دولي

من كوبا إلى غرينلاند: عودة عقلية الإمبراطوريات في زمن ترامب

ماتريوشكا نيوز

في لحظة تاريخية يعاد فيها إنتاج منطق الإمبراطوريات، يعود الرئيس الأمريكي الأسبق ولحسن حظه “الحالي” والمرشّح المحتمل دونالد ترامب إلى الواجهة كخطر سياسي عابر للحدود، يهدد بنسف ما تبقّى من النظام الدولي والتحالفات الغربية. من كوبا، التي لم تغادر يوماً مخيلة واشنطن كحديقة خلفية قابلة للضبط أو العقاب، إلى غرينلاند، الجزيرة القطبية التي تحوّلت فجأة إلى جائزة إستراتيجية في سباق النفوذ العالمي، يكشف الرئيس ترامب عن نهج ثابت يقوم على منطق واحد: القوة أولاً، والثروة قبل القانون، والمصلحة الأميركية فوق كل إعتبار حتى لو كان الثمن زعزعة إستقرار أوروبا نفسها.

هذا النهج ليس وليد اللحظة فمنذ الحرب الباردة، نظرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى كوبا كرمز للتحدي الآيديولوجي، وحاصرتها إقتصادياً وسياسياً في محاولة لإخضاعها. أما غرينلاند، فقد دخلت الحسابات الأميركية منذ العام 1946حين حاولت واشنطن شراءها من الدنمارك، إدراكاً لأهميتها الجغرافية والعسكرية. لكن ما فشل فيه الرؤساء السابقون عبر الدبلوماسية، يحاول ترامب اليوم فرضه بلغة التهديد والإبتزاز السياسي، مستنداً إلى عالم مضطرب، وحرب أوكرانيا، وصعود الصين، وسباق محموم على الموارد.

غرينلاند، في حسابات ترامب، ليست أرضاً متجمّدة، بل كنزاً إستراتيجياً هائلاً: ثروات ضخمة من المعادن النادرة الضرورية لصناعة التكنولوجيا المتقدمة والأسلحة، إحتياطات محتملة من النفط والغاز، مخزون هائل من المياه العذبة، وموقع جغرافي يمنح من يسيطرعليه تفوقاً عسكرياً في القطب الشمالي وعلى طرق التجارة الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد. لذلك، لم يتردد الرئيس ترامب في التصريح مؤخراً بأن الولايات المتحدة الأمريكية “بحاجة إلى غرينلاند”، ولو رغماً عن الدنمارك وسكان الجزيرة، في سابقة تعكس إستخفافاً صارخاً بالسيادة والقانون الدولي.

أما كوبا، فتندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة رسم النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية، عبر تشديد الحصار، وتوسيع الضغوط السياسية، ومنع أي تمدد صيني أو روسي في المنطقة. هنا، يلتقي الماضي بالحاضر: عقيدة مونرو تعود بثوب أكثر عدوانية، حيث تُستخدم العقوبات، التهديدات، وحتى الفوضى الإقتصادية كأدوات لإعادة إخضاع دول رفضت الإنصياع الكامل لواشنطن.

الخطر الحقيقي، وفق مراقبين أوروبيين، لا يكمن فقط في طمع ترامب بالثروات أو الأراضي، بل في العقلية التي تحكم قراراته: عقلية ترى في الحلفاء عبئاً، وفي أوروبا تابعاً، وفي القانون الدولي عائقاً يجب تجاوزه. تصريحات ترامب الأخيرة حول غرينلاند، وتجاهله الكامل لمواقف الدنمارك والإتحاد الأوروبي، أعادت إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ، حين كانت القوى الكبرى تتقاسم العالم بلا إعتبار لسيادة الدول أو إرادة الشعوب.

اليوم، تجد أوروبا نفسها أمام معضلة غير مسبوقة: شريك إستراتيجي تقليدي يتحوّل إلى مصدر تهديد، ورئيس أميركي يعيد إنتاج سياسة التوسع، لا بإسم الإستعمار الكلاسيكي، بل بإسم “الأمن القومي وحماية المصالح”. بين كوبا وغرينلاند، وبين الماضي والحاضر، يتضح أن نهج ترامب ليس نزوة عابرة، بل مشروع قوة قد يدفع أوروبا والعالم إلى مرحلة جديدة من عدم الإستقرار والصدام المفتوح.

