثة من عمره، رجل مسن في السبعين، سائق يعمل عبر تطبيق سناب كان يمر بالمنطقة لتأمين قوت أسرته، طالب كان برفقة عائلته، ممرضة أُحرقت، إضافة إلى عمال ومشاة قُتلوا بعد إلقاء كتل خرسانية عليهم من أسطح المباني وعملية تحديد هويات القتلى والمصابين لا تزال مستمرة نظراً لأن بعض الجثث لم تكن قابلة للتعرّف عليها بسبب طبيعة الجرائم، ما إستدعى اللجوء إلى فحوصات متخصصة لإتمام عمليات التعريف فيما جرى خلال الأيام الأخيرة تلقي نحو 400 ألف إتصال على الرقم 114 أسهمت في كشف جزء مهم من الشبكات الإرهابية الصهيونية – الأمريكية وتدميرها مؤكدة إن هذه العملية لا تزال متواصلة. حتى داخل إسرائيل لم يكن الإجماع كاملاً. صحيح أن إضعاف إيران هدف إستراتيجي ثابت لكن توقيت المواجهة وشكلها بقيا محل نقاش. حرب مفتوحة في ظل إشتعال أكثر من جبهة من غزة إلى لبنان، ليست خياراً بسيطاً. لذلك تم تفضيل سياسة الإستنزاف غير المباشر، بدل الضربة الشاملة. وجرت نقاشات هادئة ولكن شديدة الحساسية خلف الأبواب المغلقة بين مسؤولين إسرائيليين وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأبلغت تل أبيب واشنطن إن النظام الإيراني رغم ما يمرّ به من إهتزازات داخلية قد لا يكون ضعيفاً بالقدر الذي يجعل أي ضربة عسكرية واسعة قادرة على إحداث تحول حاسم أو إسقاط سريع للنظام. وحثّ المسؤولون الإسرائيليون الرئيس ترامب على التريث وعدم التعجل في تنفيذ عمل عسكري شامل معتبرين إن المشهد الإيراني لا يزال سيّالاً وقابلاً للتغيّر السريع في أكثر من إتجاه، وإن إستقرار النظام أو إهتزازه قد يتبدل خلال فترة قصيرة. هذه النصيحة لم تأتِ من موقع معارضة لفكرة تغيير النظام، بل من قناعة بأن التدخل العسكري في توقيت غير مناسب سيفضي إلى نتائج عكسية لا تخدم الهدف النهائي. وهكذا، تتراكم الطبقات فوق بعضها: شارع يغلي، دولة تتصلب، قوة عظمى تضغط، إقليم يتوجس، ونظام دولي عاجز عن الحسم. في هذا التراكم، يصبح كل تفصيل مهماً بدا صغيراً ذا دلالة. تصريح، تسريب، تحرك عسكري، أو حتى صمت، كلها إشارات في لعبة أكبر. النهاية، إن كانت هناك نهاية، لم تُكتب بعد. ما كُتب هو فصل مفتوح، عنوانه صراع الإرادات. إرادة البقاء، إرادة التغيير، وإرادة الهيمنة. وبين هذه الإرادات، تقف إيران، لا كضحية فقط، ولا كجلاد، بل كساحة تختبر فيها موازين القوى في عالم يتغير بعنف.