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، عزمه التوصّل إلى إتفاق مع الدنمارك لتملّك جزيرة غرينلاند، مشدداً على أن الولايات المتحدة الأمريكية ستحقق هدفها “باللين أو الشدة”، رغم تأكيد كوبنهاغن المتكرر أن الإقليم الواقع في القطب الشمالي ليس للبيع. وقال الرئيس ترامب للصحافيين في البيت الأبيض: “أنا معجب بالدنمارك أيضاً، ويجب أن أخبركم أنهم كانوا لطفاء جداً معي”، مضيفاً: “لكن كما تعلمون، وصولهم إلى هناك بسفينة قبل 500 عام لا يعني إنهم يملكون الإقليم”. وتابع الرئيس الأمريكي: “أود أن أبرم صفقة بالطريقة السهلة، ولكن إذا لم نفعل ذلك باللين، فسنفعله بالشدّة”. وجدد الرئيس ترامب إصراره على ضرورة إستحواذ الولايات المتحدة الأمريكية على غرينلاند، معتبراً إن ذلك يأتي في إطار حماية الأمن القومي الأمريكي من تهديدات محتملة من الصين وروسيا. وقال: “لا يمكننا السماح لروسيا أو الصين بإحتلال غرينلاند.هذا ما سيفعلانه إذا لم نفعل نحن ذلك”.

وكان البيت الأبيض قد رفض إستبعاد الخيار العسكري للسيطرة على غرينلاند، مشيراً في الوقت نفسه إلى إن الرئيس “يدرس” شراء الجزيرة، من دون تحديد الشكل الذي قد تتخذه هذه الصفقة. وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، أقر الرئيس ترامب بأنه قد يضطر للإختيار بين الحفاظ على وحدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو السيطرة على الإقليم الدنماركي.

وتأتي هذه التصريحات بعدما شددت رئيسة الوزراء الدنماركية “ميته فريدريكسن” على إن بلادها عضو في حلف الناتو، محذّرة من إن أي هجوم أمريكي على دولة عضو في الحلف من شأنه أن “ينهي كل شيء”. كما تابعت قائلة: “لا معنى على الإطلاق للحديث عن حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للإستيلاء على غرينلاند، وليس لها أي حق في ضم أي من الكيانات الثلاثة في المملكة الدنماركية”.

وأعاد هذا التصريح فتح الجدل حول ماهية “الكيانات الثلاثة” التي تتكون منها المملكة الدنماركية، وطبيعة العلاقة الدستورية والسياسية التي تربط بينها. كما جدد النقاش بشأن تاريخ الدنمارك كقوة إسكندنافية توسَعت ثم إنكمشت، وفقدت أقاليم كبرى مثل النرويج، وباعت ممتلكات بعيدة مثل جزر فيرجين في الكاريبي، في مسار تاريخي يفسر جانباً من حساسيتها الراهنة تجاه أي حديث عن التفريط بالأراضي.  فالدنمارك الواقعة في شمال أوروبا، تشكّل القلب السياسي والديموغرافي والإقتصادي للمملكة، ومنها تنبثق المؤسسات السيادية الأساسية، وهي العرش والحكومة والبرلمان. وتتولى إدارة شؤون السياسة الخارجية والدفاع للكيانات الثلاثة، كما تمثل المحرك الإقتصادي والإجتماعي للمملكة، حيث تتركز البنية التحتية المتقدمة، والموانئ وشبكات الطاقة والمؤسسات التعليمية والعلمية. ويتكوّن هذا الكيان جغرافياً من شبه جزيرة يوتلاند الممتدة شمالاً من ألمانيا، إضافة إلى أرخبيل واسع من الجزر في بحر الشمال وبحر البلطيق، أبرزها جزيرة زيلاند التي تضم العاصمة كوبنهاغن، وجزيرتا فين ولولاند. وقد أسهم هذا التكوين الجغرافي في جعل الدنمارك، تاريخياً، دولة بحرية وتجارية بامتياز، تتحكم في المضائق البحرية الحيوية بين بحر الشمال وبحر البلطيق.

ولقد أعلن المبعوث الجديد للرئيس ترامب إنه سيعمل على جعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية وتعد الدنمارك جزءاً من الإقليم الأوروبي الشمالي المعروف باسم إسكندنافيا. وعلى الرغم من صغر مساحتها، التي تبلغ نحو 43 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها الذي يناهز ستة ملايين نسمة، أدت دوراً ملحوظاً في التاريخ الأوروبي. وكانت شبه جزيرة يوتلاند تاريخياً مركز تشكل الدولة الدنماركية الأولى، ومنها إنطلقت الممالك الإسكندنافية، ولا سيما خلال عصر الفايكنغ، حين أسهم الدنماركيون، إلى جانب شعوب إسكندنافيا الأخرى، في إعادة تشكيل المجتمع الأوروبي عبر حملات الغزو والتجارة والإستيطان. وخلال العصور الوسطى، بسط التاج الدنماركي نفوذه على أجزاء واسعة من شمال غرب أوروبا بفضل قوة إتحاد كالمار، قبل أن تقيم الدنمارك في القرون اللاحقة شبكات وتحالفات تجارية إمتدت في أنحاء شمال وغرب أوروبا وخارجها.  وفي العصور الوسطى، شكَلت الدنمارك نواة قوة إسكندنافية كبرى حين بسطت نفوذها على مساحات واسعة من شمال أوروبا. ففي العام 1397 أٌنشئ إتحاد كالمار بفضل جهود الملكة مارغريت الأولى، وهو إتحاد ضم الدنمارك والنرويج والسويد تحت تاج واحد، ما جعل كوبنهاغن مركزاً لإمبراطورية إسكندنافية واسعة، تبعتها الأقاليم الخاضعة آنذاك للنفوذ النرويجي، وهي آيسلندا وغرينلاند وجزر فارو, غير أن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً.

تُمثل غرينلاند اليوم أكبر هذه الكيانات الثلاثة من حيث المساحة، وتقع الجزيرة في القطب الشمالي، وتُعدّ أكبر جزيرة في العالم، وتبلغ مساحتها 2 مليون كيلومتر مربع، فيما يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة وغالبيتهم من الإنويت ذوي الهوية الثقافية واللغوية المختلفة جذرياً عن الدنماركيين. ويُعتقد إن شعب الإنويت عَبَرَ إلى شمال غرب غرينلاند من أمريكا الشمالية، في سلسلة من الهجرات التي إمتدت من العام 2500 قبل الميلاد.

ثم وقعت غرينلاند تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء الإحتلال الألماني للدنمارك في الحرب العالمية الثانية، وأُعيدت إلى الدنمارك في العام 1945. وبعد الحرب، إستجابت الدنمارك لشكاوى سكان غرينلاند بشأن إدارتها للجزيرة، حيث تم إلغاء إحتكار شركة غرينلاند التجارية الملكية في العام 1951، وبعد أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك في العام 1953.

وكان سكان غرينلاند حذرين من نوايا واشنطن، لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخزّن قنابل نووية على الجزيرة أثناء الحرب الباردة دون علم غرينلاند، وعلى الرغم من الحظر الدنماركي على مثل هذه الأسلحة، بالإضافة إلى ذلك، في العام 1968 تحطمت طائرة عسكرية أمريكية تحمل 4 قنابل هيدروجينية بالقرب من ثولي، أقصى شمال غرينلاند. وكانت هناك دعوات لإستقلال غرينلاند، وحققت الأحزاب التي كانت تطالب بمزيد من الحكم الذاتي إنتصارات إنتخابية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد صوّت أهالي غرينلاند في العام 2008، في إستفتاء لصالح المزيد من الحكم الذاتي، والمزيد من السيطرة على موارد الطاقة ومنح لغة الكالاليسوت أو لغة غرينلاند الغربية وضع اللغة الرسمية بدلاً من الدنماركية. وأكدت الدراسات في العام 2010، أنّ جليد غرينلاند يذوب بمعدلات أسرع ممّا يرفع مستوى البحار والمحيطات.

ولقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز، عن مصادر، إن رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن والقادة الأوروبيين شعروا بالصدمة والرعب والإرباك إزاء أحدث تصريحات واشنطن حول غرينلاند. وفي وقت سابق، شكك نائب وزير الخارجية الأمريكي ستيفن ميلر، في مقابلة مع شبكة CNN، في شرعية سيطرة الدنمارك على غرينلاند. وبعد أن طلبت منه الشبكة إستبعاد إحتمال القيام بأي عمل عسكري لضم الجزيرة، صرّح ميلر بأن الجزيرة مأهولة بـ 30 ألف نسمة، وبالتالي فإن مثل هذا العمل غير ضروري.  وكتبت صحيفة نيويورك تايمز: “في حين إن فريدريكسن كانت تأخذ تهديدات الرئيس ترامب على محمل الجد منذ فترة طويلة، إلا إن تعليقات ميلر القاسية حطمت جهودها التي إستمرت عاماً  كاملاً لإقناع الرئيس الأمريكي بهدوء بالتخلي عن سعيه للسيطرة على غرينلاند. وأثارت تصريحات ميلر هذه، ذهول فريدريكسن التي بدت عليها علامات الإنفعال الشديد، وأشعلت حالة من الذعر شبه التام بين زملائها في أوروبا، وفقاً لأكثر من إثني عشر مسؤولاً دبلوماسياً وعسكرياً وغيرهم في عدة دول”.

وأضافت بعض المصادر للصحيفة، إنه حتى بالنسبة لقارة إعتاد قادتها على هجمات الرئيس ترامب المتكررة، فإن الهجمات المتجددة على غرينلاند “تركت المسؤولين الأوروبيين مصدومين ومرعوبين وقلقين”.  وقال ثلاثة من الدبلوماسيين الأوروبيين وكذلك مسؤول عسكري غربي رفيع المستوى للصحيفة، إنه توجد جهود في أوروبا حالياً لتخفيف حدة التصريحات على أمل أن يتمكن أعضاء الكونغرس الأمريكي، بمن فيهم الجمهوريون، من إقناع الرئيس ترامب ومساعديه بالتراجع عن قضية غرينلاند. وكان ترامب الرئيس الأمريكي قد دعا مراراً خلال الأشهر الأولى من عودته إلى البيت الأبيض لفرض الولاية القضائية الأمريكية على غرينلاند، ولم يستبعد إستخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن والمتمتعة بموقع إستراتيجي. وفي ديسمبر من العام 2025، أعلن الرئيس ترامب عن تعيين حاكم ولاية لويزيانا، جيف لاندري، مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند. وأكد الأخير لاحقاً نية الولايات المتحدة الأمريكية ضم الجزيرة. وكان الرئيس ترامب أكد يوم الجمعة مجدداً سعيه للسيطرة على جزيرة غرينلاند، قائلاً إن واشنطن سوف تفعل “شيئاً” بشأن غرينلاند، “سواء أعجبهم ذلك أم لا”، وشدد على إن الولايات المتحدة الأمريكية  بحاجة إلى إمتلاك غرينلاند لضمان الأمن القومي، وإن إستئجار الجزيرة لن يكون كافياً ولن “يشبع” مطالبه.

كما أفادت إذاعة “راديو 4” الدنماركية بأن مبيعات أعلام غرينلاند إرتفعت بشكل كبير في الدنمارك على خلفية محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسيطرة على الجزيرة. وجاء في تقرير الإذاعة: “تشهد مصانع الأعلام الدنماركية زيادة حادة في مبيعات أعلام غرينلاند. ويأتي هذا في نفس الأسبوع الذي صعّدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية من لهجتها بشأن رغبتها في بسط سيطرتها على غرينلاند”. وأبلغت إحدى أكبر شركتين مصنّعتين للأعلام في الدنمارك الإذاعة إن حوالي 90% من الطلبات عبر الإنترنت هذا الأسبوع تضمنت أعلام غرينلاند، مقارنة بنسبة 3-5% المعتادة. ويذكر إن الرئيس الأمريكي كرر مراراً إن غرينلاند يجب أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية  نظرا لأهميتها الإستراتيجية، بينما ردّ رئيس وزراء غرينلاند السابق موتي إيغيدي بأن الجزيرة “غير معروضة للبيع ولن تباع أبداً”.

وفي بيان مشترك، حذر رئيسا وزراء الدنمارك وغرينلاند، ميتي فريدريكسن وينس-فريدريك نيلسن، الولايات المتحدة الأمريكية  من الإستيلاء على الجزيرة، مؤكدين على ضرورة إحترام سلامة أراضيهما المشتركة. وذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” نقلاً عن إستطلاع رأي أجرته شركة Verian أن الغالبية العظمى من سكان غرينلاند لا يرغبون في الحصول على الجنسية الأمريكية. وكانت الجزيرة مستعمرة دنماركية حتى العام 1953، ولا تزال جزءاً من المملكة حتى الآن، ولكنها مُنحت الحكم الذاتي في العام 2009، ما يسمح لها بإدارة شؤونها وتحديد سياستها الداخلية.

وقد أوردت صحيفة “فاينانشال تايمز” إن دول الإتحاد الأوروبي لا تمتلك إستراتيجية مُحكمة لمواجهة المحاولات المحتملة للولايات المتحدة الأمريكية للإستيلاء على غرينلاند. وبحسب الصحيفة، فإن الدول الأوروبية تفتقر أيضاً لهذه الإستراتيجية وذلك لمنع سيناريوهات تعتبر أكثر إحتمالية، مثل رشوة سكان غرينلاند أو إجبار الحكم الذاتي على الإنفصال عن الدنمارك. كما أشارت إلى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يمتلك التفوق في أي حال وسيرد بـ”ضربة أقوى أو يطلق تهديدات أكثر جدية”. وفي أوساط القيادة الأوروبية، يتم النظر في تطبيق إجراءات مضادة محتملة تشمل إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا أو حظر شراء سندات الخزينة الأمريكية. لكن فرص قيام الإتحاد الأوروبي بمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل فعلي تُعتبر ضئيلة، حيث يفضل القادة الأوروبيون إستخدام ما يُوصف بـ”الضغط الإستراتيجي” على الرئيس ترامب للحفاظ ظاهرياً على دعم الولايات المتحدة الأمريكية لأوكرانيا. ويذكر إن الرئيس ترامب أكد مراراً على ضرورة ضم غرينلاند للولايات المتحدة الأمريكية. فقد إقترح خلال فترته الرئاسية الأولى شراء غرينلاند، وفي مارس 2025 أعرب عن ثقته بإمكانية ضمها. كما شكك نائب رئيس أركان البيت الأبيض السابق ستيفن ميلر في حق الدنمارك في السيطرة على الجزيرة، مؤكداً أنه “يجب أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة الأمريكية”. وكما أشرنا سابقاً إن غرينلاند هي إقليم ذاتي الحكم تابع لمملكة الدنمارك. وفي العام 1951، وقعت واشنطن والدنمارك – بالإضافة إلى التزامات حلف شمال الأطلسي (الناتو) – معاهدة دفاع عن غرينلاند، إلتزمت بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية بالدفاع عن الجزيرة من أي عدوان محتمل..

أما بالنسبة لكوبا فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الخميس، إن “كوبا في ورطة كبيرة وعلى وشك الإنهيار من تلقاء نفسها”. كماعلَق على الوضع في كوبا خلال مقابلة له مع البرنامج الإذاعي “ذا هيو هيويت شو” فقال أعتقد إن كوبا على وشك الإنهيار. كوبا في ورطة كبيرة. أنظروا، لقد حصلت كوبا على كل أموالها مقابل الحماية، وكانوا بمثابة حماة”. وأشار إلى إن “الشعب الكوبي قوي وصلب، وشعب عظيم، وماركو يحمل في عروقه بعض الدماء الكوبية”. كما أوضح الرئيس ترامب: “لا أعتقد أن هناك ضغطاً أكبر يمكن ممارسته على البلاد من مجرد إقتحامها وتدميرها”. وفي وقت سابق، قال الرئيس ترامب إنه من غير المرجح أن تكون هناك حاجة للتدخل العسكري الأمريكي في كوبا لأن البلاد تبدو آيلة للسقوط من تلقاء نفسها، مشيراً إلى إن الإقتصاد الكوبي الذي كان يعتمد في جزء كبير منه على الدعم النفطي من فنزويلا بات اليوم “خالياً من أي دخل”. كما حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قادة كوبا في أعقاب إعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مشيراً إلى إن واشنطن غير معجبة بالنظام الكوبي.

أما كندا فقد أثارت عملية القبض المفاجئة على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتصاعد تصريحات الرئيس ترامب بشأن ضم غرينلاند قلقاً بالغاً في كندا، ما دفع المواطنين إلى أخذ تهديدات الرئيس الأمريكي السابقة للسيادة الكندية على محمل الجد. وتقول “بلومبيرغ” “إن إعلان الإدارة الأمريكية بأن هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا” يجعل تصريحات الرئيس ترامب السابقة بشأن ضم كندا تبدو أقل شبهاً بالإهانات الموجهة لرئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، أو مجرد تكتيكات تفاوضية في حربه التجارية مع رئيس الوزراء الحالي مارك كارني”.  وأفادت الوكالة بأن أكبر صحيفة وطنية كندية  والأكثر إنتشاراً في البلاد، نشرت مقالاً صريحاً هذا الأسبوع يحذر من إحتمال لجوء الرئيس ترامب إلى “الإكراه العسكري” ضد كندا. كما ونصح المقال: “تعلموا من دفاعات فنلندا، ووسعوا قوات الدفاع المدني، وإبنوا إستراتيجية وطنية للطائرات المسيّرة، وفكروا في ما لا يمكن تصوره”. وقال توماس هومر ديكسون، أحد مؤلفي المقال وهو أكاديمي كندي متخصص في أبحاث الأمن العالمي: “الأمر كله يتعلق بتغيير الحسابات.. إذا كانت هناك محاولة لإستخدام القوة العسكرية ضدنا، فيجب أن يكون واضحاً إنها ستكون مكلفة للغاية”.  وفي حين أثارت تصرفات ترامب قلق القادة حول العالم، فإن لدى الكنديين سبباً خاصاً للقلق، ففي نهاية المطاف، يسعى الرئيس ترامب ومستشاروه، فيما يتعلق بغرينلاند، إلى السيطرة عليها بل ويلوَحون بإمكانية اللجوء إلى العمل العسكري في منطقة ذات موقع إستراتيجي في القطب الشمالي، وعضو في حلف الناتو، وكندا تجمع كل هذه الصفات أيضاً. وقال ويسلي وورك المستشار السابق للحكومة الكندية لشؤون الأمن والحدود: “أعتقد أن العديد من المسؤولين في أوتاوا يجدون صعوبة في تصديق إننا وصلنا إلى هذه المرحلة، بغض النظر عن الأدلة”. وقد وصف تحركات الرئيس ترامب بشأن فنزويلا وغرينلاند بأنها “جرس إنذار أخير لكندا، سيؤكد حقيقة إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد كما كانت”، مشيراً إلى إن ما يمكن لكندا فعله لردع الرئيس ترامب هو أقل وضوحاً.

وكان قد فاز كارني بمنصبه العام الماضي متعهداً بالتصدي للرئيس ترامب، قائلاً إن الرئيس “يريد تحطيمنا حتى تتمكن أمريكا من السيطرة علينا”، لكن منذ الإنتخابات، تجنب كارني إستعداء نظيره الأمريكي حتى مع سعيه لتعزيز التجارة مع الصين ودول أخرى لتقليل إعتماد كندا على جارتها الجنوبية. ودعا كارني هذا الأسبوع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إحترام سيادة غرينلاند والدنمارك التي تعد غرينلاند جزءاً منها، دون التطرق إلى تهديدات ترامب السابقة لكندا. ويشكك معظم المحللين في إمكانية غزو الجيش الأمريكي لكندا، وقالت ستيفاني كارفين، الأستاذة المشاركة في جامعة كارلتون في أوتاوا والمحللة السابقة للأمن القومي في الحكومة الكندية: “مازلت أعتقد أن هذا الأمر أقرب إلى الخيال العلمي.. لكنني أظن الآن، أكثر من أي وقت مضى، إن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لشل الإقتصاد الكندي بطرق تخدم أهواء الرئيس”. وترى إن التطورات في فنزويلا مع سيطرة ترامب على إحتياطيات النفط الهائلة في البلاد، تشجعه. وقالت: “سيكون الرئيس الأمريكي الآن أكثر “شهية” للإنخراط في مغامرات للهيمنة على نصف الكرة الغربي”.

الجيش الكندي غير مهيأ؟  إن الجيش الكندي غير مهيأ لمواجهة عالم أكثر عدائية، إذ لا يتجاوز عدد أفراد قواته النظامية وقوات الإحتياط الأساسية 100 ألف جندي للدفاع عن ثاني أكبر مساحة أرضية على وجه الأرض. وتشكَل الكوارث الطبيعية والمهام الأخرى، مثل مهمة حلف شمال الأطلسي في لاتيفيا حيث يتمركز جنود كنديون، ضغطاً كبيراً على موارده. واليوم تعمل حكومة كارني على زيادة رواتب الجنود لتشجيع الشباب على التجنيد، وتخصص عشرات المليارات من الدولارات لشراء طائرات مقاتلة وغواصات ومعدات أخرى جديدة، ما قد يساعد كندا على بلوغ الحد الأدنى للإنفاق المطلوب من حلف الناتو، وهو 2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما توجد خطة أولية وردت تقارير عنها في وسائل الإعلام الكندية، لبناء قوة قوامها 100 ألف جندي إحتياطي و300 ألف جندي إحتياطي إضافي، لكن تنفيذ معظم هذه الخطوات سيستغرق سنوات.

ينصبّ حالياً إهتمام ترامب على أمور أخرى، لكنه سيعود قريباً إلى كندا، إذ بدأت الدول مراجعة مقررة للإتفاقية التجارية التي وقعها الرئيس ترامب في ولايته الأولى “إتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا.

في المحصّلة، يتبيّن إن ما يطرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من كوبا إلى غرينلاند لا يمكن فصله عن مشروع سياسي متكامل يقوم على إعادة تعريف النفوذ الأمريكي بمنطق الهيمنة لا الشراكة. فالأمر لا يتعلق فقط بتصريحات إستفزازية أو طموحات إنتخابية، بل بنهج يرى في الدول والموارد والجغرافية أوراقاً قابلة للمساومة والإخضاع. أطماع الرئيس ترامب في غرينلاند، بثرواتها الهائلة من المعادن النادرة والطاقة وموقعها الإستراتيجي في قلب القطب الشمالي، تقابلها سياسة خنق وضغط متواصل على كوبا، في محاولة لإعادة فرض السيطرة الأمريكية على الفضاء الكاريبي وأمريكا اللاتينية، ومنع أي نفوذ منافس، روسي كان أو صيني.

هذا المسار يعيد إلى الأذهان أسوأ فصول التاريخ السياسي العالمي، حين كانت القوى الكبرى تتعامل مع العالم كخريطة مصالح، لا كمنظومة دول ذات سيادة. الفرق اليوم إن هذا النهج يصدر من داخل المعسكر الغربي نفسه، ومن شخصية سياسية لا تخفي إزدراءها للقانون الدولي، ولا تتردد في تهديد حلفاء تقليديين إذا تعارضت مصالحهم مع حساباتها. أوروبا، التي تجد نفسها معنيّة مباشرة بملف غرينلاند، تدرك إن الخطر لا يكمن فقط في فقدان منطقة إستراتيجية، بل في ترسيخ سابقة خطيرة تُشيرعن منطق القوة وتفتح الباب أمام سباق نفوذ يزعزع إستقرار القارة بأكملها.

وبين الماضي والحاضر، يتضح إن الرئيس ترامب لا يبتكر سياسة جديدة بقدر ما يُعيد إحياء عقلية قديمة بثوب معاصر: عقلية ترى إن الأمن يُشترى، وإن الموارد تُنتزع، وإن التحالفات تُدار بمنطق الربح والخسارة. من كوبا المحاصَرة إقتصادياً، إلى غرينلاند المهدَّدة بتحويلها إلى ساحة صراع دولي، تتقاطع الأطماع مع الخطاب القومي، وتتحول المصالح الإقتصادية إلى أدوات ضغط سياسي.

في نهاية المطاف، السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد مقتصراً على نوايا ترامب أو حدود طموحاته، بل على قدرة المجتمع الدولي، وخصوصاً أوروبا، على مواجهة هذا النهج قبل أن يتحوّل إلى أمر واقع. فإما التمسّك بقواعد السيادة والتوازن الدولي، أو القبول بالعودة إلى عالم تحكمه شريعة الأقوى، حيث تُرسم الخرائط من جديد، وتُدفع الشعوب ثمن صراعات لم تخترها. بين كوبا وغرينلاند، تتكشف ملامح مرحلة خطيرة، سوف لا تكون مجرد فصل عابر في السياسة الدولية، بل بداية لإنزلاق طويل نحو فوضى عالمية جديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى